شهدت السينما المصرية في فترة  الثمانينات  فيلم  كوميدي اسمه: واحدة بواحدة – منقول بالنص والحرف عن قصة فيلم: lover come back –  تدور أحداث الفيلم  عن مدير شركة دعاية وإعلان، يقوم  بحملة دعائية لسلعة وهمية اسمها الفنكوش، لكن الغرف التجارية تقف له بالمرصاد وتطالبه بإحضار الفنكوش لها، وإلا ..!  – الحقيقة أنا لا أعلم ماذا تعني: وإلا. هناك أناس تُقتل في  وضح النهار  ولا نجد من يقول لها، وإلا – ما علينا – فيلجأ للدكتور أيوب المخترع؛ لينجده الأخير من هذه الورطة باختراع فنكوش مخلوط بالخمر.

 بالرغم من قيام عادل إمام ببطولة الفيلم،  إلا أن  الفيلم اختصر في أذهان المشاهدين بالدكتور أيوب، والذي  لاقي رواجًا  في الأوساط الشعبية، ليكون هو وفنكوشه، واصلة فكاهية لا تنسى، لكن  دوام الحال من المحال، وتمر الايام؛ ليظهر علينا أيوب آخر، وفناكيش أخرى، تُعتم على نجم  أيوب الأول وفنكوشه اليتيم، ولكي نفهم من البدء قصة إله الفناكيش الجديد، علينا أن نرجع عقارب الساعة إلى الوراء قليلًا، لتلك اللحظة التي…

زف التلفزيون أفراحنا وبطولاتنا ووعود بتجديد الأمجاد وبث نداءات محبوكة بسبكة وطنية ليناجي الحالمين، أكثر ما هما حلمانين، بانتهاء رحلة البؤس المضنية، وخرج علينا أصحاب الياقات البيضاء والابتسامات تعلو سحنتهم ناقلين إلينا عبور حقبة تاريخية على دراجة رئاسية جابت الشوارع ويكأن خوسيه موخيكا (رئيس الأورجواي) دنى وتجلى في أقنوم بلحة المعظم، ودارت ماكينات الدعاية ومتاريس الإعلام الفولاذية، وقرعت طبول الصحافة في تمجيد مشروعات دولتنا البهية ومن إنجاز الحفر على الناشف إلى عربات الخضار إلى التوك توك المسكين.

   ثم .. ثم لا شيء .. تمخض الحفر على الناشف، فأنتج تفريعة أصغر من أن ُيحمل عليها ادعاءات بما أسموه قناة السويس الجديدة، خاصة مع تبخر أحلام تشغيل خمسة ملايين ما بين عاطل وخريج جامعة واختصارهم بأن يكونوا تبّاعين في مشروع عربات الخضار الذي سيجعل من مصر كعبة العمال، والتي تبخرت هي الأخرى تحت مواقد: هاجيب لكم منين، ومش قادر أديك، وهتاكلوا مصر يعني؟  وغُضّ الطرف – كالعادة – عن عدم تنفيذ  المليون وحدة سكنية، والعاصمة الإدارية، والاستزراع السمكي، بمناسة  السمك:  إحنا شعب أكيل، والحكومة تخشى على صحتنا، فزادات الدولار لتزيد الأسعار ، فمنعتنا عن الشراهة  والطفاسة، والحمدلله الذي رزقنا حكومة تهتم بصحة بطوننا قبل جيوبنا ، إننا الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه، إلا هذا الرئيس المؤمن الذي يصلي الفجر، وزوجته منتقبة، وأولاده يحفظون كتاب الله، فاختار لنا حكومة تجعل أبداننا سليمة معافاة، لنرفع شأن بلادنا بالعلم والعمل والتنمية، وأظن أن الأمر بات وشيكًا على تنمية بلادنا، خاصة ربوع سيناء المقدسة.

– شششششش

.. اااحم مم .. ماذا حدث  ..  ! السيسي يحاول أن يجعلها منطقة منعزلة لمحاربة الإرهاب!  ااحم اا..ا. ،  لكن النظام وجه جهوده في التعليم وحل المشكلة أخيرًا و…

– ششششششش

احمم .اا ..ااا.. خرجنا من الترتيب العالمي حقًا! ..  وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا، والأدب فضلوه عن العلم، لكن السيسي طمأننا على كل هذا، وقال:

”المهم  إننا نبقي كده”، وأشار بقبضته هكذا، متوعدًا شيئًا ما، إنه دائمًا يتوعد شيئًا ما، ويحدثنا ويقسم على ذلك مصداقًا للحديث الشريف : آية المنافق ثلاث.

الحقيقة أنني استشعرت الدفء والأمان، حينما رأيت أن لغة الإشارة تطورت من الإصبع للقبضة، مازلت  أذكر  أحدهما  و هو يشير بــبسبّابته لعوام المشاهدين، والوسطى لخواص المعارضين،  و بين القبضة  والسّبّابة – هل قلت دبابة! –  قصة تحضرني لمذيع حنون قال مستمتعًا: ياااه حضن الإيد ده ممتع بشكل.  فحسدته صراحةً  وقتها على الدفء الذي تخلفهُ الأيادي معهم، لدرجة إنهم غنوا لها أوبريت: تسلم الأيادي، العظيم – لحّنُه  مطرب شهير  يبكي أكثر مما يغني – صراحةً حسدته على هذه المتعة وهذا الأمان ، بينما نحن ما زلنا في زيارات مستمرة لدكتور المسالك البولية.

للإنصاف..!

النظام لم يُبهرنا يومًا بتصريحاته، يحضرني هنا ذلك اليوم، الذي أمست مصر فيه على تصريح رئيس الوزراء بأن الشاب يجب أن يبحث عن توك توك، فالوظائف الحكومية انتهت وأيام الدلع قد ولت، على حد قوله، لتهوي أحلام المواطن المطحون على (جدور رقبتها) بعدما ظن أن مياه المجد قـد عادت لمجاريها والحقيقة أن المياه الوحيدة التي عادت هي مياه صرف شوارع الإسكندرية، عروس البحر الغارقة.

أما عن الحق والحريات، فحدث ولاحرج، اكتفى نفس المواطن بهتاف الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، وهو يلقى بمسامعه أوان الفجر، يتسمع وقع أي خطوات تقترب، إنها الأوقات التي تكثر فيها صوت الخطوات يقترب، الباب يتحطم على رأسك وفوهات البنادق على صدغك، كعادة ما يحدث في هذه المناسبات التي تتعقب الجميع من قارئي مجلة ميكي إلى محبي ماو تسي تونج وسيد قطب وفرج فوده، أحداث شبيهة بــروم بوتش التي أجراها هتلر واستغلها بالانقضاض على منتقدي نظامه.

وبالرغم من كل هذا مازلوا يصرون أن مصر تفرح لأن بكرة أحلى! لا تعلم كيف، لكنها تفرح فحسب، ومن يرى غير ذلك مشكوك في ولائه تابع للإرهابيين، ستكون نهايته أشبه ما تكون بــــمصير أعيان الصين، في الثورة الثقافية التي دشنها الزعيم الصيني ماو تسي تونج  في مايو (أيار) 1966م بعدما لوح بأن الحزب الشيوعي تم اختراقه من البرجوازيين، وأنه سيعمل على اجتثاث هذه الفئة، وكان بمثابة اللبنة الأولى التي مزقت المجتمع الصيني، إلا أنني تذكرت أنني لست صينيًا، ولم أكُ يومًا من الأعيان، والشخص الوحيد الذي سيرتدي برنيطة الأغبياء هو من يدافع الآن بكل حماسة عن سخافة أمر مل التاريخ من تكراره، أمر نختصره في بضع كلمات، يا إله الفناكيش! الحنجرة وحدها لا تكفي…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد