يكاد لا يخلو منزل من وجود هاتف جوال أو هاتفين على الأقل، ولا يوجد منزل لم يخترق بأشهر ثلاثة تطبيقات في التواصل الاجتماعي (فيسبوك- يوتيوب- واتساب)، وبعض البيوت دخل إليها (وي تشات- وتيك توك- وإنستجرام- وكيو كيو- وتطبيقات أخرى كثيرة ليس هنا محل ذكرها)، في الحقيقة هناك مئات التطبيقات مدرجة تحت اسم (التواصل الاجتماعي) وغالبها لم أسمع بها من قبل، إلا أنني عرفت اسمها خلال بحثي لإعداد هذا المقال، وقرأت في الكثير من المصادر عن هذه المواقع وما ينشره روادها، وجميعها أسلحة دمار شامل للثقافة والهوية والقيم، إضافة لإذاعات وصحف ومجلات وتلفزيون، والخطورة في أن هذه الأدوات لا يقتصر استخدامها على فئة عمرية أو فكرية معينة، بل إن الأمر متاح للجميع.

مرض الأخ الأصغر لصديقي، وعندما زرته، سألت صديقي: ما الذي حصل فجأة لأخيك؟ كما أعلم أنه لا يعاني من أي مرض، فقال لي هو متأثر جدًّا من عدم التفاعل الكبير مع صوره التي ينشرها على مواقع التواصل، وهو لا يحصد أكثر من 100 لـ200 تفاعل، والأمر عنده بدأ من ناحية نفسية، ثم تطور لمرض جسدي!

في أحد الأيام سألت طلابي لأطمئن عما يشاهدونه على شاشات التلفاز، وكنتُ آمل أن يكون ما يشاهدونه مع أسرهم برامج هادفة، أو أفلام ومسلسلات ذات قيمة، ولكن المفاجأة أنَّ الجميع ذكروا لي أسماء برامج ومسلسلات هدفها تدمير القيم والأخلاق واستساغة الرذيلة في المجتمع العربي.

كلمة إنجليزية قبيحة قالها أحد طلابي أثناء الدَّرس، وهو لا يعرف معناها، وإنما قالها ممازحًا صديقه، وعندما سألته أين سمعت هذه الكلمة؟ قال:«سمعتها على يوتيوب»، وهنا أيقنتُ أنَّ هذه الإنتاجات الرقمية مخترقة بنسبة كبيرة «بالتَّفاهة واللاأخلاقية» وهذا ما جعلني أتعمَّق وأبحث وأطالع لأعرف من وراء تبني هذه التَّفاهة ونشرها وتسويقها؟

ساعدت وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي السُّفهاء والمختلِّين ليظهروا وينشروا تفاهاتهم، بعدما تأقلم الناس تدريجيًّا مع فوضى الإعلام في نشر الفاحشة والرَّذيلة، من خلال الدفع بنكرات ومجاهيل ومغمورين لم يكونوا شيئًا إلى مدارج الشهرة ومصاعد النجومية؛ نتيجة قيامهم بأعمال «عبثية» وأشياء «تافهة».

في هذا السِّياق يحضرني مقولة شهيرة للكاتب النمساوي كارل كراوس الذي تحدَّث عن سيطرة التافهين على العالم فقال:
«هوت شمس الثقافة أرضًا، حتى أصبح الأقزام يظهرون بمظهر العمالقة»، والمتتبع لما ينتشر في «وسائل التواصل الاجتماعي» أو التلفزيون يلاحظ بشكل جلي وواضح كيف استطاع صنَّاع المحتوى التافه تسطيح الثقافة، وإلغاء القيم، وإلباس المفاهيم على الناس، فلم يعد عوام الناس قادرين على التمييز بين الجيِّد والسيئ، ولا بين أهل العلم ومن لبسوا ثوبه، أو بين أصحاب الحق ومدعيه.

وفي اللغة يُقال: طعامٌ تافه، أي طعامٌ دون نكهة، ويُقال: تفكير تافه، أي خال من الأهمية والشأن وبلا قيمة، وتأتي الكلمة في سياق الحقارة والدناءة، وتأتي بمعنى البلادة والغباء، وهذا تمامًا ما يشاهده ملايين الناس، إسقاط القدوات من أعين الجيل الذي يبحث عن قدوة، فلا يجدون ضالتهم إلا في فلان وفلان من رموز التفاهة، كما يقوم هؤلاء بمهمة إسقاط الأسرة، حتى يصير الشارع والمقهى ورفيق السُّوء هو أسرة ولدك أو ابنتك، وتسخيف التعليم والمدرسة، فيكون لدينا جيلًا همه حصد التفاعلات على صورة أو منشور، وهمه الحصول على توقيع أو سيلفي من فلانة وفلانة، والركض خلف التفاهة والتافهات، والحياة بلا هدف أو قيمة.

وهذا تمامًا ما تحدَّث عنه الفيلسوف الكندي آلان دونو، الذي اعتُبر مصدر إزعاج في الأوساط الكندية؛ خاصة بعد إصداره عام 2008 كتابًا بعنوان مثير «كندا السوداء: النهب والإفساد والإجرام في أفريقيا»، حيث قال:«إن نظام الرداءة والتفاهة يسمح لإنسان تافه وجاهل بأن يتاجر في المخدرات، ويعمد إلى تبييض أمواله، فيبني مستشفى يُشغل فيه الأطباء، أو يُشيد مدرسة أو جامعة تُشغل مدرسين وأساتذة، أو يُنشئ مقاولة يُوظف فيها مهندسين، فيغدو هذا التافه النكرة رمزًا وقدوة في المجتمع، لا بل صاحب الرأي والمشورة والسلطة والقول؛ أمرًا ونهيًا».

فبين غفلة المثقفين، وفراغ المشاهدين، تنتشر المحتويات الضعيفة فكريًّا وأخلاقيًّا، بواسطة مهرِّجين يسعون للشهرة والمال، عبر سنوات من التراكمات والشحن السالبة.

فيا أيها الأمهات ويا أيها الآباء،
وأوجه النداء للأمهات أولًا، لأنهن الأشد تأثيرًا في الطفل، والأقدر على ملامسة قلبه وروحه، أرجوكم راقبوا أبناءكم، ماذا يشاهدون، ومن يتابعون، ومع من يتحدَّثون، ومن هم أصدقاؤهم، اختاروا لهم بعناية فائقة المحتوى الذي يشاهدونه، كونوا لهم قدوة، وحدثوهم عن الرجال العظماء، قصِّي على ابنتك قصص النساء العظيمات، لا تترك ولدك دون قدوة، اعقدي قلب ابنتك بالمدرسة والمسجد، فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، ولنعي أنَّ الدفع بالتافهين إلى الواجهة والمقدمة، يعد جريمة في حقِّ الأجيال الناشئة.

ويا أيها الشباب، بكم يعمُرُ الوطن ويعلو، وبعزائمكم يرتقي، لندرك أنَّ المعركة خطيرة، وهي قديمة حديثة، تطور من زمن لآخر، والباطل جنَّد الإمكانيات والقدرات، وأوجد المنظمات المختلفة والوسائل المتنوعة، لنشر الدعاية المضللة، والتدليس والكذب وتشويه الحقيقة، وجعل الحمقى مشاهير وقدوات، لنكون على قدر المسؤولية ونكون سدًّا منيعًا في وجه هذا السيل العارم من الغزو الفكري والثقافي لأمتنا، فالمعركة لن تنتهي طالما أن مقاومة وممانعة هذا الغزو قائمة، وأصوات النقد تتعالى، والدعوات للتصدي للتفاهة ورموزها ومقاطعتهم مستمرة، لنعيد للكلمات معناها، وللمفاهيم اعتبارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد