مدينة الأشباح التي تنتظر ساكنيها

تبدو مدينة السيسي – التي لم تظفر بعد باسمها الرسمي الذي سيخلدها عاصمةً جديدة على أنقاض عاصمة الألف مئذنة التي شيدت في القرن العاشر الميلادي – على نقيض من القاهرة ذات الطرقات المزدحمة والأسواق الصاخبة والعطفات الضيقة.

مدينة السيسي فريدة من نوعها، عريضة الشوارع واسعة المجازات، ذات عرصات وبساتين، أنيقة هي المباني المصطفة على جنبات الأرصفة بدقة متناهية، وهي الآن تضم أربع مآذن في مسجد عبد الفتاح العليم وأكبر كنيسة في الشرق الأوسط. كل شيء يبدو كاملًا وعظيمًا، كما يشتهي الحاكم.

لكنها إلى حدود الساعة لا زالت تبحث عن ساكنيها، فهي تبعد عن العاصمة بخمسة وأربعين كيلومترًا، وتكاليف المعيشة فيها تفوق طاقة الموظفين الحكوميين من الطبقة الوسطى الذين يتقاضون أجورًا تزيد قليلًا عن الألف جنيه في الأسبوع، في حين يبلغ المتر المربع في هذه المدينة «الفاضلة» 11 ألف جنيه مصري حسب وزارة الإسكان المصرية.

في حين لا زالت السفارات الأجنبية مترددة في الانتقال إلى المقرات الجديدة في العاصمة لكونها تشبه ثكنة عسكرية وتحتوي على مركز قيادة للقوات المسلحة، ولأنها تكرس فصلًا مقصودًا لتلك الهيئات الدبلوماسية عن المجتمع المدني.

بينما يغذ رجالات الحكومة والبرلمان السير نحو مقراتهم الجديدة، يسير في ركابهم خمسون ألف موظف عمومي، أي ما يشكل أقل من واحد في المائة من مجموع الموظفين الإداريين.

أثبتت مثل هذه المدن الجانبية التي يراد منها تخفيف الضغط عن العاصمة منذ السبعينات -مثل القاهرة الجديدة- فشلها في استقطاب الزخم التجاري والأيدي العاملة وسرعان ما تتحول إلى جزر يتقلب فيها الأغنياء الفارين من زحمة العاصمة والتلوث البيئي.

وبعيدًا عن الجدل الذي يدور حول كيفية سداد الخمسة والأربعين مليار دولار التي أنفقت على إنشائها، وعن توقف الكثير من اشغال البناء بسبب الخلاف مع شركة «إعمار» الإماراتية وكذا الشركة الصينية المكلفة ببناء الحي التجاري؛ فإن البعض يرى في هذا المشروع مجرد حصن يجعل الحكومة بعيدة عن طائلة المظاهرات المستقبلية، ويجبر الثائرين في المستقبل على تجشم سفر طويل من أجل إسقاط النظام.

وعلى ما يبدو فإن السيسي وحاشيته مسكونون بهواجس الثورات والانفجارات الشعبية الفجائية، وهم بنقل آلة النظام وجهازه الإداري والسياسي بعيدًا عن مناطق الاحتقان يكونون قد أبعدوا عنهم شبح المسيرات الشعبية نحو قصر الرئاسة أو الاعتصامات المليونية في الميادين العامة ولعلهم يَرَوْن أن الثورات لا تتشكل نواتها إلا في العواصم باعتبارها وبالتالي فإن عاصمة محصنة ومعزولة تسكنها النخبة البورجوازية وطبقة البيروقراطيين المطيعين هي الحل الأمثل لداء الثورة.

وكما هي أحلام الديكتاتوريين الكبار في التاريخ؛ كان حلم إنشاء المشاريع الكبرى والمباني الهندسية الضخمة والنصب التذكارية الرهيبة من أشد خصائص تلك الشخصيات المغرورة والمتألهة، وفي أشد الأوقات التي تعاني فيها شعوبهم من ويلات الفقر والمجاعة والركود الاقتصادي.

فهتلر كان يحلم بجرمانيا عاصمة الإمبراطورية الجرمانية التي ستحكم أوروبا وما وراء أوروبا، بقبابها الرومانية الضخمة وسواريها الغرانيتية الهائلة وطرقاتها الواسعة وتماثيلها المرمرية السامقة، وكذلك كانت مدينة لينين، لينينغراد، وستالين، ستالين غراد، اللتان بنيتا بسواعد جحافل من المستعبدين في غولاغات ومعتقلات سايبيريا، وإن كان الفرق بين ديكتاتورين كبيرين شهد لهما العالم بالدهاء والذكاء وبين طاغية متواضع القدرات العقلية مثل السيسي لا يقارن.

فيا ترى ما هو الاسم الذي اختاره السيسي لمدينته؟ وهل سيحذو حذو من سبقوه من رؤساء مصر ويطلق على المدينة اسمه الشخصي أو العائلي على غرار مدينة ناصر ومدينة السادات أو اسم شهر مجيد كان فاتحة له لتولي زمام السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد