(1)

أثناء حكم الملك فاروق كان المصريون يعلمون أين يقيم الملك، كانوا يعلمون أنه يقيم في قصر عابدين، وفي الصيف يتوجه للإسكندرية حيث يقيم في قصر المنتزه.

(2)

أثناء حكم الرئيس عبد الناصر كان المصريون يعلمون أين يقيم الرئيس، كانوا يعلمون أنه يقيم في بيته في منشية البكري، ويأخذ أجازة صيفية مع عائلته في المنتزة.

(3)

أثناء حكم الرئيس السادات كان المصريون يعلمون أين يقيم الرئيس، كانوا يعلمون أنه يقيم في قصره المطل على النيل في الجيزة.

(4)

أثناء حكم الرئيس مبارك كان المصريون يعلمون أين يقيم الرئيس، كانوا يعلمون أنه يقيم في قصر قريبًا من تقاطع العروبة مع الميرغني، والذي يقع على الجانب الآخر من قصر الاتحادية.

(5)

أثناء حكم المجلس العسكري كان المصريون يعلمون أين يقيم المشير طنطاوي، كانوا يعلمون أنه يقيم في بيته في مدينة الضباط بحلمية الزيتون بالقاهرة.

(6)

أثناء حكم الرئيس مرسي كان المصريون يعلمون أين يقيم الرئيس، كانوا يعلمون أنه يقيم في بيته في التجمع الخامس، وكثيرًا ما ذهب بعضهم للتظاهر أمام بيته.

(7)

أين يقيم سيدنا؟!

(8)

لكي لا يتعب أحد نفسه في استنتاجات غير حقيقية، لا يوجد أحد من المصريين – باستثناء الدائرة الأمنية الضيقة المحيطة طبعًا – يعلم أين يقيم الحاكم العسكري لمصر السيد عبد الفتاح السيسي، في حالة من الخوف غير مسبوقة من حاكم مصر في مواجهة شعبه.

(9)

لا يوجد أحد يعلم أين يقيم السيسي، مطلقًا، ولا يظهر في لقاءات شعبية، مطلقًا، حتى عندما دعت الضرورة البديهية لذلك كونه مرشحًا لانتخابات فإن تلك الضرورة الأدبية والسياسية لم تتغلب على مخاوفه، فلم يظهر في لقاء شعبي مطلقًا، وحتى عندما زار منطقة نائية وهي الفرافرة فإنهم أتوا بمن يمثل أمامه دور الفلاح!

(10)

بل وصل رعب الحاكم العسكري من لقاء شعبه أنهم ظلوا للأيام الأخيرة يتشاورون هل يذهب بقدميه إلى مجلس النواب – كأنه سيساق إلى الموت وهم ينظرون – أم يخاطب النواب عبر دائرة تلفزيونية (!)، وعندما استقر الرأي على تجنب تلك الفضيحة وقبول (مغامرة) (اختراق عاصمته) للذهاب لمجلس نواب الشعب إذا بالرغبة في محاولة تقليل (مخاطر) (المغامرة) تتحول إلى فضيحة أخرى لا تقل عن سابقتها، إذ يختصر الحاكم العسكري – ذكر مصر الوحيد وشجاعها الصنديد – معظم المسافة عبر مروحية حملته من مكانه المجهول إلى الجزيرة، ومنها موكب عبر قلب القاهرة الذي أفرغ تمامًا من البشر بحظر تجول حتى وصل بسلامة الله إلى مجلس نواب (الشعب) ليتحدث إليهم.

(11)

ولم يكن ما سبق هي المظاهر الوحيدة للرهاب الذي يعاني منه الحاكم العسكري، بل وصلت لمشاهد لا تكاد تتصور، ومنها أن الحرس الخاص يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم حتى في قلب الوحدات العسكرية بل وأثناء التقاط الصور التذكارية مع جنرالات جيشه وضباطه، بل وصل الحال لأن يحتمي مع مرافقه بقفص زجاجي في زيارته الأخيرة لأكاديمية الشرطة!

(12)

ولا يمكن أن يكون مرد هذا الرهاب إلى أن الحاكم مستهدف، فكل من ذكرناهم من قبله كانوا مستهدفين:

ألم يكن الملك فاروق يحس أنه مستهدف وقد حاصر الإنجليز قصره بالدبابات، واغتيل اثنان من رؤساء وزرائه، وعدد من الشخصيات في عصره، فكيف لا يشعر بالخطر؟!

ألم يكن الرئيس عبد الناصر يشعر بأنه مستهدف وقد أطلقت عليه ثمان رصاصات في المنشية – إن صحت رواية العهد الناصري – هذا غير محاولات الاغتيال بالسم وغيرها، فكيف لم يشعر بالخطر؟! وكيف ظهر بعهدها في مئات اللقاءات الجماهيرية لا نقول العشرات، في مصر وسوريا والدول العربية.

ألم يكن الرئيس السادات يشعر أنه مستهدف وقد تصاعدت التوترات من حوله خاصة في سنوات حكمه الأخيرة بعد معاهدة السلام، وتصاعدت التهديدات باغتياله، واغتيل بعض المقربين منه بالفعل مثل الشيخ الذهبي ويوسف السباعي، فكيف كان يظهر في عشرات اللقاءات الجماهيرية وآخرها لقاء حاشد في المنصورة قبل اغتياله بشهر واحد كان يحيي الناس عبر قطار بطيء وتلامس يده أيديهم حتى وصل إلى المنصورة فخطب خطبة حاشدة.

حتى حسني مبارك المقل في اللقاءات الجماهيرية لم يخل عهده من اللقاءات الحاشدة، خاصة حينما أعلن انتخابات رئاسية في 2005، فذهب للقاءات في المنيا وغيرها.

ولن نتحدث عن الرئيس مرسي، فهو نموذج في مسألة التخفف من مظاهر الخوف، ولن نقيس عليه على كل حال، وكلنا يذكر مشهد التحرير حين فك أيدي الحراس وكشف عن ملابسه قائلًا أمام مئات الآلاف أنه لا يرتدي سترة واقية، وكان موكبه يمر والسيارات في الاتجاه المعاكس في سيرها المعتاد، وهو أول رئيس بعد ثورة لها من الأعداء مثلما لها من الأنصار.

(13)

فلا يمكن إذًا أن نعزو هذا الرهاب إلى تعرض الحاكم للاستهداف، وإنما هي خصيصة للحاكم العسكري الحالي لأنه أسرف في القتل التنكيل، وامتزج هذا مع طبيعة جبن فيه، فأوجد هذا الخوف المرضي الذي يزيد وتتكاثف مظاهره يومًا بعد يوم منتجًا فضيحة سياسية وإعلامية واحدة بعد أخرى.

(14)

يا سيدي الجنرال، إن الذي تهرب منه فإنه ملاقيك، طال الزمان أم قصر، لكن لعل الله أراد لك بدلًا من أن تموت به موتة واحدة أن تموت بجبنك كل يوم، وأن يطول همك ووهمك ورهابك وخوفك من كل من حولك حتى الذين صعدت على أكتافهم وبأيديهم فأصبحت لا تأمنهم وتحتمي منهم بالبوديجارد ثم أصبحت تحتمي منهم بالأقفاص الزجاجية، فأين المفر، مت ألف مرة بخوفك حتى يأتيك ما تخاف يومًا ما فيريحك من العذاب، أو ينقلك من العذاب الأصغر إلى العذاب الأكبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد