المذنب والمجرم

عند استعراضنا لقصة آدم عليه السلام مع إبليس – لعنه الله – والتي انتهت بطرد الأخير ولعنه، والعفو عن الأول ورفعه، يستوقفنا ويلفت انتباهنا أنه وعلى الرغم من أن كليهما قد خالف أمر الله تعالى، فإن الوصف القرآني لهذه المخالفة جاء مختلفًا ومتباينًا، حيث عبر عن مخالفة آدم بالمعصية «وعصى آدم ربه …» بينما عبر عن مخالفة إبليس بالفسق «… ففسق عن أمر ربه» وقد ظهر أثر هذا التباين في النهايات حيث اجتبى الله آدم وتاب عليه «… ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى» بينما لعن إبليس وطرده، «وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين». والذي أراه – والله أعلم – أن نوعية المعصية وحجمها ليس هو فقط السبب في لعن إبليس وطرده وتفسيقه، وإنما لكون إبليس انتقل من دور المذنب إلى دور المجرم فاختلف الحكم عليه تماشيًا مع هذه النقلة، ولو أنه وقف عند حد الذنب فلم يجاهر به ويدافع عنه ويسعى لشرعنته لكان مصيره كمصير آدم ولنال مثل ما نال من الاجتباء والهداية.
وتأسيسًا على هذا الأصل فإنه من لزوم الإنصاف والعدل ألا نسوي في أحكامنا وتعاطينا ونظرتنا بين من أذنب وبين من أجرم، فللأول لابد عن بذل النصح وإظهار الرحمة وقبول التوبة والعفو والصفح، وأما الآخر فلابد عن الأخذ على يديه بالشدة والقوة ومدافعته ومزاحمته وهجره ومقاطعته و«تجريسه» إن اقتضت الظروف حتى يعتبر به الناس فتستقيم أمورهم.
ولسوف أضرب أمثلة يتضح بها المقال وتتجرد بفضلها الفكرة في الأذهان وتستقر بذكرها المفاهيم في العقول فينتج عن هذا كله ضبط للأحكام وإنصاف للأنام.

خذ مثلًا «الزنا» تلك الفاحشة سيئة السبيل كما وصفها القرآن الكريم، قد يقع فيها الإنسان بحكم الضعف البشري عامة والضعف الإيماني في لحظة ممارستها بشكل خاص، غير أنه لم يريدها ولم يسع إليها ولم يفرح بفعلها، ولم يتفاخر بممارستها بين الجموع، ثم إنه ندم وتاب وعزم، فهل من العدل أن نسوي بين هذا وبين من اتخذ الزنا صنعة ومصدر ترزق فدعى إليها وجاهر، وحث عليها وفاخر. الأول مذنب يحتاج منا للاحتواء والدعم والرحمة والدفع به لطريق الخير، والثاني لابد عن حسم مادة شره واستئصال شأفته ومطاردته حتى ينتهي إلى توبة أو ميتة.

تذكر لنا كتب السنة أن امراة رُجمت في الزنا فتطاير بعض دمها على أحد الحاضرين فتأفف، فنبهه النبي الكريم إلى أنها تابت توبة لو قسمت على 70 من أهل المدينة لكفتهم. والسبب أنها كانت مذنبة ولم تكن مجرمة. وخذ مثلًا ذنبًا كالسرقة، وهو من كبائر الذنوب بلا ريب، لكن هل يستوي في فعلها من سرق لحاجة ملحة، أو لضرورة ملجئة، أو لحظة غفلة من ضميره، مع من سرق استكثارًا وطمعًا ورغبة في التكويش والجمع والمنع؟

الأول مذنب مخطئ يستحق العقاب بلا شك لضمان الاستقرار والأمن، ويستحق كذلك الأخذ بيده ورفع خسيسته والرفق به حتى يستقيم، أما الآخر فهو مجرم لابد عن اقتلاعه وإلقائه في صناديق مرتكبي الآثام محكمة الغلق حتى يثوب حيًا أو يتوسد الثرى ميتًا.
وتذكر لنا كتب السنة أيضًا قصتين يصح أن نستدل بهما على قضيتنا. الأولى لما طلب أحد الصحابة من رسول الله أن يعفو عن سارقه، وقد بلغ أمر السرقة رسول الله، فأجاب النبي: لو كان قبل أن يبلغني!

أي لو أنه لم يبلغني أمر السرقة لكان لك أن تعفو عن سارقك، فلم يؤنبه النبي لطلبه هذا مع أنه يبدو كشفاعة في الحد.

وعلى العكس من ذلك نجد كيف غضب النبي عليه السلام لما استشفع أسامة عنده لأجل المرأة المخزومية، وكيف نهره وعنفه، وقال قولته الشهيرة: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». يبدو لي – والله أعلم – أن قضية الذنب والإجرام حاضرة بقوة في هذا الأمر. وكذلك من يشرب الخمر معترفًا بحرمتها لا يستوي مع من يصنعها ويروج لها ويتاجر بها، فالأخير مجرم يستحق كل احتقار وكره وإسقاط من القلوب والعيون.
وهاك مثل مهم جدًا فضلت أن أذكره في آخر كلامي لحساسيته وارتباطه بقضايا مهمة تشغل الكل من المخلصين لدينهم ولأمتهم، والذي يتعلق بالتحولات الغريبة والعجيبة التي صدرت عن بعض من كانوا قبلة للناس لعقود من بعض العلماء والمشايخ والمحسوبين على العمل الإسلامي، والذين تناقضوا وتنكروا بشكل صارخ لماضيهم في الكفاح والدفاع، أو من هؤلاء الذين يتزلفون المفسدين ممن ظهر فسادهم واستشرى بغيهم، أقول إن بعض هؤلاء مذنبون وليسوا مجرمين، ففرق بين من فعل هذا خوفًا على حياته، أو عرضه، أو حياة من يحب من أولاده وبناته، وقد فعله كارهًا مكرهًا مبغضًا نادمًا متألمًا، وبين من فعله تزلفًا لمنصب، وتوسلًا لمكانة، وقد كان في فسحة من أمره، وسعة من شأنه. الأولون مذنبون – نعم – لكنهم قد يستحقون تفهمًا، لا سيما وقد شهدت لهم سابقة أعمالهم. وفي السنة أن حاطبًا ارتكب ما يعرف الآن – بالخيانة العظمى – ومع ذلك عفا عنه النبي الكريم لعلمه بنقاء سريرته وإخلاص نيته، ومعرفته السبب الحقيقي الذي من أجله فعل هذه الفعلة النكراء. «لا يُفهم من كلامي أنني أبرر للذنوب ومرتكبيها، فهذا لعمري في القياس شنيع – وإنما أردت أن نضبط أحكامنا على الناس بضوابط السنة الشريفة – التي ذكرت طرفا من أدلتها – حتى لا نقع في الجور الذي نحذر منه، وحتى نستحيي روح الإيمان في القلوب الضعيفة، ولا نفقد بعدم إنصافنا أُناسًا ذلوا وتعثروا ويحتاجون إلى من يقيل عثرتهم ويمحو ذلتهم. ولقد قال النبي الكريم لصحابته، وقد لعنوا أحد المذنبين «لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم». والله من وراء القصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد