سنغافورة دولة صغيرة مساحة وسكانًا، لكنها دولة عظيمة اقتصادًا وقانونًا، تقع فى جنوب شرق آسيا ما بين ماليزيا وأندونسيا، وتتكون من جزيرة رئيسة وعدة جزر أخرى، وتقع على مساحة حوالى 700 كم مربع ، بينما يبلغ عدد سكانها حوالى خمسة ملايين نسمة، وطبقًا لمؤشر عام 2016 الصادر عن مركز أبحاث «Economic Freedom» تحتل سنغافورة المركز الثانى عالميًا اقتصادًا وقانونًا؛ حيث يبلغ حجم الناتج القومى 471 مليار دولار، وتصدر ما قيمته 377.1 مليار دولار، بينما متوسط دخل الفرد 85.3 ألف دولار ونسبة البطالة 1.9 % ومجتمعها خالى من الفقراء!

بدأت سنغافورة نهضتها من منتصف الستينات وكانت مصر آنذاك نموذج للنهضة بين دول العالم النامى، ولذا تطلعت قيادة سنغافورة للاستعانه بمصر فى تحقيق النهضه، ويومًا قام رائد نهضة سنغافورة رئيس وزرائها «لى كوان يو» سائلًا الرئيس «جمال عبد الناصر» العون المصرى، لكن القاهرة تجاهلت رسالة سنغافورة، كانت القاهرة آنذاك تمتاز بجمالها ونظافتها وتحضرها وصناعتها، بينما سنغافورة مجرد دولة ناشئة بلا موارد إطلاقا، لا عماله ولا أرض ولا ماء ولا رمل، وتعانى من قذارة ضاربة ومبانى محطمة.

سنوات تمر، وسنغافورة تبهر العالم اقتصادًا وتنمية وتطوير وسياحة، بينما هى تستورد الماء من جارتها ماليزيا، وتستورد الرمال أيضا لتردم البحر المحيط بها، وتكثف من عمليات البناء رأسيًا علاجا لمحدودية المساحة، ولتصبح سنغافورة واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية على مساحة الكيلومتر المربع بعد جزيرة ماكاو الصينية وإمارة موناكو الأوروبية.

هذه المساحة المحدودة هى أحد العوامل التى جعلت سنغافورة تلجأ يومًا للاتحاد مع جارتها الملايو تحت مظلة ماليزيا، بدافع نقص موارد سنغافورة وافتقادها الأسواق والقوة الشرائية، لكن سرعان ما دب الخلاف السياسي ما بين كوالالمبور وسنغافورة، وقرر برلمان ماليزيا بالإجماع طرد سنغافورة من الاتحاد.

وانطلقت سنغافورة غير عابئة بفقرها ونقص مواردها، بإرداة حديدية وقوانين صارمه، لتصبح سنغافورة اليوم وعلى مدار سنوات واحدة من أقوى اقتصادات العالم، وأفضل دول العالم من حيث انخفاض الجرائم، وتكاد تعلن أنها مجتمع بلا جريمة، كما أنها دائمًا على قائمة أنظف عشر دول فى العالم، وإن كان يطلق على سنغافورة لقب «الاقتصاد المعجزة»؛ بتجربتها الفريدة كمركز مالى ومرفأ عالمى، فإنها تلقب أيضًا «مدينة الغرامات».

الغرامات قاسية للغاية ورادعة للغاية، تجعل المواطن السنغافورى والأجنبى يفكر مليون مرة قبل أن يرتكب مخالفة وإن كانت بسيطة، وليست الغرامات هى السمة الوحيدة للقانون فى سنغافورة، بل أيضًا الضرب بالعصا، وطبقًا للقانون يتم توقيع عقوبة الضرب بالعصا فى مكان عام، والعقوبات تتراوح حسب المخالفة أو الجريمة، بدء من الغرامات الرادعة والضرب بالعصا والخدمة المجتمعية والسجن والإعدام. وعقوبات الضرب بالعصا تشمل حالات خرق القانون، من إلقاء عقب سيجارة، وعدم شطف مقعد الحمام، وفى حالة تناول المخدرات تصل العقوبة إلى السجن 13 عامًا، والجلد بالعصا 12 مرة، أما قضايا تهريب وتجارة المخدرات فعقوبتها الاعدام!

يومًا فى عام 1993 ، اتهم شاب أمريكى بإتلاف سيارات، فحكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر وغرامة قدرها 3500 دولار سنغافورى أى ما يعادل 2200 دولار إضافة للضرب ست مرات بالعصا، وتدخل الرئيس الأمريكى «بيل كلينتون» وأعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكى لرفع العقوبة عن الشاب، وكانت وجهة نظرهم الاكتفاء بالغرامة، وأن الشاب لم يرتكب عنفًا لكى يتلقى ضربًا بالعصا، لكن إكراما للرئيس الأمريكى خفض عدد مرات الضرب بالعصا فى ميدان عام، دون رفع العقوبة.

هذا كان منذ حوالى 25 عامًا، وسنغافورة لا تخفف من قوانينها الصارمة، بل هى تتجه إلى التشدد أكثر والغرامات أكثر، سوف تجد العصا الناعمة ذات اليد البلاستيكية فى محلات السوبر ماركت، وثمنها حوالى 50 سنتًا، هى عصا الآباء والأمهات لعقاب الأبناء، وإياك أن تحمل العلكة وأنت مسافر إلى سنغافورة؛ فالعلكه ممنوعة تمامًا بيعًا أو شراء أو تداولًا، إلا نوعان من العلكه يباعا فى الصيدليات؛ أحدهما لمنع التدخين، والثانية لنظافة الأسنان. وعقوبة اكتشاف العلكه لغير ذلك 1000 دولار.

إلقاء أعقاب السجائر عقوبته 300 دولار فى المرة الأولى، وهنا أكتب عن المرة الأولى لكل حالة، فالمرة الثانية لها عواقب أشد وطأة، أما إلقاء علب الكانز والزجاجات الفارغة فتلك جريمة تستدعى المثول أمام القاضى، وارتداء السترة الخضراء المضيئة المكتوب عليها «مذنب مجتمعى»، ويقوم بتنظيف الشوارع، وهناك حظر شبه عام على تدخين السجائر، حتى على أرصفة وكبارى المشاه أو محطات الباصات. طبعًا هى كارثة عبور المشاه من غير الأماكن المخصصة، ومن الجرائم أيضًا التى تصل عقوبتها إلى السجن كل من قام برسم أو تلوين أو كتابة أو رفع ملصق أو لافته أو راية بدون تصريح.

وفى عام 2011 ارتكب السويسري «أوليفر فليكر» رش طلاء على عربتين من عربات مترو الأنفاق؛ فنال عقوبة الضرب بالعصا، إضافة إلى كفالة مالية قدرها مائة ألف دولار سنغافوري، أي بنحو واحد وسبعين ألف دولار أمريكي. وتصل عقوبة التخريب في سنغافورة إلى الحبس لمدة أقصاها ثلاث سنوات، أو الضرب بالعصا ليس أقل من ثلاث، ولا تتعدى الثماني جلدات للتهمة الواحدة.

وفى عام 2014 وجهت محكمة في سنغافورة الاتهام لشابين ألمانيين بخلع باب مستودع في محطة مترو وطبع رسومات على إحدى العربات، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى السجن والغرامة والضرب بالعصا، وبحسب القانون قد يواجهان عقوبات بين السجن لمدة قد تصل إلى سنتين أو ثلاثة، ودفع غرامة بين 800 و1600 دولار، وما بين ثلاث إلى ثماني ضربات بالعصا.

وفى عام 2015  أوضحت وكالة البيئة الوطنية في سنغافورة أنها فرضت غرامة مالية مقدارها 19800 دولار سنغافوري، أي ما يعادل (15 ألف دولار أمريكي) على رجل مدخن ألقى أعقاب السجائر من نافذة شقته، لتصبح بذلك الغرامة الأعلى من نوعها على الإطلاق. وبينت الوكالة بأنها غرمت الرجل 600 دولار سنغافوري مقابل كل سيجارة في المخالفات الثلاثة والثلاثين الأولى الموجهة له، كما عوقب بتأدية الخدمة المجتمعية في المخالفة الرابعة والثلاثين، وقد ارتكب الرجل هذه المخالفات جميعها خلال أربعة أيام. وعليه القيام بتنظيف منطقة عامة لمدة خمس ساعات، وهو يرتدي سترة براقة مكتوب عليها «عمل إجباري لتصحيح خطأ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سنغافورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد