من التحديات الكبيرة التي تواجهك كإنسان حر متمسك بمبدأ الحق الذي تؤمن به وتستعد لأن تموت لأجله، هو أن تجد نفسك مبعدًا رغمًا عنك عن حياة بقية السرب، لأن المتنفذين في سربك أرادوا لك أن تكون مثل بقية أفراد السرب في كل شيء، لا أن تكون مختلفًا عنهم أو ملونًا بلون آخر يتماشى مع فكرك… فعقابك هو الإقصاء القصريْ والنفي خارج دائرة التأثير… وربما تتعرض للمساومة في كل شاردة وواردة لتعود إلى صف من اختاروا أن يكونوا كالقطيع الذي جُرد من كل ما يمكنه أن يدافع به عن نفسه، ثم يساق إلى الذبح، وهو مستسلم تمامًا لأنه متيقن أنه فاقد للقدرة التي تمكنه من الدفاع عن نفسه وعن بقية أفراد القطيع.

وهنا يأتي دورك … إما أن تكون سلبيًا فستجيب لضغوطاتهم عليك فتصبح مثلهم وجزء منهم فتتبنى طريقتهم في التفكير، وإما أن تنأى بنفسك عن صخبهم فتلتزم بيتك، وتلزم الصمت، وتمضي أيامك ترثي نفسك وتشكو الظلم الذي أحكم قيوده حول عنقك، أو قد تكون نقيض ذلك، لأنك ربما شخص مغامر تعشق التحدي، أو ربما إنسان حر أصيل، فالجرأة والشجاعة ورفض الذل جزء من تركيبك النفسي والجسدي، فتختار حينها الطريق الأصعب والأقسى، تختار أن تحافظ على هويتك الخاصة وسماتك الشخصية وتفكيرك ومبادئك كما هي، وتقبل التحدي برحابة صدر، وتنطلق لتثبت أنك الأفضل والأصح باختلافك، والأقدر على قيادة السرب لما فيه الخير لهم ولغيرهم.

ولكن انتبه؛ فقبل أن تبدأ مسيرك عكس التيار لا بد وأن تتحصن بما يقويك ويمكنك من الصبر والثبات، ويشحن همتك وعزيمتك… ويعينك على الاستمرار فترات طويلة في سباحتك تلك حتى تقترب من شاطئ الظُفر… واعلم أنك باختيارك هذا تكون كمن أمسك عصا وضرب بها منتصف خلية نحل ضربة موجعة، فالنحل لن يقف مكتوف الأيدي، بل سيدافع بكل امتلك من قدرة على اللسع عن مملكته التي تراءى له أن هناك ما يهددها أمنها واستقرارها… وحينها لن تدري من أي الجهات ستأتيك اللسعات الموجعة.

وقبل أن تنطلق في رحلة الظفر أو ربما الرحيل تعلم كيف تحفز نفسك بنفسك، وكيف تشحذ همتك وحدك، وكيف تقرر ماذا ستفعل وأي الدروب ستسلك دون ناصح يرشدك، واعبر قرارك بقوة وشجاعة ودون تردد… ثق بنفسك طوال الوقت… لأن نفسك هي الشخص الوحيد الذي سيقف معك ويعينك ويتقاسم معك التعب والألم خلال الرحلة، والفرح والسرور عند الظفر… فلا تبخسها حقها من الثقة والاحترام.

احذر… انتبه… إن أُرهقت نفسك، فلا تسمح لها أن تعلن استسلامها وسط الرحلة… لأن الأمواج العاتية والأعاصير أحاطت بها من كل مكان… أو لأن طاقتها قد نفذت، فلا طاقة لها بمصارعة الأمواج والمسير وسط الإعصار… أبدًا… ذكَّرها بأن نقطة الظفر باتت قريبة، فعندما تصل إليها فالنصر هناك ينتظرها ويتوق لمعانقتها… وهناك أيضًا الكثير من الأشياء الرائعة واللذيذة بانتظارها… فلا بد لها من الثبات على ما تبقى من مشاقّ، وأخبرها بأن ما بقي، لن يكون أكثر صعوبة مما مرت به، وإن كان كذلك، فإنها تعلمت الكثير، واكتسبت من الخبرات والمهارات التي ستساعدها في مقاومته والتغلب عليه…

سترهقك السباحة عكس التيار… وربما تغرق وتغادر دنيا البشر قبل وصولك بر الأمان… ولكن لا تقلق… مهما كانت النتيجة النهائية فأنت المنتصر بثباتك على مبدأ الحق… وأما أمام نفسك، فستبقى حرًا أبيًا عزيزًا شريف النفس أهلًا للاحترام… فأنت لم تبع نفسك بثمنٍ دنيويٍ ماديٍ رخيص… فما يباع ويُشترى يبقى رخيصًا… مهما ارتفع ثمنه… وتذكر… أن جميع الألم يزول ويتلاشى وكأنه لم يكن في وقت ما ويصبح مجرد ذكرى تشحذ نفسك، وتؤكد لك ولجميع البشر أن بإمكان تحقيق المستحيل إذا كانوا أصحاب مبدأ وإرادة… بينما في الحالة الأخرى… يبقى الذل يثقل كاهل صاحبه على كل الأحوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد