عندما ننضم لحركة التدوين في التفصيلات والتفريعات، أو ما يُعتقد في سوق الكتابة كذلك، فنحن لا نتمرد على مباحث العلم التي تتعامل مع ما يُعتبر ثانويًا أو فرعيًا، إلا بقدر تعزيزه للقانون العام الذي يقدمه العلم ويفخر به، ولا ننساق وراء الداعين لأنسنة العلوم، وإن كنا نؤمن بذلك، ومع أنه منهج قرآني أصيل، لم يُهمل نداء نملة لأفراد جنسها “حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” النمل:18، فإن الأهم – في اعتقادي – هو السعي للمساهمة في تأريخ اللحظة، ومن ثم حجز نقطة للحدث على محور الأحداث.

إن مشهد اللحظة التاريخية الذي يبدو نهائيًا، هو في الحقيقة حصيلة مركبة من مجموع فواعل ومفاعيل أدت لذاك المشهد، وعليه فإن أي تدخل آخر – مهما كان اعتباره – على الحالة، قد يُحققه أو يدعو لإعادة قراءته كليًا، فالتاريخ ينتقي بمعيار التأثير لا بمعيار السعة والحجم، ومن هنا تتثمن أهمية ما يُصنف ثانويًا.

وكوْن الصحابيّ الجليل بلال – رضي الله عنه – عبدًا حبشيًا فاقدًا المكانة والحصانة، وحتى الطّلاقة، فإن ترتيبه على خريطة الاجتماع لم يمنع تأثيره في مضمون الحدث العظيم الذي فجّره محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فصار بذاك الفعل العظيم سيّدًا في التصنيف الجديد، فيُشار له بــ(هذا سيدنا وحرره سيدنا)، وواضح أن السيادة هنا، لم يكن ثمنها دعم إمارة أورأي إمامة أو دفع تجارة، لكنه العطاء الذي يقتات منه المشروع الذي يتضافر الجميع لرفعه، فلا يرتبط هذا الثمن بالتصنيف التُّرابي، وهو الذي قدمه بلال رضي الله عنه، وعلى هذا الثمن سُيّد الفاضل الشاب علي زيد بن عبد القادر حفظه الله بين إخوانه وشركائه.

فإن شئت أن تبحث عن الثلاثيني أستاذ اللغة العربية، فلا تُقلب بصرك بين الأضواء والمقامات، وحيث تَصَدُّرِ الكلمات، وابحث حيث العطاءات والتضحيات، هناك فقط تجده، وهناك فقط يُعْرف علي.

هناك فقط يُعْرف سيدي علي، بين الضعفاء والمعورزين والمساكين، حيث يُشرف على ترميم بيت أو تأثيثه، أو إطعام أهله أو علاجهم، أو السعي لتفريج كربة اقتصادية أو اجتماعية، وهو بين تلك العقبات، لا تراه إلا بشوشًا مسرورًا، بعرقه محبورًا، تكتشف شخصيته الأرْيَحِيّة منذ اللحظة الأولى.

هو حيث الشباب معروف محبوب، كل الشباب، لا يُميز علي بين مُستوياتهم وانتماءاتهم، تطلعاتهم وانتهاءاتهم، ما يهمه فقط، حاجاتهم، للجامعيين على أكاديمية جيل الترجيح لاعداد القادة أشرف، وللمتزوجين على الزيجات الجماعية تحرك، وللسائحين في المخيمات قاد، حتى على المنتبذين أقبل علي فجلس ونصح وأرشد، وكم هو تواق لمؤانسة المنسيين عادة، الشيوخ العجزة، المرضى المقعدون، الطفولة المسعفة، وللصغار حظ من علي.

ولا شك أن كل زاوية في مسجد ” الشوادلية” تنتشي برائحة علي، قام سيدي علي على مشاريعه الكبرى، دورة المياه والتوسعة، ولا يزال خلف كل عطب أو خلل او نقص حتى يؤمّنه، وكلما حلّ طارئ كانت وجهة الجميع علي، فإذا خرجت إلى الشوارع والساحات والمقابر حدثك العامة على يدٍ لعلي في نظافتها. هذا باختصار ما رصدته عن علي، وما لم أرصده أكثر بكثير.

السرّ في هذا أنه صاحب رسالة ومشروع إصلاحي، قاداه يوم الثالث من مايو (أيار) الماضي بمناسبة برلمانيات 2017 الجزائرية رفقة مجموعة من الأفاضل والأخيار،البخاري زيد( مهندس الكيمياء الصناعية وأستاذ الفيزياء والرياضيات)، العربي امحمد بوغزالة (ماجستير الهندسة المدنية)، نذير حاج سعد (أستاذ المعلوماتية في الجامعة)، محمد عثماني(صيدلي)، الحَجْ عبد المجيد فريوة (مدير تنفيذي بمجمع صناعي)، الحَجْ العربي مرغني (متقاعد)، الأخ جمال عيساوي (متقاعد)، وغيرهم من خيرة المواطنين، قاداه والآخرين إلى مقر البلدية لسحب توكيلات انتخابية.

كانت الغاية إظهار عُدّة حضارية لممارسة الفعل السياسي، والسعي لارساء ثقافة سياسية كافية لتنظيم مجال سياسي مفتوح للجميع وعلى الجميع، كان هذا هو المفروض، لكن مفروضا آخر أرادته السلطة، من خلال توكيل مجموعة من ذوي السوابق والحواضر للإشراف على العملية الانتخابية تصورا وإشرافا وتنفيذا، وهؤلاء هم من استقبل علي وصحبه في مكتب الانتخاب بالقضبان الحديدية وبآلات الصعق الكهربائية.

طبعًا الحادثة غير معزولة عن سياقها السياسي الذي أرادته السلطة، بتزوير الانتخابات، ومنه جاءت تعليمات رئيس الجكومة أنذاك عبد المالك سلال لرؤساء دوائر ولاية الوادي لقلب نتائج الولاية المحسوبة والمحسومة للإسلام السياسي سلفًا، وكانت حركة مجتمع السلم ذات الخلفية الإخوانية في برلمانيات 2012 قد حصدت 6 مقاعد من أصل 8، وعلى ذات التقديرات أشارت كل التقريرات.

عندما كان عليّ الأكثر إصرارًا لسحب توكيله المؤشر من طرف القاضي، طاله النصيب الأكبر من الاعتداء الجماعي الغادر، حيث أصيب بجروح وكدمات في عينه و رأسه كان يمكن أن تتعمق لولا الإسراع في سحبه للمستشفى.

سالت دماء المقدام علي على الأرض، لتروي فصلًا جديدًا من صراع الأريحية الصِّراح والنفعية الصِّراح كما وصّفه العقاد في صراع الحسين بن علي رضي الله عنهما ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان في كتابه ”أبو الشهداء الحسين بن علي”، سالت لتُحيِيَ بذرة النضال في وعي الجزائريين المكويّ بفعل عشرية التسعينات، واعتقدت السلطة أن الشعب حُنّط، ولا رجاء في حركته، ففنّد علي وإخوانه مقاربتها هذه.

سالت لتسقيَ شُجيرة أمل الإصلاح والتغيير في منبت الأمة بعدما اصفرت أوراقها بفعل سموم الثورات المضادة، سالت لتضيف إلى الباذلين طيفًا يضيء لهم الدرب.

هكذا هم الأخيار عبر التاريخ: يرفعون بعرقهم رسالاتهم، و يفضحون توحش المشاريع المُتوارية خلف القيمة بدمائهم، فإن كان الإمام علي – كرم الله وجهه قد فضح بدمه توحش الفكرة الخارجة، فإن الشاب الفاضل علي فضح بدمه توحش مشورع سُلطويٍّ متأهب للفتك متى شعر بالتهديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد