التسكع في الحمرا عبارة أطلقها هنيعبل – اسم حركي لهاني نعيم – وهو زميلٌ بدأنا  العمل سويًا في صحيفة الأخبار اللبنانية بصفحة شباب الأخبار – قبل إسقاطها من أعداد الجريدة لدواعي التقشف – لأوقات المرح التي تحوّلت من أساسيات العمل في صحيفة الأخبار اللبنانية للتفكير بمواضيع عصرية جديدة، فأصبحت هذه المهنة – أي التسكع – أسلوبًا نندمج به بعضنا ببعض بعمق إنساني، فتختلط أقاصيصنا وضحكاتنا وبكاءنا كفريق عمل، بعد أو قبل دوام الشباب (شباب وصبايا) – وفق الداوم – فنخبر محاضر اجتماعاتنا واتصالاتنا (عل رايح والجاي) خالطين أفكارنا ببعض (لنطلع) بصفحة الليلة أو الغد… فكان لأحد الناشطين في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني فكرة إنشاء مقهى اسمه (سيمبلي رد)  فتجتمع كل (الشلّة) أي مجموعة مفكرين وصحافيين في هذا المقهى، وقد نستمر في جلسة العصف الذهني في مقهى آخر يقدم الأكل اللبناني مع فريق قسم السياسة في الأخبار وهو (البارومتر).

منذ نشأت الأخبار اللبنانية، حتى (تشحيل أوراق شجرة) الصحيفة تدريجيًا كان الفريق هذا ينسحب – بعد حفلة (تمسيح) اجتماعي، سياسي، اقتصادي، أو قبلها، وفق طرائق البحث الاجتماعية – تدريجيًا مع (زمزمة) العدد، فكلما سقطت صفحة ، نعرف أنه سيسقط معه اسم من الجريدة، حتى أقفل (السيمبلي رد)، ولم نعرف ما آل إليه مصير البارومتر لـ(انضبابنا) تدريجيًا من الشارع، حتى إقفال المقهى في أسفل الجريدة، والـ(سوبرماركت) كله، حيث كنا نجتمع على (حبة شوكولا)، أو على جلسة سريعة مع أحد المصادر فنسلّم على بعضنا البعض.

تدريجيًا خفّ وهج شارع الحمرا اللبناني، الذي كان بعد مرحلة الـ2005 عنوانًا للانفتاح السياسي، لما يحمل فيه من معانٍ كمركز لعدد كبير من الأحزاب اللبنانية، من تيار المستقبل اللبناني، ونشاط حزبي وثقافي، يجتمع فيه خيرة المثقفين والمفكرين، كذلك عدد كبير من مراكز الجمعيات الدولية، فإن سألت مسؤولة صفحة الشباب في الأخبار ماذا تريد أن تكتب يا هاني: يقول عن شارع الحمرا.

وفي السفير اللبنانية التي أقفلت أبوابها، عدا الأرشيف الذي يفتح للساعة الثانية بعد الظهر، عندما كانت صفحة شباب تستقطب أبرز الأقلام، يسأل إبراهيم شرارة: ماذا تريد أن تكتب يا بلال؟ عن شارع الحمرا، حتى أصبح شارع الحمرا هذا عنوانًا في (السفير اللبنانية)، وحتى في صحيفة البلد اللبنانية – مركزها الدكوانة – التي هي على أبواب الإغلاق بعد موت رئيسها بيار قاضي. ماذا تريد أن تكتب هذه الشابة من كسروان تجيب: عن شارع الحمرا!

الحمرا كانت عنوانًا يجذب إلى وسط بيروت ومن وسط بيروت إليه، ومرورًا بشارع الأشرفية. اليوم مع كل سقوط أعمدة الصحافة هذه، وعمليات التشحيل التي حصلت، أصبح شارع الحمرا خاويًا إلا من بضع مقاهٍ، ومقاهٍ تحولت إلى مصارف، أم أعطت مكانها لمقهى شبيه بالمكان والشكل، إلا اسمه، وحتى ناسه غابوا فما عادوا يمرون يوم أحد أو سبت، وإن كان الشوق يشحذ حنان إحدى الرفيقات لتجدها جالسة، ولن تجد إلا نادرًا نادرًا مرور رئيس قسمك الذي استقال، أو انتقل إلى موقع إلكتروني غيّر إدارته مرارًا، أو رئيسة قسمك التي لم تنفع الوساطات الإنسانية – لما كره الحاقدون موهبتها – في إبقائها بمنصبها، ولا مغامرة في أخطر شوارع بيروت علك تغيّر في قرار سياسي لا تدري من اتخذه لأنك مؤمن بجدارتها. هكذا أصبح شارع الحمرا حزينًا كروّاده الذين سيصبحون سابقين لغياب من يشتاقون إليهم، فيمرون صدفة علهم يتركون عطرهم ها هنا.. فنعرف أنهم مرّو وتهرول خلفهم لتستقطبهم على حديث شيّق قد ينتهي بعنوان الصفحة الأولى التي ما كنت يومًا نجمها، ولا تدري إن كنت ستصير يومًا، لكن على رأي درويش (سأصير يومًا ما أريد).. أليس كذلك يا أيها الثائر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد