– مثل انقلاب الثالث من يوليو تتويجًا لتحالفٍ وتماهٍ تام بين المؤسسة العسكرية في مصر والنظام السعودي وعلى رأسه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، حيث أبرز هذا التعاون مدى طغيان ونفوذ القرار الخليجي – لا سيما السعودي منه – على صناعة القرار في أروقة السياسة المصرية.

فالمملكة السعودية وبموقفها الحاد من ثورات الربيع العربي عمدت إلى تقويض مكتسبات هذا الربيع، والحد من آثاره للحيلولة دون نفاذ شرره إلى الداخل السعودي الخامل، فكان الدعم – ماديا وسياسيا وإعلاميا – للثورة المضادة دونما مزيد من النفوذ للتيار الإسلامي – وفي القلب منه جماعة الإخوان – حيث باتت المملكة حازمة فيما يتعلق بحصرية الخطاب السني في المنطقة، ومنازعة الإخوان المسلمين هكذا نفوذ – باعتبارهم وحدهم من يتحدث عن مشروع إسلامي جامع – وإن أدى ذلك إلى دعم أطراف ليست على وفاق مع المملكة كالحوثيين في اليمن قبيل تفاقم الأوضاع لاحقا.

أتى سلمان؛ وحملت خطوات الرجل إشارات على أنّ ثمة تغيرًا سيكتنف السياسة الخارجية للملكة لا سيما ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع النظام العسكري في مصر، لا حديث هنا عن تغيير جذري خاصة والحديث عن دولة شديدة المركزية كالسعودية.

فالتمدد الإيراني في المنطقة تنامى حتى وصل إلى الحدود السعودية نفسها، وداعش لا زالت تثير الجلبة في المنطقة، والانسحاب الأمريكي من المنطقة بات واقعا في انتظار شرطي آخر يؤمن المنطقة ويتكفل بحفظ أمن الكيان الصهيوني.

(لكل زمان دولة ورجال.. وسياسة خارجية) هكذا عنون جمال خاشقجي – الصحفي المقرب من دوائر صنع القرار في المملكة والمفسر لسياساتها الجديدة – مقالته في أعقاب تولي سلمان مقاليد الأمور، فالرجل شدد في مقالته على ضرورة عودة المملكة إلى ما أسماها (السياسة الاحتوائية) التي عبرت بها المملكة أزمات عدة مستشهدا على ذلك باتفاق الطائف في العام 1989، والذي جمع الفرقاء اللبنانيين آنذاك، بل وشمل أطرافا لطالما كالت الاتهامات للمملكة حينذاك.

بدا التوجس المصري من الملك الجديد جليا حين بدأ – التحرش الإعلامي – مبكرا، حيث صرح أحد أذرع السيسي الإعلامية – يوسف الحسيني – أن مصر ستكون (أكثر أمانا) حال آلت الأمور في المملكة للأمير مقرن بن عبد العزيز – ولي العهد الحالي – بدلا من سلمان باعتباره أي – مقرن – أحد مهندسي الانقلاب في مصر وفقا لروايات متواترة، ثم تنامى هذا التحرش الإعلامي إلى أن وصل إلى كاهن الانقلاب العتيد – إبراهيم عيسى – الذي دأب في الفترة الأخيرة على مهاجمة سياسات المملكة علنا، ما استدعى ردا خشنا من الصحفي – جمال خاشقجي- في ملاسنة بينهما عبر الفضاء الإلكتروني، حيث لا يمكننا قراءة هذا التوجه الإعلامي بمعزل عن توجه السلطة الحالية في مصر باعتبار أن الإعلام فضل الاصطفاف خلف النظام العسكري في مصر منذ يومه الأول، فضلا عن أن الحديث عن استقلالية الإعلامي عن السياسي بات من دروب الكوميديا في مصر.

في سياق متصل أتت عاصفة الحزم – والتي قادتها المملكة لتصويب الأوضاع في اليمن – لتثير مزيدًا من الشكوك حول مستقبل العلاقات بين البلدين، فعشية عاصفة الحزم أصدرت الخارجية المصرية بيانا مقتضبا لم تؤكد فيه مشاركة مصر في أية عملية عسكرية محتملة في اليمن، ثم سرعان ما تم تأييد الضربة العسكرية حينما باتت واقعا بعدها بساعات قلائل، الأمر الذي يؤكد أن القيادة المصرية لم تكن على علم بنوايا المملكة، فضلا عن أن العملية العسكرية أتت قبيل ساعات من القمة العربية التي استضافتها مصر في منتجعها المخملي شرم الشيخ، الأمر الذي حال دون أن ينصب السيسي نفسه زعيما عربيا عبر إحداث توافق عربي حول الموقف في اليمن انطلاقا من القاهرة.

ثم ازدادت الشكوك أكثر بعد الملاسنة العلنية بين وزير خارجية المملكة المخضرم – سعود الفيصل – والسيسي في أعقاب طلب الأخير قراءة رسالة الرئيس الروسي – فلاديمير بوتين – أمام الحضور في القمة العربية، ما استدعى تدخلا من – الفيصل – أوضح بما لا يدع مجالا للشك أن ثمة فجوة بين الموقفين المصري والسعودي إزاء الملف السوري، فالمملكة ترى أن – بشار الأسد – لا يمكن أن يكون جزءًا من أية تسوية سياسية في سوريا، في المقابل لا حديث للنظام المصري سوى عن الجماعات الإرهابية في سوريا، وضرورة تماسك الدولة السورية، دونما إشارة إلى مستقبل الأسد في سوريا.

ثمة أخبار أخرى متواترة عن نية المملكة في تعزيز التقارب مع حركة المقاومة الإسلامية – حماس – وزيارة مرتقبة تلوح في الأفق لبعض كوادر الحركة إلى الرياض، فضلا عن أحاديث دارت – لم يتم نفيها – حول ضغوط من المملكة على النظام في مصر لإلغاء حكم قضائي اعتبر الحركة تنظيما إرهابيا، وهو ما تم بالفعل لاحقا.

شواهد كتلك لا يملك المراقب إزاءها سوى توقع بأن ثمة تغييرًا مرتقبًا في العلاقات بين البلدين ربما توضح الأيام القادمة ما التبسه من غموض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد