تقف مصر في مقتبل 4 سنوات جديدة من حكم «عبد الفتاح السيسي» بمزيد من القهر المُنتظر، والليل الطويل الذي يلف الأخضر واليابس منها، ليتذكر المخلصون الذين يحاولون مراجعة أنفسهم والطريق لعلهم يستطيعون تعويض بعض ما فاتهم، يتذكروا كلمات الأطباء، في مثل هذه الحالة، وفيما يظهر لهم أنها حالة ميئوس منها:

ـ يبقى الأمل معلقًا بوجه الله، ولا نفقده في رحمته!

  كلمات تعني أن حيل وتدابير البشر تقارب النفاد حيال الواقع، وأن مُهيئ ومدبر الأسباب الله تعالى إن أراد غير من حال إلى آخر، أي منح طرق وسُبل وأسباب التغيير الحقيقي على النقيض مما حدث طوال العقود الأخيرة التي أظلت مصر، وأدت بها في النهاية إلى الاستسلام التام لحكم العسكريين، وبالتالي انطفاء شعلة تأثيرها الإيجابي على المنطقة، وتأثيرها في محيطها وسواه من العالم وإن عانى التراجع حينًا بعد آخر.

   وإن يعجب العقلاء في الكنانة فمن حلم الثورة الذي صدقه الجميع بعد 11 من فبراير (شباط )2011، وتمادى البعض فيه فانطلقت آمالهم في بناء مصر معاصرة تعيد الأمجاد الحضارية الغاربة، فيما زايد آخرون وانفلتت ألسنتهم وأفعالهم يرون قيود قرابة 60 سنة عجيفة من حكم العسكريين تكاد يتبدد ظلامها ويتبخر أمام أعينهم، فلماذا لا تنفلت ألسنتهم وأيديهم بالسوء، حيث يظنون ألا رقيب ولا حتى مجرد مراجع لهم؟

  وفيما كانت القوى الثورية مُنهكة من حكم الرئيس المخلوع «حسني مبارك»، وأضابيره وخطاياه وسيئاته في جميع الجوانب، وفي ظل انعدام رؤية شاملة من الجميع، بخاصة من جماعة الإخوان المسلمين التي حسبت وظنت أن أوان النصر والتمكين قد جاءا، فراحت تتخبط في القرارات، فمن عدم مؤازرة رسمية لمحاولة الثورة في 25 يناير، للمؤازرة التامة، ثم مناصرة المجلس العسكري التي زادت مع الأيام.

   وفي خضم رؤية غائبة عن الجميع استطاع العسكريون التخطيط ببطء، والتعاون مع جهات خارجية، لا يخفي الأمر كحقيقة، ولكننا لا نعول عليه كشماعة للفشل الذريع الذي حاق بمحاولة ثورة كانت شمعة فتية شابة تخطو في مدارج وطريق الأمل، وإن أفلتت من قبضة نظام فاش عسكري بوليسي لا يعترف إلا بالعصف بالملايين في سبيل فرض هيمنته وبسط نفوذه.

  استطاع العسكريون أن يبدؤوا مناصرة فتيل المحاولة الثورية لزحزحة «مبارك» وحلم توريث نجله «جمال»، ثم بدأب ونفس طويل وخطا متوازنة بعضها خفي والآخر علني استعادوا حكم مصر على يد «السيسي» بصورة أكثر بشاعة مما كان الحال عليه منذ زمن الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر».

  والمسيرة التي بدأت من قبل 11 من فبراير 2011 استطاعت أن تحط رحالها وترتاح منذ 3 من يوليو (تموز) 2013 لتبدأ رحلة بناء أواصر دولية وأقليمية واسعة مستقرة وإن لم نحب لها ذلك، وفي المقابل فوجئ الإخوان بما يحدث منذ البداية وبالضربات الاستباقية للنظام، وبكون رصيدهم مع القوى الثورية بخاصة الشبابية قارب النفاد، وبالتالي يبقى المشهد المعارض اليوم مكتفيًا بالاستهزاء والاستنكار دون دربة على المضي في درب فعلي للتغيير أو مجرد الاستفادة من تجربة عسكريي مصر في استعادة حكم دولة أفلت من أيديهم، فلم يعترضوا وإن أخفوا أدوات الاستئثار بالسلطة بحنكة حتى أعادوها إليهم.

   يبدأ «السيسي» فترة رئاسية جديدة، لا يعرف إلا الله هل ستكون الأخيرة وفق الدستور الحالي؟ أم سيتم التلاعب بدستور 2014 لفتح مدد رئاسية، كما فعل الرئيس «أنور السادات» قبيل مصرعه، وإن لم يستفد «السادات» من فتح مدد الرئاسة وعاجله الموت الذي لا مفر منه، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فليس من المعروف إن كان الله سيتولى أمر «السيسي» بقضائه وقدره المُباشرين أم بيد عباده، فقائد الانقلاب العسكري، وإن استقر الأمر له ليس بخارج عن السيطرة الإلهية، فهو بين قضاء ربه وقدره بيد العناية الإلهية أو العباد.

 ومن المؤسف أنه بعد السنوات الأربعة الأولى المباشرة من حكم «السيسي» صارت الأمور إلى ما هي عليه في ظل متغيرات ثلاثة لا تبشر بعقل أو حنكة في التعامل، ففي حين تزخر السجون بالمعتقلين، وتتوالى أحكام الإعدام على المعارضين السياسيين، ويمضي مسلسل الفقر والغلاء وترمل أسر الشهداء وعوز المصابين لا نجد عملًا شبه مؤسسي لدى المعارضة، ولو في المطالبة بحقوق المهدرة حقوقهم في السجون وخارجها، ولا نجد صورة واضحة عن «لم الشمل» للبدء الفوري في استعادة وتحرير مصر من حكم عسكري أعادها لما هو أحط من الاحتلال الأجنبي، وإنما نحن أمام طوفان من النزاعات غير المُنتهية أو المُبشرة ببصيص أمل بين القوى المعارضة وعلى رأسها جماعة الإخوان التي تحلم بالعودة إلى السلطة، دون مجرد قدرة على لملمة شتات فريقيها المتنازعين.

   كما لا نجد تعقلًا من القوى الخارجية التي تدعم «السيسي» بلا حدود، سواء أكان من المحور السعودي الإماراتي المتخوف من تأثير التجربة الديمقراطية على المنطقة وامتدادها إليه، أو من المحور الصهيوني الذي يرى في «السيسي» صديقًا حميمًا عوضهم عن كنزهم الاستراتيجي «مبارك»، وأعطاهم ما لم يحلموا به وأغناهم عن حلم اجتياح مصر، ثم إن الغرب من بعد ذلك يمكنه الاستمرار في صم الآذان والأعين عن مذابح مصر في سبيل انضواء واستكانة نظامها الرسمي تحت جناحه، وهو ما يجيد حاكمها المفترض لعبه بجدارة اليوم، فيما تفشل المعارضة في مجرد بسط المظالم الواقعة عليها أمام الشعوب الغربية محاولة إحراج الأنظمة!

  أما الانقلابيون الذين استقرت خطاهم وقواهم في حكم مصر فلا يرون خطرًا في استمرار المظالم واضطهاد الشرفاء بالداخل أو الخارج، فالمهم لديهم الاستمرار في الحكم، وعدم وجود قوة معارضة واحدة حقيقية حتى الآن أوصل عُباد السلطة إلى الاستقرار في مناصبهم، فلم يعودوا يحلمون بما هو أكثر، ولا يهمهم النسيج الاجتماعي أو الالتحام المجتمعي، فنهضة مصر واستقرارها ليسا من أهداف هؤلاء ولا أحلامهم.

  وبين الواقع البالغ المرارة والضراوة واستمرار الأوضاع في مصر لمدة أربعة سنوات جديدة من حكم «السيسي» بل المتوقع أن تحمل الأخيرة الأسوأ للبلاد والعباد، وبين الأفق المسدود من جوانبه، ما يزال الأمل معقود في رب العزة أن يخفف عن الكنانة ويقود خطاها نحو رجال أقوياء يستطيعون مواجهة الأقدار بشجاعة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد