«سنغافورة» البلد الذي كان يحتضر في خمسينات القرن الماضي، وبعد أن كان بلدَا غير قابل للحياة، لما كان يعيشه ويعانيه من انهيار في كافة المجالات، أصبح الآن من دول العالم الأول، وفي مراتب متقدمة، وفي كافة الأصعدة.

كانت سنغافورة إحدى المستعمرات البريطانية، حتى عام 1963؛ إذ استقلت عن بريطانيا، وانضمت للاتحاد الفيدرالي الماليزي، حتى عام 1965؛ إذ استقلت بشكل تام.

كانت سنغافورة إحدى موانئ «شركة الهند الشرقية»، وكانت القواعد العسكرية البريطانية تشكل حوالي خمس الناتج المحلي، وما لا يقل عن 75 % من السكان بدون تعليم، ولم يكن أحد يتوقع بأن تصل سنغافورة إلى ما وصلت إليه؛ لأن الظروف التي كانت تعيشها لا تؤهلها لأن تتطور بهذا الشكل.

بالإضافة إلى شعبها الذي كان يضم خليطًا متنافرًا من الرحالة من الدول المجاورة، خاصة «الصين وماليزيا والهند».

إن أول حكومة شُكلت كان رئيس الوزراء آنذاك، هو «لي كوان يو»، الذي كان له الدور الرئيس في نهضة سنغافورة التنموية؛ إذ كان يمتلك خبرة مستفيدًا من دراسته في بريطانيا، ومن سياستها التي كانت تتبعها في مجالات الاقتصاد والسياسة والتعليم.

ذكر «لي كوان»، في كتابه «سنغافورة من العالم الثالث إلى الأول»، أن أول ما شغله هو كيفية الحصول على الاعتراف الدولي بالاستقلال، والأمر الثاني هو كيفية المحافظة على هذه البقعة من الأرض؛ إذ كانت لا تمتلك جيشًا، سوى كتيبتين، وكان معظم أفرادها من «الملاويين» التابعين للقرى «الماليزية»، والتخوف من قيامهم بالانقلاب، كما يحدث في البلدان المجاورة، خاصة وأن ماليزيا، بعد انفصال سنغافورة عنها، كانت تسبب لها المشاكل، وتدعم المتطرفين؛ لإبقاء الحال عما هو عليه، أما المشكلة الثالثة فهي الاقتصاد؛ إذ كانت بريطانيا تسير الاقتصاد وفقًا لمصالحها، وبعد انسحابها تغير الحال، وزادت نسبة البطالة بشكل كبير؛ لأن الغالبية كان يعمل في المعسكرات والقواعد البريطانية.

وكانت سنغافورة تفتقر للموارد الطبيعية، كالنفط والغاز التي تساهم في تنمية الاقتصاد؛ لذلك ركزت جهودها على استثمار الموارد البشرية، وذلك من خلال التعليم؛ إذ يعتبر التعليم من وجهة نظر سنغافورية هو المفتاح الأساس للانتقال للعالم الأول؛ حيث كان يسعى للبحث عن أفضل العقول الذكية في المجتمع، وصهرها والدفع بها للخدمة المدنية؛ حيث حرصت الحكومة على استقطاب الخبرات والكفاءات الأجنبية لتنمية وتعليم المواطن السنغافوري، واستثماره لخدمة الصالح العام، وفي معالجة الاقتصاد، وهذا ما حدث؛ إذ تم بناء مصانع صغيرة في البداية لتجميع المنتجات الأجنبية، وتعيين المتعلمين، والمتخصصين، في هذه المجالات، وبأجور ضعيفة في البداية؛ لدفع عجلة التنمية إلى الأمام، وتطوير العاملين؛ لكي يتمكنوا من إنتاج هذه المنتجات بدلًا من تجميعها.

فالحكومة ركزت على بناء الإنسان المنتج، وأكد «لي كوان» على أهمية الاعتماد على الكفاءات الوطنية؛ إذ قال «أدركت أنني كلما اخترت أصحاب المواهب والكفاءة، كوزراء وإداريين، كلما كانت سياساتنا أكثر فعالية ونجاح».

والأهم من ذلك أن هذا النظام التعليمي قام على أساس «الأهلية والاستحقاق»، ولم يؤسس ليتسلق عليه كائن من كان، حتى ينتقلوا بعد ذلك إلى المناصب القيادية، وهم ليسوا أهلًا لها، ويؤدوا بذلك إلى إخفاق المجتمع وركوده.

فبعد ست سنوات من التعليم الابتدائي يتقدم الطلبة لامتحانات تحدد قدراتهم واستعداداتهم؛ ومن ثم يتم إرسالهم إلى مدارس ثانوية تتناسب مع قدراتهم الذهنية، فالأقدر بينهم يتوجهون إلى أفضل المدارس الثانوية، وهكذا كلما تراجعت قدرات الطفل، كلما كان مستوى المدرسة الثانوية، التي يلتحق بها أقل من حيث الجودة.

أما الطلبة الذين لم يثبتوا جدارتهم للذهاب إلى الثانوية، فإنهم يذهبون إلى مدارس تجارية تعدهم للعمل. وبعد أربع سنوات من الدراسة الثانوية يتقدم الطلبة إلى امتحان آخر؛ يحدد من يذهب إلى الجامعة، ومن هو أقل منه قدرة؛ فيذهب إلى كليات التقنية؛ للتدرب على مهارات للعمل. أما الذين يذهبون إلى الجامعة فإنهم يتقدمون لامتحان آخر بعد سنتين، فإذا كان أداؤهم عاليًا؛ فإنهم يكملون التعليم الجامعي.

هذا النظام الصارم حقق لسنغافورة مخرجات كانت هي القاعدة التي ارتكز عليها المجتمع في تنميته، ولاشك أن الانضباط العملي بهذا النظام، وعدم الولوج في الاستثناءات، جعلت جميع أطراف العملية التعليمية، من الطالب إلى المعلم إلى الأسرة، ثم الحكومة، تدرك أن تطبيق هذا النظام هو وحده كفيل بمساعدة أبناء المجتمع على اكتشاف قدراتهم، والتعبير عنها في الميدان التعليمي، ومن بعده المجال الوظيفي, وهذه إحدى أسباب ارتقاء هذا البلد: أنه اهتم ببناء الإنسان قبل كل شيء، وغرس في الفرد حب الوطن، الذي يكون الأساس في العمل من أجله، وحب المواطن السنغافوري لبلاده نجده بالعمل، لا بالقول، والشعارات فقط؛ لأن أي بلد مهما بلغ ثرواته التي يمتلكها، لا يمكن أن يتقدم في أي مجال، إذا كان شعبه غير واع، وغير متعلم.

ومن المعالجات الاقتصادية أيضًا عملت الحكومة على تطوير قطاع السياحة، وكان له نجاح جزئي في معالجة مشكلة البطالة، ومن أهم إنجازات تلك الفترة هو بناء مدينة «جورونغ» الصناعية.

كانت مساحتها 9 آلاف فدان؛ لجذب الاستثمارات الأجنبية، وأصبحت تستقبل 70% من تجارة الحاويات في العالم. واتبعت في عملية التنمية مبدأ «البراغماتية»؛ إذ كانت تأخذ كل ما هو مناسب، وعملي، وتعمل على تطويعه على المستوى المحلي, فخلال تلك الفترة كان بعض الدول ترفض الاستثمارات الأمريكية، فكانت سنغافورة تفتح أبوابها لها؛ لأن هذه الشركات كانت تبحث عن اليد العاملة الرخيصة، وتجدها في سنغافورة. ولا شك أن مثل هذه الاستراتيجيات لا يمكن أن يتم التخطيط لها بشكل جيد، إلا إذا كانت هناك سلطة قوية تمتلك رغبة حقيقة في التنمية، وهذا ما كانت عليه القيادات آنذاك، تتصف بالواقعية والنزاهة، فهذه القيادات لم تبذر الأموال على مشاريع مظهرية فاشلة؛ فالإنفاق على التعليم مثلًا كان يركز على تخريج عمالة منتجة؛ لذلك ركزت على العلوم والتخصصات الفنية، بدلًا من التخصصات الأخرى التي لم تكن ضرورية بشكل أساس في المرحلة التنموية.

واستطاعت المواءمة بين النظامين «الرأسمالي والاشتراكي»: فهي أخذت من النظام الديمقراطي ما يتلاءم مع ظروفها، من غير أن تقوم بنسخ النظام الديمقراطي الأمريكي بالكامل، وبالتالي يؤدي للفشل، فهي أدركت أن لكل بلد ظروفه، وركزت على بناء نظام متكامل، مهما كان شكله، حيث قال «لي كوان» لا اعتقد أن طريق الديمقراطية تؤدي إلى التنمية، بل أرى أن البلد يحتاج إلى النظام أكثر من حاجته إلى الديمقراطية. كما ارتفع نصيب الفرد من هذا الناتج؛ ليصبح من أعلى المعدلات في العالم، ويصل إلى 22 ألف دولار سنويًا، مقارنة بـ 435 دولارًا فقط عام 1960, وأن الرواتب عالية بشكل عام في هذا البلد. وبحسب الاستطلاع الاستكشافي للعاملين الوافدين، الذي أجراه بنك «إتش.إس.بي.سي» في عام 2014، فإن 45 % منهم أو نصفهم تقريبًا، يتقاضون رواتب سنوية تزيد عن ربع مليون دولار سنغافوري (أي ما يعادل 183 ألف و295 دولار أمريكي). وفي عام 2004، اختار الملتقى الاقتصادي العالمي سنغافورة ضمن العشرة الأوائل، لأكثر أسواق المال العالمية تقدمًا؛ بسبب المناخ الاستثماري، والنظم السارية، والتطور الكبير الذي تشهده. ومن أبرز شركائها التجاريين الولايات المتحدة واليابان وماليزيا والصين وألمانيا وتايوان و«هونغ كونغ».

إن المتابع والمعايش للتجربة السنغافورية في مجال التنمية المتوازنة والشاملة والمستدامة, يكتشف كيف حققوا ذلك بشكل متكامل، مع الأخذ بكل وسائل التقنية الحديثة وأسبابها، دون الاستغلال السيئ لها أو توظيفها فيما لا يخدم المصلحة العامة؛ بالتالي فإن أي بلد يسعى إلى تحقيق تنمية في كافة المجالات، فالتجربة السنغافورية تجربة تستحق الاستفادة منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سنغافورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد