(1)
طويلة رحلة الأمل، تقطع مسافات بعيدة الأمد لتحقق حلمًا أو حلمين على أقصى تقدير طوال العمر، وما بين نقطة ونقطة آلاف الضربات، على اختلاف قوتها تُحدد مصيرك، إما أن ترضى بالصبر سبيلاً وتتحمل عناء التجربة للنهاية، أو تكفر بكل المعطيات وتختار الخلاص قبل آخرها، وبين هذا وذاك يبقى الهرب حلاً وسطيًا وفكرة تراود قلوبنا المتعطشة لميناء سلام بعيدًا عن أوطان الجوع والكراهية، الهرب لا على طريقة “الابن الضال”، إنما على طريقة “إبراهيم”.

إبراهيم يشبهنا تمامًا، بطموحه وأوجاعه، ببحثه الدائم عن ذاته ورغبته القويّة في تحقيقها، وإيمانه الكامل أن قُرى الظلم والاستعباد لا تبني أمجادًا إلا كذبًا، ولا تصنع أممًا إلا نفاقًا، ولأنه ابن الأمل على اتساعه، كفر بالصبر قليل الحيلة، ورفض الخلاص قبل اكتشاف غرض الرحلة، وبدأ في رسم خريطة جديدة لأحلامه الورديّة خارج حدود الوطن، راضيًا بالهرب كمسكن مؤقت.

 

ربما تجربة “العم الضال” كانت دافع إبراهيم الأقوى للهرب، رغم حقيقة فشلها. كلنا –غالبًا-نبني تجاربنا على ظاهر تجارب السابقين حتى لو باطنها الفشل والقهر.

 

فلان سافر وأصبح مليونيرًا، لا يهم كم كلفه ذلك من متاعب. فلان هاجر وتمكن من شراء سيارة وبيت، لا يعنينا كم تحمل من قهرٍ وذُلٍ ليحقق كل هذا.

 

نفكر في الهرب فقط، لا في متاعبنا وأوجاعنا في بلاد لا يُعرَف لنا فيها اسم ولا أصل، لأن أوجاع الوطن أشد قسوة من ذُلِّ بلاد الواق واق، وأحقاد أبناء الدم الواحد أكثر ألمًا من كراهية وغِلّ الغرباء.

 

أنا الدكتور سأسافر لأبحث عن فرصة عمل ولو حتى سائق تاكسي، سائق تاكسي في الغربة أفضل ألف مرة من طبيب لا يملك قوت يومه، وصديقي المهندس الذي يقوم بغسل صحون الفندق الكبير راضٍ بحاله أكثر من لقب “الباشمهندس” الذي لم يزده إلا عناءً وفقرًا في وطنه.

 

,1

(2)
ــ عندي أخبار كويسة، نجحت في الثانوية العامة
ــ إش إش
ــ عايز مجموع كام بقى؟
ــ 60 كويس؟
ــ 60!.. ماينفعش 89؟
ــ وليه الإسراف ده كله! المعهد البيطري اللي جمبينا بيقبل بـ 60
ــ ماينفعش، أنا هدرس برة، هدرس علم الفضاء
ــ الزريبة اللي عندنا هانوسعها، هانخليها أد كدة أربع مرات، وهانجيب أنواع جديدة، وأنت اللي هاتمسك ده كله. ثم إن دي رغبتي، يعني تبقى رغبتك أنت كمان.

(3)
طموح “إبراهيم” كان يُقتل كل ليلة ألف مرة، تارة بيد ديكتاتورية رب دولته الصغيرة، وأخرى بطعنات المجتمع المشكك طوال الوقت في قدرات أبنائه، ناهيك عن سقف أحلام الدولة المتدني المستسلمة للقب “النامية” وشعارات “يا عم احلم على أدك إحنا لاقيين ناكل!”.

 

مسيّرون لا مخيّرون، الطبيب لا يرى ابنه إلا في البالطو الأبيض، والقاضي يُخالف عشرات القوانين الكونيّة والفيزيائية والأرضيّة ليمنح نجله نفس اللقب، حتى الفلاح قرر أن يضرب فأسه في رأس الابن إذا تجاوزت أفكاره حدود الأرض الزراعية والزرائب.

 

لا مكان للموهبة، ولا لأحلامنا الشابة، حتى الرغبات فُرِّق دمها بين القبائل لتنام القرية -كل ليلة- خاوية على عروشها، لا تعرف للمجد سبيلا.

 

ضائعون بين قداسة حكومات موهومة بأنها أعلم منّا بحقوقنا ومتطلباتنا، ووصاية آباء وشيوخ ظنوا أن تجاربهم الخاصة حكم رباني واجب النفاذ، وبين مُدّعي نبوّة ومتسلطين، ومؤلفي حكم ومواعظ، وآخرين غارقين في وحلِ العادات والتقاليد.

(4)
ــ إن كنت منتظر كلمة شكر منّي رَيّح نفسك مش هنطقها، حريتي دي من حقي، وأنت مرجعتليش غير حقي وبس.
ــ بطل شعارات
ــ إني أمشي ده قرار صممت عليه وهنفذه ومافيهوش ولا سؤال ولا تردد، واتعلمها أنت كمان، اللي عاوز يجيب باسبور أحسنله يجيبه من بوء السبع.
ــ والله كلام كبير وحلو.
ــ بطل بقى حكاية المسكين الغلبان ده وأنت عامل زي بتوع الخُردة تبيع دينك علشان توصل.

(5)
نتيجة طبيعية أن تحصد القُرى نتيجة كل هذه الحماقات دمارًا وخرابًا، أن يَقتُل الأخ أخاه طمعًا في سلطة أو مال، أو رغبةً في الفوز بأنثى يستشعر في أحضانها رجولته المزيفة.

ماذا تبقى للإنسانية لكي تشفع لبشرٍ احترفوا قهر بعضهم بعضًا من أجل أفكار سطحيّة عقيمة حوّلت طموحهم لغرائز حيوانية لا تعرف سوى مُتع الجنس والأكل! ولا تعترف إلا بقانون الغابة وفرض القوة لضمان البقاء!

 

أسرة إبراهيم نموذجًا، أخفوا أحقادهم المحفورة في قلوبهم على مدار سنوات، وظلوا يكذبون الكذبة على أمل تصديقها يومًا ما، حتى وصل الغِلّ ذروته، وانفجر بركان أمراضهم في وجوههم، مطلقًا قذائفه في أجسادهم ليلاقوا حتفهم، في نهاية سوداء متوقعة، لا يزيّنها إلا حلم “إبراهيم” المستمر رغم البؤس، وأصابع الحبيبة المضفرة في أصابعه وهي تسحبه في اتجاه نورٍ جديدٍ يخترق دخان القذائف، بينما الجِد الحكيم يلوّح من بعيد لحفيده الحالم تاركًا وصيته الأخيرة مختصرة: “متبصش وراك يا إبراهيم.. سافر.. رُوح”.

 

,3

(6)
إيه العمل في الوقت ده يا صديق
غير إننا عند افتراق الطريق
نبص أدامنا على شمس أحلامنا
نلقاها بتشق السحاب الغميق
وأرجع وأقول
لسّه الطيور بتفنّ
والنحلايات بتطنّ
والطفل ضحكة يرنّ
مع إن.. مش كل البشر فرحانين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد