لست مجبرًا أن أصدق كذبة ضخمة جدًا تفوق حدود الدول وتكفر بكلّ المسافات لتسيطر على عقولنا الواهية كي تجعل قلوبنا المكلومة تؤمن بشيء اسمه «حقوق الإنسان» في عالم كهذا، وتجعلنا نترقّب على أمل حقيقته «ذل» أن تأتي تلك الدول الكبرى التي تفيض بالإنسانية لدرجة أنّها تصدّرها لبقية الدول التي بنظرها عبارة عن غابة أو حظيرة كبيرة من الحيوانات التي لا تعقل معنى إنسانية؛ أن تأتي لتنقذنا ممّا نحن فيه.

لست مجبرًا يا مجلس الأمن ويا مجلس الأمم المتحدة ويا منظمة حقوق الإنسان ويا المحاكم الدولية والمنظمات الحقوقية أن أؤمن بكم وبما تجيدونه من كذب وخبث ونفاق، بل إنني أعلن أنني كافر بكم وبإنسانيتكم الممسوخة عن كتلة ضخمة من القذارة والنتانة.

كيف تطلبون منّا أن نؤمن بكم ونلقي بظلال أملنا الباهت أو الميّت أصلًا على ظهوركم وأنتم بالأمس القريب وقفتم دقيقة صمت على أرواح 4 راحوا ضحية تفجير «إرهابيّ» بلندن، بينما هناك 200 بالعراق و100 بالرقة راحوا ضحية قصف تحالفكم الملعون، عن طريق «الخطأ»!

أتحدث بوصفي فردًا من أفراد شعب عانى كثيرًا وفقد كثيرًا وتعلم جيدًا وأخذ الدروس تلو الدروس من حياة واهمة كهذه وعالم منافق، لذلك فلا أعوّل على أيّ دولة طالما أنّنا عرفنا وفهمنا بشكل واضح أن الدول تعمل لصالحها فحسب، الكلّ يبحث عن مصلحته السياسية والعسكرية والاقتصادية والبيئية والعملية والجهنمية.

ثمّ يأتون ليتحدثوا بتقطيب حاجبين ونبرة ثقيلة مع نظرة حادّة ويقولون «نحن نستنكر!». حقًّا تستنكرون؟ لمَ كلّ هذا العناء والتعب؟ من أجل مَن؟ إنّهم بعضة مئات من الدول التي لا تستحقّ اتهامكم، من دول متخلفة عن ركبكم تعيش بالشرق الأوسط الذي توجد فيه دولة اسمها «إسرائيل» لا تريدون لأيّ دولة بالشرق الأوسط أن ينازعها أو تشعر هي بالخطر تجاهه. وبالمناسبة إسرائيل أدّت دورًا تمثيليًّا رائعًا بعد المجزرة الكيميائية ببلدة خان شيخون في إدلب شمال سوريا، عندما قال نتنياهو إنّه مصدوم من الصور التي وصلت من هناك. يا إلهي! يا للإنسانية التي تتقطّر من فمك كما… لن أشبّه الآن هنا بشيء.

أنا كافر بالإنسانية التي على طريقة المجتمع الدوليّ الكاذب، وبما أنّه كاذب فلن أصدّقه ولن أؤمن به، هناك دول صغيرة 5 أو 6 بالكاد هي التي تقود أو تجرّ بالأحرى عالَمنا هذا، تتحكّم به وترسم بشكل جيد ومدروس النتائج وتحسب بشكل دقيق ما ستقوم به ومع مَن.

هل تذكرون حرب العراق مطلع 2003 والتي تُوّجت بدخول أمريكا للعراق ومقتل مئات الآلاف من «المسلمين» العراقيّين ومن ثمّ إعدام صدام حسين يوم عيد الأضحى! تذكرون هذا جيدًا، ولكن هل تذكرون ماذا كان السبب والدافع على دخولها؟ السبب الأبرز هو اتهام نظام صدام البعثي بامتلاك أسلحة دمار شامل وهذا بالطبع يشكّل خطرًا على الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما، وهناك سبب آخر وهو تخليض الشعب العراقي «الشقيق» من ديكتاتور ومن ثمّ منحه الديمقراطية والحرية والحقوق على طبق من ذهب، طبعًا بعد تدمير قوته الجوية والبرية والبحرية وسلب ثرواته النفطية والمعدنية، وبعد انتهاك حُرماته الدينية، وبعد انتهاك إنسانيّته في سجن «أبو غريب»، وبعد عمليّات اغتصاب لمئات النساء العراقيّات والتي تُعادل أحذيتهنّ كلّ القيم التي تعوي بها أمريكا وحلفاؤها.

لن أقول لكم إنّه بعد الحرب لم يتمّ العثور على أيّ سلاح دمار شامل ولم يتمّ نشر أدلة على امتلاك نظام صدام لتلك الأسلحة، ولم أخبركم عن الأوضاع التي خلّفتها الحرب على العراق من انقسام طائفي مخيف وتدهور اقتصادي وعسكري سحيق! لن أخبركم لأنّكم تعون هذا جيدًا.

بل أريد أن أسألكم بما أنّ الولايات المتحدّة الأمريكية وحلفاءها شنّوا حربًا على العراق بحجّة وجود أسلحة دمار شامل؛ لماذا لم يتحرّكوا أنفسهم عندما لوّح لهم الأسد بسلاحه الكيميائيّ وقصف بها منطقة الغوطة بريف دمشق في 2013 مخلّفًا 1300 قتيل بينهم 300 طفل على الأقل؟ ألم يفقد أوباما احترامه وقتها حيث تلاشت خطوطه الحمراء أو اختنقت من أثر الكيميائيّ! أم أنّ العالم رأى أنّ عمليّة تدمير تلك الأسلحة وإجبار الأسد بذلك هو الحلّ الأمثل؟ ولكن يا شيوخ الإنسانيّة أين الحديث عن 1300 ضحيّة؟ هؤلاء ماذا؟ ماذا يعنون بالنسبة لكم؟ لا شيء بالطبع، نحن نعرف هذا جيدًا.

في الحقيقة معظم أفراد الشعب السوري باتوا لا يعوّلون على أحد، وبمعنى أصح لا ينتظرون الحلّ من أحد. نعم هناك حركات سياسية تعمل وأخرى عسكرية تتصارع ولكن أتحدث عن المدنيّين وأنا منهم، هناك رمق أمل نعيش عليه، والأمل الذي أقصده هو الذي يُشعرنا بطاقة كالأهل أو الذين نحبّهم. أصبحنا نعيش لأجلهم لا لأجل أنفسنا، ولكن لو نظرنا لسوريّ فقد عائلته كلها زوجته وأطفاله كلهم كالطبيب السوري محمود السايح، فقد عائلته بلحظات قصيرة، يا تُرى كيف يشعر الآن وما الذي يُسلّيه!

أعرف أنّ بلدان العالم المجاورة لنا وغير المجاورة باتت تضيق ذرعًا بنا، سعد الحريري يهدّد العالم بنا «لن نستمرّ في تحمّل أعباء النازحين السوريين بدون دعم دوليّ»! وآخر يهدّد بنا أوروبا وآخر يهدّد إسرائيل بنا، ثمّ يطلبون منّا أن نصدّق كذبة الإنسانيّة.

الإنسانية التي لن أؤمن بها هي إنسانيّة المجتمع الدوليّ وإنسانيّة الدول المتصدّرة التي تجرّ العالم من عنقه بحبل من حديد، يريدون منّا أن ننظر لأنفسنا على أنّنا حشرات ومخلوقات نمثّل عبئًا على العالم وأنّ الحريّ بنا أن نموت بصمت ولا ننغّص عليهم عيشتهم الراقية.

اكتشفنا وما زلنا نكتشف حقيقة الإنسانية التي يتحذلقون بها كذبًا وبهتانًا ونفاقًا، رأينا أوروبا كيف ساقت الكلاب تجاه متظاهرين أتراك، ورأينا كيف يخرج نكرة كـ«غيرت فيلدرز» ويقول إنّ القرآن ككتاب «كفاحي» لهتلر مستهزئًا وساخرًا، ويعتبر المسلمين أعداءً، بينما يُوصي باتباع المسيحية الرائجة بهولندا لأنها مثال يُحتذى به! رأينا كيف يُقتل منّا الملايين لا الآلالف ولا مئات الآلاف بل الملايين دون حراك ودون ذعر، رأينا كيف لا يريدوننا أن نكون أقوياء، رأينا كيف يريدوننا أن نعيش من فضلهم وتحت سلطتهم وأن نرى أنفسنا حمقى متخلّفين لا نفقه شيئًا وهم أصحاب الفضيلة والحضارة.

أخيرًا وبكلّ إنسانيّة تفيض منّي ومع كلّ ما قاسيته وفقدته وعانيته وذقت مرارته؛ مع كلّ هذا لا أتمنّى أن يحلّ الشرّ بهذا العالم أكثر ممّا فيه الآن، بل أتمنّى أن نُشكّل مفهومًا منصفًا لمعنى الحقوق والإنسانيّة والحرية والعيش المشترك، أتمنّى أن نستيقظ من سباتنا كمجتمع بمختلف أديانه وأعراقه ونفهم الخطورة التي تحدّق بنا جميعًا من غير استثناء، ونعمل من أجل غد أفضل ومستقبل أحسن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s