1- السيسي رئيسًا

منذ عام تقريبًا دار نقاش بيني وبين أحد أعضاء حزب الدستور حول الأوضاع الراهنة،
وشرع في الحديث عن انتهاك الحقوق والحريات العامة والملاحقة الأمنية للنشطاء، إضافة للأوضاع الاقتصادية المتردية، موجهًا سهام غضبة للقوى السياسية التي تسببت أخطاؤهم في عودة الحكم العسكري بقمعه وفاشيته المعهودة.

ثم وجهت سؤال عن موقف الحزب من السيسي هل سيتجه إلى دعمه أم إسقاطه؟

وكانت الإجابة مفاجئة أن الحزب لم ير من السيسي شيئًا رسميًا يحدد موقفـًا من خلاله (وكان هذا أثناء الدعاية الانتخابية للسيسي)

وهنا تتجلي أكبر أخطاء الانقلاب، وهو الدفع بمرشح رئاسي عن المؤسسة العسكرية، والسعي لتقلد منصب يعلق عليه المصريون آمالهم وأحلامهم ويصبون في الوقت ذاته جل سخطهم عليه إذا فشل في الاستجابة لتطلعاتهم.
فعلى الرغم من الانتكاسة التي شهدتها البلاد بعد بيان العسكري على كافة المستويات، إلا أن حزب الدستور لم يجد السيسي موضعًا لتحمل المسئولية لأنه لم يتقلد منصبًا سياسيًا يتحمل بموجبه ما آلت إليه أوضاع البلاد من سوء.

وإن استقر لدى العقلاء (فضلاً عن ضيقي الأفق قليلي الفهم) الذين أدركوا بأبسط قواعد الفهم  والقراءة السطحية للمشهد السياسي أن السيسي هو الحاكم الفعلي للبلاد، وما كان عدلي منصور إلا واجهة مدنيه لحكم عسكري فاشي استباح كل المحرمات.

ربما كان من الأفضل للمؤسسة العسكرية أن تبقى خلف الستار  تدير المشهد وتعقد الصفقات وتمول الأحزاب الراعية لمصالحها، وتبقى الواجهة المدنية كما هي لتتحمل السخط الشعبي الناتج عن تفاقم الأزمات الاقتصادية وتردي الأوضاع السياسية إذا فشلت مساعي النظام الحاكم في النهوض والإصلاح، وبالتالي يمكنهم التدخل في المشهد السياسي كل مرة لاحتواء الثورات الشعبية والهبات الجماهيرية للحيلولة دون تحقيق أي إنجاز ملموس أو أن يحكم مصر أي تيار سياسي قد يهدد مصالحهم.

ويمكنك أن تلمس انهيار شعبية المؤسسة العسكرية بعد عام واحد فقط من حكم السيسي، وهو ما ينبئ باستحالة عودة  العسكر للحياة السياسية مره أخرى إذا نجح أي حراك ثوري في إسقاط النظام الحالي.

 

 2-الخطاب الإعلامي الفج

الحكمة تقول إن المبالغة في المدح مدعاة للذم، وربما مدعاة للسخرية والاستهزاء أيضًا، والارتقاء بالناس فوق منازلهم لن يغير من حقيقة الأشياء أو المسميات، فتصوير السيسي كبطل شعبي لن يغير من حقيقة انقلابه على رئيس شرعي، وحله مؤسسات الدولة المنتخبة وإهدار الإرادة الشعبية للمصريين، والارتقاء بالسيسي إلى منازل الأنبياء والرسل لن يعفيه من المساءلة والمحاسبة عن دماء الأبرياء التي سقطت في فض اعتصامي رابعة والنهضة، وسياسة التعمية الإعلامية عن أوجه الخطأ والقصور في تقييم الأداء السياسي للرئيس لن يغير شيئًا من واقع الأزمات الحياتية التي يشهدها المصريون، ووصف السيسي بالرجل الملهم ذي العقل الرشيد والقول السديد والحل الأخير لن يكون سببًا في تجاوز السخط الشعبي الناتج عن الانفلات الأمني وارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية.

وهي أوضاع حتمًا لن تتغير وحتمًا سيعجز السيسي عن تحقيق إنجاز ملموس فشل بذاته عن تحقيقه على مدار عام ونصف في ظل دعم غير مسبوق من كل أجهزة الدولة فضلاً عن الدعم الدولي والإقليمي،
فليس منتظرًا لمن لا يملك رؤية للنهوض أو برنامجًا انتخابيًا أن يحقق إنجازًا يسهم في أرضاء المصريين الطامحين في مستقبل أفضل بعد ثورتين.

 

 3- انصار السيسي

لعل أبرز عوامل سقوط مرسي هم أنصاره قبل خصومه، حين بالغوا في قدره ورفعوه فوق شأنه؛ فنزهوه عن العيب وبرأوه من الخطأ، ورفعوه فوق مرتبة النقد؛ فلا حساب ولا مساءلة، في مقابل خصومه الذين هونوا من شأنه و حطوا من قدره فحملوه ما لا طاقه له به.

وكان مرسي أحوج ما يكون لمن ينجيه من أنصاره وخصومه، فلا كان مرسي حاكمًا ملهمًا كما ذهب أنصاره، ولا كان فاقد الأهلية وعديم الرؤية كما قرر خصومه.

في تقديري مرسي لم يكن الرجل الذي تستحقه مصر بعد ثورة عظيمة، لكنه كان بوسعه أن يحقق كثيرً إذا حظي بنصف الدعم الذي حظي به السيسي وفشل بدوره في تحقيق أي شيء، لكن كان مرسي وسيظل حاكمًا شرعيًا له في أعناقنا بيعة وجب على كل مصري حر بذل الجهد لإعادته إلى منصبه (ولو لساعة واحدة) ليس دفاعًا عن شخصه أو إشادة بأدائه أو رضًا بعمله، ولكن دفاعًا عن دولة القانون وحفاظـًا على المسار الديمقراطي.

فأنصار السيسي يسهمون بشكل كبير في سقوطه، جعلوه في منزلة الإله الذي لا يخطئ، يبررون أخطاءه ويزينون أفعاله، بل يضفون الشرعية الدينية والأخلاقية على جرائمه؛ فلا مجال لتصحيح المعوج أو تصويب الخطأ أو تعديل المسار، فقط السقوط في الوحل والتمادي في الظلم حتى يكون مستحقـًا لعقاب الله في الدنيا قبل الآخرة، إن الله لا يصلح عمل المفسدين.

 

4- القمع الجماعي

يبدو أن السياسة الأمنية تخالف كل البديهيات العقلية والأعراف المنطقية، السياسي الغبي هو من يوحد كل أعدائه ويفتح كل الجبهات في نفس الوقت، فلم يكتف السيسي بمحاربة الإسلاميين فحسب بل طالت قبضته الأمنية لتشمل العلمانيين والليبراليين ونشطاء غير حزبيين وأفرادًا غير مصنفين، ليتضح لكل ذي عينين أن السيسي هو مبعوث النظام المباركي للقضاء على ثورة يناير وكل المكاسب التي ترتبت عليها، وهنا لن يجد الفرقاء بدًا من الاجتماع، ولن يجد الخصوم مفرًا من الاتحاد (عاجلاً أم آجلاً)، ولا سبيل للخلاص إلا بخلق مساحة مشتركة للعمل وإيجاد آليات لإدارة الخلاف السياسي بعيدًا عن استدعاء المؤسسة العسكرية أو الاستقواء بنظام شاركوا سويًا في زواله وإسقاطه.

سيسقط السيسي حتمًا حين يدرك الفرقاء أن إسقاط النظام مسئولية أخلاقية دينية توجب علينا تجاوز الخلافات والالتفاف حول مشروع التحرر الوطني وتقرير مصير.

سيسقط السيسي حين تزول الفرقة وتجتمع الكلمة ويتوحد الصف، وندرك أن مصر لكل أبنائها باختلاف آرائهم وتنوع إيديولوجياتهم، المهم أن نتعلم كيفية إدارة هذا التنوع دون إقصاء أو تهميش.

سيسقط السيسي حتمًا إذا استمر الحراك الثوري في المتصاعد يترقب التقصير ويرصد الأخطاء ويرفض الانتهاكات ليكون مظلة لكل الساخطين على الحكم العسكري بين راغب في أمن مفقود وطامح في عمل منشود أو حالم في حرية بلا قيود.

 

حتمًا سيسقط السيسي

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد