قبيل شهر رمضان المبارك أعلن الممثل المصري «محمد هنيدي» اعتذاره عن عرض مسلسل «أرض النفاق» في الشهر الكريم ضمن طوفان المسلسلات التي تسيء للمجتمع وتهدم أكثر مما تبني، وقال عبر حسابه على تويتر إنه لا يعرف سبب المنع، ويبدو أن المهم لديه هو أنه قبض الأربعين مليون التي تشكل أجره عن المسلسل وليذهب المسلسل بعدها إلى العرض أو التخزين فذلك لا يهم لديه.

في يومي 18، 19 من يناير(كانون الثاني) 1977، حينما رفع الرئيس الراحل «محمد أنور السادات» أسعار بعض السلع الضرورية على المواطنين وكان أبرزها الخبز، وقامت الدنيا ولم تقعد بخاصة في القاهرة، وبعد أن كان الراحل «السادات» قال لأفراد من أبرز مساعديه أو سكرتاريته في الحكومة، من المسمين ظلمًا وزراء إذ إن الوزراء لا يفعلون شيئًا ولدينا هم أراجيح أو مراجيح تنسب القرارات الرئاسية ظلمًا إليهم، وكان «السادات» قال قبلها لأبرزهم:

مش هتحصل حاجة أبدًا ما تخافوش!

ولكن ثقة «السادات» في عدم تحرك الشعب المصري لم تكن في محلها؛ فكانت «ثورة الخبز» التي أسماها، رحمه الله، «انتفاضة الحرامية».

ومع تصاعد وتنامي طوفان النازلين إلى الشوارع؛ وأعمال الشغب المترتبة على الغضب الهائل الذي ساد القطاعات الوفيرة من الشعب المصري نزلت قوات الأمن بكثافة، وتم القبض على كثيرين، ولكن «السادات» الحاذق الماهر الشاطر الملم بأمور ودروب ودهاليز نفسيات المصريين كان له رأي متمم لمنظومة الأمن والتراجع عن الأسعار؛ فقال:

وذيعوا مدرسة المشاغبين!

وكانت «مدرسة المشاغبين» المسرحية الأشهر التي قدمتها فرقة المتحدين بدأ عرضها منذ 24 من أكتوبر (تشرين الأول) 1973 العرض، وبعد أن حققت نجاحًا ساحقًا في إفساد الطلبة بل التلاميذ الصغار ضد المعلمين، والمسرحية التي تحولت لفيلم مصري لـ«حسام الدين مصطفى» بعد نجاحها الساحق مسروقة من مسرحية لكاتب إنجليزي عنوانها «إلى الأستاذ مع الحب».

وكانت «المشاغبين» في أصلها الإنجليزي تمثل سيرة ذاتية لكاتبها «إدوارد ريكاردو برايث وايت»، وقد نُشرتْ عام 1959 وتحولت إلى فيلم إنجليزي شهير عام 1967، والفيلم كان يمثل سيرة الكاتب الزنجي الأسمر البشرة مع زملائه في المدرسة، ولغاية الفيلم النبيلة نحج نجاحًا أسطوريًا بل تحولت أغنية مقدمته إلى واحدة من أكثر الأغاني تداولا في تاريخ الموسيقى البريطانية.

وبقدرة قادر تحولت المسرحية لدينا في مصر إلى مهزلة صدق وزير التربية والتعليم الأسبق «مصطفى كمال حلمي» لما قال إنها سبب إفساد أجيال من الطلبة المصريين.

والتلفزيون المصري الذي اكتفى بتسجيل «المشاغبين» وإبقائها في العلب، استجاب لما تدخل «السادات» وأمر بإذاعتها يوم «انتفاضة الخبز» فخلت شوارع من المتظاهرين وهرولوا إلى الشاشة الصغيرة في منتصف الفصل الأول لما علموا بإذاعتها!

كان الراحل «السادات» لديه خطة بديلة للأوقات الحرجة منها وأبرزها استثمار «الهيافات والتفاهات» مثل ادخار «المشاغبين» لهذا الوقت الأصعب عليه إذ يثور المصريون عليه.

أما مع «السيسي» فإن الله أعانه على نفسه فلم يترك حتى الفرص التي تمثل «كلام فاضي» لإلهاء المصريين عن المعاناة، ومن هنا تم تعطيل مسلسل «أرض النفاق» عن قصة الأديب الراحل «يوسف السباعي» لأن بطولة المسلسل الثانية تم إسنادها للصحفي «إبراهيم عيسى»، فاعترضت السعودية، وكانت إحدى قنواتها ستذيع المسلسل وتصاعد الأمر حتى أوقف نهائيًا.

ولو أن الأمور تسير وفق «منظومة السادات» لتم عرض مسلسل «هنيدي» الآن والتبكير به، ولكن لله في حكمه تدابير تفسد على «السيسي» حتى الخطط البديلة أو شبيهتها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد