تعيش مصر هذه الأيام حراكًا ثوريًا جديدًا.. يذكرنا بحراك 2011, وشعاراته، يعبر عن توق الشعب إلى دولة حرة ويعيد حلم شعب كاد يندثر.. يطالب فيها المحتجون برحيل السيسي عن الحكم،  منادين بالحرية في مشهد أشبه ما يكون بما كان قبل ثماني سنوات.

وفي خضم هذه الانتفاضة الشعبية نطرح بعض الأسئلة الجوهرية: هل أن مشكل مصر في شخص السيسي؟ هل يكفي رحيله (كما يطالب المحتجون)، بإصلاح شأن البلاد والإصلاح السياسي وانتهاء الديكتاتورية؟ أم أن الأشكال يتجاوز ذلك إلى ملفات أكثر دقة وأشد حساسية؟

الدارس والمتمعن في الشأن المصري يجد أن مشكل مصر ليس بسبب فرد، سواء كان السيسي أو غيره.

إن المشكلة في منظومة فساد واستبداد تمثلها مؤسسة الجيش المصري المسيطرة على الحكم والاقتصاد بشبكة مصالح معقدة من العلاقات الداخلية والخارجية.

فالسيسي مجرد عَرَض لداء مستفحل وقديم، ألا وهو العسكر.

فإذا أرادت مصر العلاج، عليها أن لا تكتفي بمعالجة العرض، بل تعالج سبب الداء وذلك على مستويين:

1. مستوى أول: إعادة برمجة وتشكيل العقل الجمعي للشعب المصري، الذي له ميل غير واع إلى العسكر، واعتقاد راسخ بأن العسكريين هم الأقدر على إدارة أي مؤسسة بكفاءة واقتدار.
وقد ترسخ هذا الوهم من خلال حقبة طويلة من حكم العسكريين.
ويرجع عدد من الباحثين أن بداية ترسخ هذه الفكرة في العصر الحديث تعود إلى سنة 1805، عندما تولى العسكري محمد علي باشا الحكم في مصر،
إلا أن البداية الحقيقية والفعلية لمنظومة الحكم العسكري الحالية تعود إلى سقوط الملكية سنة 1952، واستيلاء حركة الضباط الأحرار على الحكم بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر.
لينطلق بعدها حقبة حكم العسكر المتواصلة إلى يومنا هذا تخللها فاصل بسنة تولى فيه رئيس مدني الحكم سرعان ما أطاحت به منظومة العسكر المعششة في مفاصل الدولة من نظام الحكم القائم.

حقبة طويلة رسخت ما رسخت في ذهنية المصري خاصة بتسخير الله ترسانة ناعمة من فنانين وإعلاميين لتكريس ما أراد العسكر تكريسه في ذهن المصريين.

لذلك على النخب المصرية (سياسيين، مفكرين، مثقفين، صحافيين، فنانين… إلخ) أن تسعى لتغيير هذه القناعة في شعبهم.
وعلى المصريين الاقتناع باختيار مدنيين لإدارة شؤون الدولة، ولا يختارون أشباه مدنيين هم في حقيقتهم عسكريون سابقون.

2. مستوى ثان: بتفكيك المنظومة العسكرية الحاكمة وإجبارها على التزام دورها المحدود في الدفاع عن حوزة الوطن وحماية ترابه من العدوان الخارجي، فالسيسي أو مبارك أو غيرهم من العسكريين، إنما يمثلون واجهة لمنظومة، ولا فائدة إذا تبدلت الوجوه وبقيت المنظومة.
وهذا ما تسعى إليه منظومة العسكر دائمًا من خلال الانقلابات بإيهام الشعب بالتغيير في حين أن الواجهة فقط هي التي تغيرت.

إذا كان في حراك 20 سبتمبر (أيلول) 2019، محاولة من المنظومة العسكرية المصرية لتجديد واجهتها فعلى الشعب المصري اليقظة واستغلال الفرصة.

ويتطلب الوضع وحدة صف الأحزاب السياسية المصرية الساعية لتحقيق إرادتها في إبعاد العسكر، ويترتب على ذلك أن يقدموا مصلحة الوطن على مصالحهم الضيقة والتوافق والتنازل لبعضهم والعمل سويًا من أجل المرور بمصر نحو ضفة النجاة يساعدهم في ذلك الضغط الشعبي في الشارع وتدويل القضية.

ختامًا: إن هذا الحراك هو حراك طبيعي في صيرورة الثورة، ودليل على أن الثورة مستمرة، ولا تحتاج إلا الوقت لتبلغ مبتغاها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات