بدا مساء الخامس عشر من فبراير الجاري مروعًا على المصريين في أعقاب بث مواقع تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية – ما يعرف إعلاميًّا بداعش– عبر ولايتها في طرابلس شريطًا مصورًا لذبح 21 مصريًّا قبطيًّا بعد احتجازهم لفترة قاربت الشهرين، الأمر الذي دفع السلطات المصرية إلى اجتماعات أمنية رفيعة المستوى، انبثق عنها ضربات عسكرية على مواقع قيل إنها لتنظيم الدولة الدولة في ليبيا وفقًا لمصادر عسكرية مصرية.

السرعة إذن اكتنفت رد الفعل المصري على غير ما عهدناه منه، لا سيما وأن المختطفين ظلوا في قبضة تنظيم الدولة لما يقارب الشهرين دون تحرك يذكر.

يبدو دافع الثأر غير وجيه في أمور كتلك، فمنذ متى ودولة العسكر في مصر تثأر لقتل مواطنيها، بينما لا تتورع عن سفك دمائهم يوميًّا هنا أو هناك؟ وما مذبحة الدفاع الجوي عنا ببعيد.

 

لعل في السطور القادمة عرضًا لأسباب أخرى:
– عمد السيسي وحلفاؤه في المنطقة – لا سيما الحليف الخليجي– في أعقاب الثالث من يوليو إلى انتهاج سياسات من شأنها تطويق التيار الإسلامي – وفي القلب منه جماعة الإخوان– في المنطقة والحيلولة دون أية تغيرات أخرى من شأنها تعزيز قدرة الإسلاميين على العمل السياسي، فيما يبدو استفادة من أحداث ما بعد الربيع العربي.

– واتخذ هذا النهج مسارات عدة، فتارة عبر دعم سياسي ومادي لأطراف بعينها، وتارة أخرى عبر تدخل عسكري مباشر متى لزم الأمر، ولعلنا نذكر تصريحات أحد المسؤولين الأمريكيين في مايو الماضي عن ضربات عسكرية مصرية في الداخل الليبي الأمر الذي نفته السلطات في البلدين لاحقًا.

– وإسقاطًا على الوضع في ليبيا، فقد عمد المحور المصري الخليجي – والإماراتي تحديدًا– إلى تقديم كافة وسائل الدعم للواء المتقاعد (خليفة حفتر) وميليشياته العسكرية، والذي أعلن عن انقلابه غداة احتفال الليبيين بذكرى ثورتهم في مفارقة لا تخلو من دلالة، بيد أن التعثر الذي اكتنف خطوات اللواء المتقاعد هناك حالت دون تحقيق الرغبة المصرية– الإماراتية في هندسة الوضع سياسيًّا وعسكريًّا هناك.

– بدا السيسي – والذي نصبته أذرعه الإعلامية بطلًا قوميًّا– في مأزق، فما بين أزمة اقتصادية طاحنة (لم تفلح الفلوس اللي زي الرز) في تعافيها، وما بين استقطاب سياسي حاد تسلل إلى حلف 30 يونيو نفسه، وتلويح أحزاب بمقاطعة انتخابات البرلمان، وما بين وضع يزداد تفاقمًا في سيناء، وما بين إشارات من الحليف الخليجي بأن الوقت بدأ ينفد.

 

-(كل ذلك دفع الجنرال إلى الهرع إلى ليبيا).

اعتمد السيسي في استراتيجيته إزاء ليبيا على دفع المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي إلى مباركة عملية عسكرية – على غرار تلك التي ساهمت في الإطاحة بالقذافي– في ظاهرها محاولة للقضاء على الإرهاب هناك، وفي باطنها تدشينًا لوضع على الأرض يهدف إلى تمكين طرف سياسي بعينه، بما يتماهى مع الرؤية المصرية – الإماراتية هناك.

(بيد أن السيسي وكعادته، لا يرى الأمر من جميع أوجهه).

فإقليميًّا، لا تحبذ الدول الخليجية – باستثناء الإمارات– حلًّا عسكريًّا في ليبيا من شأنه تعقيد الأمر، لا سيما مع سلاح في ليبيا كالماء والهواء، فضلًا عن أن الأنظار الخليجية تصوب تجاه اليمن، حيث التمدد الإيراني هناك عبر الحوثيين الذين نجحوا في أن يكونوا الرقم الأصعب في الحياة السياسية اليمنية بعد عقود من الملاحقات.

 

الأمر نفسه ينطبق على دول الجوار الليبي؛ فالجزائر ذات الحدود الشاسعة مع ليبيا – تبلغ 900كم– لن تبارك تدخلًا عسكريًّا في ليبيا حتمًا سيمتد شرره إلى الداخل الجزائري ذي الباع الطويل في التعاطي مع الحركات الجهادية المسلحة، والتي أذاقت الجزائر الويلات، وتونس ما فتئت لتوها الانتهاء من تدشين وضع سياسي جديد هربت به من حمى التغيرات التي تموج بها المنطقة، ولا ناقة لها في عمل كهذا، وكذا السودان التي تخشي من عودة تحالفات ما قبل سقوط القذافي وانغماسه في دعم المتمردين في السودان.

 

أما على الصعيد الدولي؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد متحمسة للانخراط في أعمال كتلك بعد تجارب مريرة في العراق وأفغانستان، وفي ظل محاولاتها الانسحاب رويدًا رويدًا من الشرق الأوسط وتوجيه الأنظار إلى الجنوب الآسيوي حيث التنين الصيني يعبث هناك.

 

وكذا الموقف الغربي الذي يبدو منكفئًا على تسوية ملفات عالقة في الداخل الأوروبي، كالموقف من روسيا وأوكرانيا، والموقف الاقتصادي الخانق في اليونان وغيرها.

 

وفقًا لمعطيات كتلك، فلا حل أمام الجنرال سوى المقامرة بعمل عسكري فردي – تحت غطاء إماراتي– بيد أن أمرًا كهذا أيضًا لا طاقة للقوات المسلحة المصرية به قياسًا بتعقيدات الوضع الجغرافي والعسكري في الداخل الليبي، فضلًا عن أن الجيش المصري ذو تاريخ بالغ السوء في معاركه الخارجية، كما حدث في حرب فلسطين واليمن.

 

كل ذلك انعكس على جلسة مجلس الأمن – والتي عقدت بطلب المجموعة العربية للتباحث بشأن ليبيا– حيث أظهرت تباينًا محدودًا في الرؤى، وإجماعًا على أنه لا حل إلا بحوار يشمل كافة الفرقاء الليبين يحول دون تفاقم الأزمة هناك، فيما مثل هزيمة ساحقة للدبلوماسية المصرية هناك.

أراد السيسي الهرب من استحقاقات الداخل عبر الهرع إلى ليبيا، بيد أنه سرعان ما عاود أدراجه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد