(الجنرال أيضًا لا يعرف سوى الحلول الأمنية؛ حتى وإن أوهَمَنا بغير ذلك!)

بإمكانك أن تستدعي تلك اللقطة – بالأبيض والأسود- التي تبثّها بعض القنوات، للجنرال وهو يؤكّد أن الهجوم الذي تمّ في الشيخ زويّد “يستهدف كسر إرادة مصر وجيشها”، ثم تستدعي بعدها العشرات من اللقطات والصور وعناوين الأخبار لما تمّ بعد ذلك في التعامل مع منطقة سيناء بوجه عام.

 

فقد أعلنت السلطات المصرية تنفيذ خطة لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة، تمتد من 400 متر إلى كيلومترين (تقع داخل المنطقة “ج” محصورة بين حدود قطاع غزّة ومكان تمركز قوّات الأمم المتحدة!)؛ خارج الحدود الإدارية لمدينة الشيخ زويّد بالأساس، وهو ما استدعى إجبار آلاف من الأهالي الذين يقطنون المنطقة العازلة المفترضة على التخلي عن منازلهم وأراضيهم الزراعية.

 

لجأت سُلُطات الجنرال إلى الحلّ الأمني مباشرة، مستبعدة الحلّ التنموي والمجتمعي تمامًا لأنها لا تعترف به، أو ربما لا تعرفه من الأساس. في جميع الأحوال هي لا تحتاجه.

 

سُلطات الجنرال لا تحتاج أن تعرف شيئـًا عن مشروع المركز القومي للبحوث بوزارة الزراعة لتنمية المشروعات الزراعية الصغيرة بسيناء، فضلاً عن أن تُفعّله، أو مشروع تطوير النظم الزراعية في سيناء تحت إشراف الدكتور سعيد شحاتة، أو مشروع ترعة السلام، أو مشروع تنمية سيناء المعطّل، أو سحّارة الدفرسوار، أو قانون “التنمية المتكاملة لشبه جزيرة سيناء”، أو الاستراتيجية المتكاملة لتنمية سيناء التي قدّمها بدو سيناء لحكومة الجنزوري في ديسمبر 2011م، أو مشروع حكومة هشام قنديل المتكامل لتنمية سيناء بتكلفة تزيد عن 4 مليارات جنيه.

 

هي أيضًا تتجاهل، ولا زالت، المقترحات التنموية المُخلصة التي قدّمها كثيرون – منهم كاتب المقال-، متضمّنةً (معاملة أهالي سيناء على أنهم مواطنين من الدرجة الأولى، وعدم التمييز ضدهم سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي أو الأمني أو الخدمي – وإنشاء نقاط عبور أخرى تربط سيناء بالوادي، بخلاف كوبري السلام ونفق الشهيد أحمد حمدي – وإنشاء محطة لقناة فضائية تبثّ من داخل سيناء – وإقامة مراكز دعوية موسّعة ومنتشرة تابعة لوزارة الأوقاف والأزهر الشريف، ومراكز ثقافية وتعليمية – وتفعيل السياحة الداخلية للمواطنين المصريين داخل سيناء، وبرامج معايشة الأسر وتبادل الزيارات والموافدة – وإقامة أندية رياضية بملاعبها متنوعة النشاطات تشارك في دوريات وبطولات، وتبادل اتفاقات المؤاخاة والاستضافة مع أندية أخرى معروفة ومنتشرة على مستوى الجمهورية – وتوطين المواطنين المصريين من كافة مناطق مصر في ربوع سيناء بما يحقّق التوازن الديموغرافي المطلوب – وتفعيل مشاريع الثروة السمكية ومشاريع التعدين داخل سيناء – وغيرها).

 

إلا أن عقليات الجنرالات منذ ستين عامًا وحتى اليوم، ترى الأمر فيما يخصّ سيناء بشكل غامضٍ ومختلف. فمنذ فصل البريطانيون، خلال فترة احتلالهم الطويلة لمصر، شبه جزيرة سيناء عن وادي النيل، لأسباب استراتيجية تخدم مصالحهم… وأبناء الوادي، بما في ذلك موظفي الدولة، كانوا ملزَمين بالحصول على تصريح خاص لدخول سيناء.. ولأسباب غير واضحة حتى الآن، حافظت الدولة خلال العهد الناصري على القيود الإدارية ذاتها، ثم واصلت امتداداتها الحاكمة تكريس الوضع ذاته بصور متنوّعة حتى اليوم.

 

حتى الحلّ الأمني جاء أحوَلاً شديدَ الحوَل! إلا أن لهذا الحوَل تفسيرًا مُقنعًا تجده في الاقتباس التالي من تقدير الموقف الذي نشره مركز الجزيرة للدراسات: (القرار بإنشاء منطقة عازلة على الحدود، الذي قدمه نظام السيسي باعتباره الإجراء الرئيس لعلاج الفشل الأمني الذي كشفته عملية الشيخ زويد، لا علاقة له بمكافحة الإرهاب في سيناء والتعامل مع المنظمات المسلحة فيها. المنطقة العازلة هي أصلاً مطلب إسرائيلي-أميركي، وترتبط بالسياسة المصرية الجديدة تجاه قطاع غزة والمقاومة في القطاع، وليس من المتوقع أن تؤثر، سلبًا أو إيجابًا، في الحرب الدائرة بين الحكم والتنظيمات المسلحة في شمال سيناء. ولعل تأييد الناطقة باسم الخارجية الأميركية، 30 أكتوبر، لخطوة المنطقة العازلة، بالرغم من الشبهات الدستورية-الحقوقية والإنسانية التي تحيط بها، يشير بوضوح إلى أن مصر تستجيب أخيرًا للمطلب الإسرائيلي-الأميركي). (تقدير موقف “مصر: تفاقم الأزمة في سيناء” – مركز الجزيرة للدراسات)

 

ربما لم يُدرِك نظامُ الجنرال بعدُ، بحلوله الحَولاء الغشيمة تلك، أن شبه جزيرة سيناء مُرشّحة بامتيازٍ فريدٍ للتحوّل إلى (بؤرة انفصالية) في أقرب فرصة، هذا إن لَم تكُن قد بدَأت ترتيباتٌ ما بالفعل في هذا المسار.

 

فمنذ التسعينات والعِقد الأول الفائت من القرن الحالي، حفلت الحملات الأمنية على المجتمع السيناوي بقدرٍ هائلٍ من العنف والاستباحة، وجاءَت الحَملة العسكرية الأخيرة، المستمرة منذ قرابة العامَين، متّسمةً بطابع القمع والعقوبات الجماعية، وتلتها إجراءات ما بعد عملية الشيخ زويد، من منع التجوال لساعات طويلة، وقطع الاتصالات، وتدمير المنازل والتجمعات السكانية والمزارع والممتلكات، والإهانات العلنية لكافة شرائح المجتمع، والتهجير الجماعي.

 

من الطبيعي مع إجراءات القمع هذه، أن تتسع الهوة بين أجهزة الدولة والمجتمع، وتتزايد فرص التنظيمات المسلّحة في تجنيد العناصر، وتوفير البيئات الحاضنة.

 

لا توجد بُقعة في العالَم، تحتاج لأكثر ممّا سبق – من بيئة اجتماعية وسياسية وعسكرية تعاني غياب حقوقها وهضمها وإهمالها بل وقمعها- كي يكون قاعدةً تنطلق منها للتفكير في “الانفصال” و”الحُكم الذاتي” وما شابه، خصوصًا إذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الموقع الجغرافي الطرَفي الذي يُبعِدها عن مركز السُلطة في العاصمة آلاف الكيلومترات، ولا يربطها به إلا منفَذوا (كوبري السلام ونفق أحمد حمدي) يمكن – ويا للسُخرية- لأي عملية تخريبية مُحكَمة أن تقضي عليهما وتجعل قيمتهما تساوي صفرًا مَجيدًا.

ما يُثير القلق من إمكانية التفكير في الانفصال، أن إمكانات شبه جزيرة سيناء تحوي مقوّمات الدولة المستقلّة. فلديها طبيعة جغرافية منيعة، ومساحتها الكلية 61 ألف كيلو متر مربع (1 : 16 من مساحة مصر)، وتمتلئ بالكثير من العيون والآبار، وتحت جزء غير قليل منها خزّان جوفي هائل مُنسَرب بزاوية انحدار كبيرة من ماء النيل، والمساحة الصالحة للزراعة من أراضيها مبدأيًا 1.2 مليون فدان، وتمتلك ثروة معدنية هائلة تتمثّل في: (الفحم، الطوب الرملي، الرخام، خام الأسمنت، رمل الزجاج، الجبس، الحجر الجيري، إضافةً إلى الرمال السوداء الحاوية للعناصر المشعّة، وخامات الحديد والتيتانيوم، كما تتواجد بكثافة خامات النحاس والفيروز، وخام الألمونيت، وملح كبريتات النحاس).

هذا إلى جانب حقول الغاز الطبيعي، ومنها حقل جوز أبو رعد، والذي ينتج وحده 65 ألف متر مكعب يوميًا، وحقول البترول في وادي فيران وسدر وعسل أبو دربه، وبعض المناطق ذات المواصفات الفريدة منها على سبيل المثال “بئر العبد”، التي تمثّل محطةً استراتيجيةً هامةً (تاريخيًا، وفي العصر الحديث)، وأثبتت الكشوف التاريخية صلاحية أجوائها للتخزين الغذائي طويل الأمد، كما أن فيها بحيرة البردويل ذات الإنتاج السمكي الكبير والمتميّز، كما تشتهر بالثروة الحيوانية والداجنة، إضافةً إلى زراعاتها من الخضروات والفاكهة والنخيل، وآبارها خاصةً منطقة جنوب رابعة وخندق قطيّة! علاوة على مناطق أخرى حيوية وسياحية تُشَدّ إليها الرّحال من مُختَلف بقاع العالم!

 

 

الحقيقة أننا أمام شبه جزيرةٍ واسعة من الأرض، منيعة، تتوافر فيها مقوّمات ذاتية تغنيها بنفسها، بل وقد تقيمُها على قدميها كدولة، تقعُ على أطراف الدولة المصرية بعيدًا عن مركز السُّلطة في القاهرة، ظروفها الجغرافية والجيولوجية والمناخية تساعد على العمل والقيام بأنشطةٍ كثيرةٍ ومتنوعةٍ بعيدًا عن النظر، يشتكي أهلها من إهمال الدولة لهم ولحقوقهم، بل ويلازمهم الإحساس منذ عقود بأنهم ليسوا مواطنين بالدرجة الأولى، بل ولطالما تعالت في وجوههم نبرات التخوين والتهميش، فضلاً عن القبضة الأمنية الباطشة وإجراءات القمع والتهجير والتضييق، زيادةً على انتشار السلاح بشكلٍ طبيعي لدى كثيرٍ من مواطنيها، وتوافر بيئة حاضنة بدرجة ما لتنظيمات مُسلّحة تنطلق فيما تنطلق من منطلقات استحقاقية، جعلت المحللين يتوقّعون أن تتسع الحاضنة المجتمعية للمسلحين، وأن تتزايد أعداد المنضوين في صفوفهم من أبناء القبائل السيناوية على وجه الخصوص خلال الشهور القليلة المقبلة.

 

إذا كُنّا أمام منطقة بكل هذه الظروف؟! ما الذي يمنع أهلها من التفكير في الانفصال بأنفسِهم عاجلاً أو آجلاً عن السُلطات التي تفعل بهم ما تفعل؟! هل يُدرك الجنرال ونظامه ما قد تتطوّر إليه الأمور؟!

 

الأمر ببساطة ودون كثير من الشرح والتوضيح، (هناك توجّهٌ أكبر لإفساح المجال أمام ولادة دول جديدة، عوضًا عن منع خصوم الجوار من غزو بعضهم بعضًا، سيبقى هذا على رأس الاهتمامات، أحيانـًا تكون الانقسامات هي السُبُل المُثلى نحو تكوين صداقات أفضل). [باراج خانا – مقالة “الانفصال قد يكون مفيدًا” – مجلة فورين بوليسي 2011م].

ولكن نظام الجنرال لا يعرف سوى الحلول الأمنية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي, سيناء, مصر

المصادر

- سيناء الماضي والحاضر وآمال المستقبل – الهيئة العامة للاستعلامات.
- مصر: تفاقم الأزمة في سيناء" – تقدير موقف – مركز الجزيرة للدراسات.
الفوضى المتفاقمة في سيناء – دانيال بايمان وخالد الجندي – مجلة ناشيونال إنترّست – ترجمة مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
- الانفصال قد يكون مفيدًا – باراج خانا – مجلة فورين بوليسي 13 /1 /2011م.
- معاهدة كامب ديفيد بملحقاتها – الوثائق الرسمية.
- خريطة سيناء، الحدود الدولية وخطوط المناطق – بترجمة مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر.
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد