لا أريد أن أقول كلامًا معادًا مكرورًا، لكني في الوقت ذاته لا أستطيع أن أقف مكتوف الأيدي أمام ما يحدث -على مرأى ومسمع مني- في أرض الفيروز، فأنا من هذه الأرض وهي مني؛ فكلانا روحان حللنا بدنًا، ففيها بيتي وأهلي وقبيلتي وبُنيَّتي «حبيبة» التي لم تُكمل عاملها الأول بعد! فعذرًا أيها القراء عذرًا.

كانت تبكي والدموع بللت أهدابها، تشكي لله حالها، سرقوا شبابها، اعتدوا على حرماتها، رموها في شرفها، ثم سددوا طعناتهم القاتلة إلى جسدها الضعيف حتى أدموه، مثَّلوا بجسدها الغض الطري ورقصوا فوقه، وشربوا حتى أُترعت كؤوسهم وما زالوا يشربون! قتلوها وهي في عز شبابها وهي في مهدها، قتلوها ولم تنعم بالحياة بعد، وأجهزوا على كل عرق ينبض فيها بالحياة ولسان حالهم يقول: «لا نريد أن تقوم لك قائمة بعد اليوم».

إنها سيناء يا سادة!

سيناء تنزف فهل من مجيب؟ هل من مسعف يضمض جراحها، ويلملم روحها، ويواسي أهلها في النكبة التي حلت بهم، وما زالت تحل قريبًا من ديارهم؟

تواجه اليوم أرض سيناء حربًا ضروسًا وممنهجة لا أجد لها هدفًا وغاية سوى فصل ذلك الجزء عن جسده. فصل أرض الفيروز عن مصرنا الحبيبة، ولم لا وقد أضعفوه ومنعوا عنه النماء والعطاء منذ سنين حتى أحالوه إلى صفرة الجادي من حمرة الوردِ؛ فقتلوا كل معنى نبيل في عقول شبابها، وحرموه أقل القليل من وسائل الحياة؛ فلا تعليم، ولا دواء، ولا غذاء؛ حتى جعلوا منه جسدًا بلا روح ومسخًا بلا هوية.

ولا يخفى على كل عاقل أن ما يجري في أرض سيناء اليوم اليد الطولى فيه لليهود، بالتعاون مع السيسي الذي اعتبروه بطلًا قوميًّا لهم، وهو خطة ممنهجة موضوعة مسبقًا، ولا مبرر له ولا هدف سوى أنهم يريدون أن يكملوا الهدف الذي سعوا له من قبل منذ الحكم العثماني لمصر؛ فمنذ سنين وهم يسعون لفصل سيناء فكريًّا ومعنويًّا عن مصر، ولا شك أنهم الآن يريدون أن يضعوا جدارًا للفصل العنصري في سيناء، كما فعلوا في فلسطين، وهو أمر واضح لكل ذي بصيرة، وليس ببعيد كما هي عادتهم على مر التاريخ. فقد سعوا إلى وصم أهلها بالخيانة والخسة والنذالة، وهم أهلها وأحق بها «أي اليهود»، وزادوا على ذلك أن شهَّروا بها في وسائل الإعلام، وسخروا أساطيلهم الإعلامية والفكرية للطعن في أهلها، فصدَّروا للعالم صورة ماسخة واهنة عن سيناء، وجعلوا منها أرضًا جدباء لا زرع فيها ولا ماء؛ حيث لا أمن ولا استقرار ولا حياة سوى بعد الموت، وبذلك زرعوا في عقول الناس أفكارًا دنيئة خبيثة حول سيناء؛ فقالوا إنها أرض إرهاب وتطرف وخسة وخيانة، وغير صالحة للعيش والسكن فيها، وهي من ذلك كله بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب.. ويا لها من مفارقة! أليسوا هم من كادوا ليوسف وعزموا على قتله ورموه في البئر، ثم جاؤوا على قميصه بدم كذب وقالوا: «أكله الذئب»؟!

سيناء جزء أصيل من مصر، فهي الروح التي نستمد منها مصريتنا ووطنيتنا، ومن ثم حياتنا، فإذا وقعت سيناء فلا معنى لذلك سوى وقوع مصر وانهيارها، ولمَ لا وقد تحطمت على أرض سيناء سيوف الأعادي من مغول وتتار وصليبيين وفرنجة وفرنسيين ويهود وغيرهم كُثر. سيناء بوابة مصر، ومصر بلا سيناء كبيت بلا أبواب، وحذار أن تتحطم الأبواب، فحينها سيندب كل مصري على مِصْره، وحينها يكون قد فات الأوان، ولن ينفع الندم حيث لا ندم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سيناء
عرض التعليقات
تحميل المزيد