أضواء على لقاء السيسي

حين تتناغم أجهزة الدولة كلها بدءاً من المؤسسة العسكرية وأفرع مخابراتها المختلفة وانتهاءً بأصغر أجهزتها المدنية وأصغر موظفيها للعمل مع شخص واحد ، تتأكد أن أي ساذج – سواءً كان هذا الساذج فرداً أو حزباً أو ائتلافاً ثورياً أو جماعة – كان يريد الإصلاح منفرداً بثوريته وسط ركام الفساد هذا واهم.

تابعت باهتمام وتدقيق حوار عبدالفتاح السيسي قائد الإنقلاب العسكري في مصر على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ جمهورية مصر العربية أو في تاريخ نظام الحكم فيها عموماً ، وانبهرت بشدة من احترافيته واحترافية فريق مخابراته الذي أعد له هذا الحوار واختار له تلك الألفاظ الرنانة ، وازداد إعجابي بفريق دعمه المعنوي ، خاصةً فريق التنمية البشرية المسئول عن ضبط لغة جسده ونبرات صوته.

الدارس أو القاريء السطحي لفن زراعة القناعات في العقول ، وفن زراعة الوهم والخوف ،  أو التحكم في العقل الباطن ، يجد أن جهداً غير بسيط قد بُذل ليخرج لنا هذه الساعات من حوار قائد انقلاب عسكري ، يحاول نقل معارضيه من التفكير في انقلابه إلى مناقشة برنامج انتخابه.

بدأ السيسي حواره بتعريف نفسه على أنه مواطن بسيط خرج من حي الجمالية ، ولم يذكر من معالم الحي المليء بالذكريات كما ذكر سوى معبد اليهود فيه وكيف كانوا يمارسون عباداتهم بحرية وكيف أنه يتألم لمجرد ( التندر ) عليهم كما ذكر ،

اختار هذه الرسالة كأول رسالة يرسلها للمجتمع الدولي ، واختار اليهود – المتحكمين في البيت الأبيض قبل الكنيست – كأول وجهة سياسية دولية يغازلها ويمد إليها جسور التعاون ، ثم انتقل مسرعاً وفي لحظة لعمله كملحق لوزاره الدفاع بالرياض التي لم ينس قبل أن يختم حواره في الجزأ الثاني منه أن يؤكد على أنها ستكون وجهته الأولى في زياراته الخارجية الرسمية.

لخص السيسي سريعاً تعريفه لنفسه ثم انتقل إلى الحديث بالنبرة العاطفية واغماض الجفنين وابتسامة العاشق عن دوافع قرار ترشحه للرئاسة ، والذي بدأ الحديث عنه باستنكار بريء لأي تخطيط مسبق منه للحكم وأنه لا يحترم نفسه أبداً إذا كان قد خطط لحكم المصريين ، وأن الوضع بعد الثالث من يوليو والرابع عشر من أغسطس لم يدع له مفر من اتخاذ القرار ، لينبهر القاريء والمحلل لروعته وهو يزرع في عقول الشعب أن الدولة عقمت عن أن تنجب مثله ، وأنه المخلّص لها مما وقعت فيه.

لغة جسد السيسي واختيار فريق مخابراته للكلمات التي تزرع داخل العقول البسيطة أن زعيماً حقيقياً قد بدا ، وأن قائداً عاماً للقوات المسلحة ( مبيستأذنش حد ) قد عزم على رئاسته ، وأن مجلساً أعلى للقوات المسلحة ( إذا كان يحبه فلن يرشحوه وإذا كانوا يحبون الوطن فلا خيار أمامهم سوى ترشيحه ) ، تُرسخ داخل المهتم فكرة أن هذا الشعب يسهل زراعة الأفكار في عقله الباطن ، ويرضخ لمن يخوفه بالقمع ، ويصدق ويتوقع ويشتري الأمل من أي بائع له ، حتى ولو كان كاذباً.

لم ينسى السيسي في حواره أن يؤكد لنا أنه لم يأخذ رأي أحدٍ في الترشح سوى زوجته ، ثم انتقل الحوار بالتصوير البطيء والموسيقى العاطفية للحديث عن المرأة المصرية ، وهنا تجلت روعة فريق الدعم المعنوي في نظرات السيسي العاطفية للطرق على نفس الوتر الذي يدق عليه في كل مرة – وتر حبه للمرأة ، وحبه للبنات كما ذكر- ، هذا الوتر الذي ما جربه مرةً إلا وأتى بثماره ، المرأة التي ستستجيب لمن سيخلصها من قمع المجتمع والزوج ، المرأة التي لم يمر على تاريخ دولتها من يصرح لها بأنه يحبها وينتبه للمتحرشين بها ، ويشبك كلتا يديه بجوار قلبه ويتنهد ويكاد يبكي حباً حين يتحدث عنها ويعدها بأنها ستكون إلى جواره.

تتجلى روعة الترتيب المخابراتي لحوار مرشح رئاسي حين يفتتح حديثه عن دوافع ترشحه بأنه كان يعيش وهو صغير حلم ثورة 52 ، وحزنه من نكسة 67 ، وأن خوفه على مصر من نكسةٍ مشابهة ، هو ما دفعه للترشح ، وأنه يرى مصر كما كان يراها قديماً ، أزهر ومعبد يهودي وكنيسة في شارع ( الجيش ).

انبهرتُ كثيراً باستدعائه لشخصية الممثل عادل إمام التي كان يتقمصها حين يتحدث كمسئول في مجلس الشعب ، حين تهكم على الخطاب الديني في مصر ، وانبهرت من روعة اسلوب زراعة الأفكار التي تجعلك تُسلّم أن كل ما سبق كان إساءةً للإسلام ، وأن الإسلام في نظره هو إسلام الشيخ صادق العدوي في الأزهر والشعراوي في التلفاز ، وأن إسلام الدولة هو القانون والدستور ولا شيء غيره وأنه وحده مسئول عنه ، وأن إنسانية الإسلام تتمثل في شخص واحد هو السيسي ، وأن الخطاب الديني في العالم أجمع لابد وأن يكون بالشكل الذي سيطبقه في مصر إذا حكم.

في هذه اللحظات فكرت وأنا أتابع حواره ، ماذا لو أزلنا هذه الأوراق التي يقرأ منها إجابات كل سؤال كتب في أوراق محاوريه ، وماذا لو كان هذا اللقاء على الهواءِ مباشرةً أو في مؤتمرٍ جماهيري ، كيف سيكون شكل الحوار ؟

إذا تجردت عزيزي القاريء  من انتماءاتك السياسية ، وحاولت تقمص شخصية ذلك الناقد المحايد – ولا يوجد ناقد محايد – ستنبهر حقاً بلغة جسده حين يتحدث عن الجيش وعن طريقة استمالته لجنده ، وإرهاب الشعب أن جيشاً سيحكمه ، وأن حاكماً – قدم من مؤسسة ( لا تفشل ، ولا يمكن تفشل ولازم تنجح ) – لا يمكنه أن يتقبل الإساءة، يمكنه فقط أن يتحملها ، وأنك أمام حاكمٍ قد فرض رأيه ثلاث مراتٍ على الحكومة حين كان وزيراً فرضخوا لرأيه ، مرةً في زيادة الحد الأدنى ، ومرة في تقليل الحد الأقصى ، ومرة في زيادة الضمان الإجتماعيّ ليغازل الطبقة ( العائزة وليست الفقيرة كما ذكر ) ، لكن الحقيقة المرة ، أن ما من أمرٍ من الأمور الثلاثة قد تطبق على أرض الواقع ، والأمرّ من ذلك أنها لم تكن بالأصل قراراته وأفكاره.

إذا كنت ممن شاهدوا فلم ( inception ) ، ستتفهم مقصدي وستتجلى أمام عينيك روعة التحكم في العقول الباطنة ورراعة الأفكار و تصدير الإحباط للناس حين تحدث عن برنامجه ، وعدهم باللاشيء ، وعدهم بـ ( مفيش ) صدر إليهم جملة ( برنامجي حلم قابل للتحقيق ) ، يعلو بك السيسي في الأمل حتى السحاب ، ويقذفك بالإحباط حتى السحيق ، صدّر إلى العامة قناعة أنه الشخص المخلّص الذي نصح نظام مبارك ونظام مرسي ، لكن كلا النظامين كان يعمل ضد الأمن القومي فلم يستمع لحكمته ، وأن مكتب الإرشاد – الذي لن يسمح بوجوده لا هو ولا جماعة الإخوان ولا أي مشابه لهم – ضد الأمن القومي المصري وكان هو من يحكم مرسي ، وأن البناء الفكري للجماعة يتبنى العنف ، وأنها مسئولة عن كل عدم الإستقرار في مصر في الأربعين سنة الأخيرة ، وأن هذا الفكر غير قابل للحياة ،  وأن الشاطر هدّده بمقاتلين من سوريا وأفغانستان ، لكنه ردّ عليه في حسم ( اللي هيبص بعينه بس للجيش المصري أنا هنسفه من على وش الأرض ) ، قالها وقد تقدم بصدره إلى أمام المنضدة وقبض كلتا يديه وضرب بإحداهما عليها في استدعاءٍ رخيص لأسلوب عبدالناصر في بيع الأمل والإستعلاء والإرهاب.

انتهى الجزأ الأول من حواره بإقناع العامة أنه مع المتظاهرين لكنه ضد الإرهاب ، وأن فض رابعة والنهضة وكل المذابح والمجازر التي ارتكبها كانت رد فعل ضد إرهاب المعتصمين ، وأنه لن يتورع أبداً عن فعل أي شيء لمحاربة الإرهاب ، ولا حتى تفصيل قانون مخصوص لذلك.

في الجزأ الثاني من حواره كان قد تلافى تماماً كل خطأٍ لغوي أو جسدي أو نبرة صوت ملفتة في الجزأ الأول وتخلص سريعاً من شخصية الممثل عادل إمام وبدا أكثر حسماً.

عذراً عزيزي القاريء أكثرت عليك من حديثي عن روعة جهاز المخابرات في إعداد حوار لكن سامحني ، فكل دقيقة تمرّ تثبت كيف أن علم زراعة القناعات والوهم حقيقة وليست كتباً كنا نتسلى بقرائتها.

حين تحدث السيسي عن ملفه الإقتصادي واستحضر مثال الصعيدي الذي يأتي للقاهرة معدماً فيرفض أن يمد يده لأحد – رغم أنه ناقد نفسه في مد يديه للأشقاء العرب والمجتمع الدولي والمصريين بالخارج في التسول لدعم برنامجه – حتى يقف على قدميه ويبني كيانه الإقتصادي الخاص ،، هنا قد غازل الصعايدة الذين خسرهم بالفعل بانقلابه على مرسي صاحب القاعدة الشعبية العريضة في الصعيد  وهيأ المجتمع والشعب أنه ( مفيش ) ، ستتعبون معي عشر سنوات لا تأكلون فيها في مقابل أنكم ستأكلون في المستقبل ، هذا دأب أي ديكتاتورية تقوم ، بع لهم الوهم والأمل والقمع ، تحكمهم.

لم يجد السيسي شيئاً يبدأ به مشروع تقشفه وترشيده سوى وقود المدرعات التي يسلها لتأمين المتظاهرين ، وهنا تضحك من أعماقك على فن الإستخفاف بعقول العامة وزرع قناعاتك المرادة في بواطنها ، المتظاهرون مؤمنون من الدولة ومكلفين لها.

نظر قائد الإنقلاب في ورقته عميقاً وقال ( سأسير في برنامجي الإقتصادي باستراتيجية المحاور المتوازية ) وتحدث عن الفكرة العبقرية القديمة في التوسع الأفقي في المحافظات وأعاد التأكيد ( أنا جاي من مؤسسة لازم تنجح ) ، ففرش لنفسه هنا بساطاً من الزعامة يسمح له بطلب دفع مئة دولار من كل مصري بالخارج واستجداء المستثمرين للعودة ، ثم عدّل من نبرته العاطفية وانتقل للنبرة الحاسمة وتوجه للأشقاء العرب وقال ( إذا كنتوا حريصين على استمرار مصر مش هينفع تتساب تاني ) ، هنا يزرع قناعة أنه الزعيم ، وأنه مِصر ولكي تستمر مصر ادعموني ، و( خلوا بالكم من بلدكم وبقول للي مجاش الشر عنده – يقصد الربيع العربي – خلي بالك ) وجهها للسعودية والإمارات ، الأولى ملكها زعيم العرب والثانية أبناء زايد ( اللي مماتش ) ، هي كلها رسائل استجداء وتعاون وتسول للوصول إلى حكم.

يضحكك مناقدته لنفسه حين تحدث عن آلياته الموازية للرقابة على الأسعار وعربات بيع اللحوم – التابعة للجيش – التي ستنزل للشوارع بسعر رخيص ، في إرهاب صريح للمستثمرين الذين كان يناشدهم قبل دقائق للإستثمار في مصر .

لعلك عزيزي القاريء دخل إلى نفسك شيء من إعجابي بالمخابرات المصرية وتهكمي على سذاجة من وعد منفرداً بإنجازات في مئة يوم ، حقيقةً أنا معجب ممن أدرك بساطة عقول من كنا نسميهم ( حزب الكنبة ) وسهولة تحكمه فيها ، لكنه على المستوى العلمي عقلية فاشلة ساذجة لا تحسن غير الحرب والقتال والقتل والسجن ، لو ناقشت كلامها علمياً ستضحك من سطحيته وسذاجته ، لكنه ملامس قوي لعاطفة العامة.

حين تجد زعيماً يُصنع ويُلمع يخرج ليصرح ( أنا عارف أنا بعمل ايه ) بنبرة تهديد قوية لتتبعها جملة ( أنا جاي أشتغل مفيش وقت ) ، لا بد أن تدرك أن ثمة آلاف انبهروا بذلك وصفقوا له ، وآلاف ارتعدت فرائصهم من انتقاده وعزموا على الإختباء حتى تمر موجته.

أنت الآن أمام استحضار لقمع الحكم الروسي ومخابرات الكي جي بي ، ومذابح الصرب ، أو معتقلات سيبيريا ، استحضار لكل تلك الأرواح حين الحديث عن إجبار المواطن لتركيب مصابيحٍ ما من نوعٍ ما ، حتى وإن كانت الفكرة جيدة ، لكن طريقة إفصاحه عنها ، هي طريقة ديكتاتور رسخ القمع في عقليات شعبٍ فهم سيكيولوجيته.

تهكم الكثير على جملته الشهيرة ( أنا مش قادر أديك ، أنا لو معايا هديك من غير ما تقول لكن مفيش ) ، هذه الجملة مدروسة وبعناية ولم تخرج هكذا عفوياً ، هذه الجملة خرجت من مؤسسة ضخمة فهمت الشعب وفهمت ما يخرسه وما يسوسه ، جملة خرجت من فم شخص طلب من الشعب ( سنتين كاملتين ) حتى يروا إنجازاته ، بخلاف من مارس السذاجة حين ظن أنه سيحكم مؤسسات الولايات المتحدة وطلب من الشعب مئة يوم ، لم ينس السيسي حين طلب سنتين بدون انجاز أن يتهكم على أن من قبله طلب مئة يوم للنظافة وخلافه ، وأشار بيده في حركة تهكم واستهزاء ، لعب على عقل المواطن الباطن باستعلاء أنه حين كان ضابطاً في القوات المسلحة كان يطلب من الجنود سنةً كاملة لينفذ وكانوا يرون بأعينهم انجازاً فـ ( يبطلوا يسألوا ) ، تأسيس لمبدأ بطلوا تسألوا ، وأتحداك عزيزي القاريء أن تجد من العامة من ينتبه إلى أن مرسي وعد في أول مئة يوم بأكثر من النظافة.

السيسي ضرب بالمنطق عرض الحائط حين تكلم عن آلية اختيار طاقمه ، وضرب بجبهة الإنقاذ وحزب النور عرض الحائط أيضاً حين قال ( معنديش فواتير لحد ) ، ورسخ لمبدأ أن أي محافظة تمس الأمن القومي سيكون بها محافظ من الجيش ، وأن أي وزير ( مدني ) ، سيزرع حوله ثلاثة أو أربعةً من ( الكفاءات ) – وهم طبعاً رجال الجيش المخلصين – ليوجهونه ويتدربوا على الحكم في المستقبل.

حاول أن يظهر للناس بمظهر الثوري الذي تنبأ بثورتي يناير ويوليو ، وزرع في عقلهم الباطن ( انتوا شاغلين نفسكم بعودة نظام مبارك وسايبين الخطر الحقيقي – ولا أدري أي خطر يقصد – ) ، زرع في الباطن مبدأ سِر داخل الجدار ولا تشغل نفسك ، نحن في خطر ، لا تشغل نفسك بالثورة أنا الثورة ، ويناير ويوليو ثورة واحدة وليست اثنتين .

لم يفت السيسي في تلك اللحظة التي يصدر فيها رعباً لا ندري ما هو من تصدير الرعب من شبح إرهاب الإخوان بل ولم يكتفي بتصديره للمصريين فقط بأن ( مكتب الإرشاد يضرب والجيش يتلقى عنهم الضربة ) على حد وصفه ، بل صدره لأوروبا كلها بأن الإخوان المسلمين سبب في تجنيد ٢٠٠٠ مواطن أوروبي في الجيش السوري الحر ، ثم انتفش في الحديث وقال ( قابلت مسئول أمريكي وقلت له وقت الإخوان انتهى ) ، يشير إليهم بأنه هو من أنهى وبأنه هو الزعيم الجديد ، وأني أنا صمام الأمان فحافظوا عليّ.

سخر السيسي من نظام الإخوان حين قال تنبأت بالثورة في اكتوبر وتأكدت أن ( البلد بتضيع ) في يناير ، ودعوت القوى السياسية في نوفمبر وخاف مرسي من دور الجيش فلغى الدعوة كما قالت لميس ، سخر السيسي من الإخوان في تدبيره لانقلاب عليهم بعد أربع أشهر فقط من حكمهم بقيادة البلاك بلوك الذي نسي أي منهم كما نسي الشعب أن يذكرهم.

اختتم قائد الإنقلاب العسكري حديثه مع المواطن بإعادة التأكيد للمرة الرابعة أن مكتب الإرشاد كان هو من يدير الدولة ، وأنه ضد الأمن القومي ، وتحدث إلى المجتمع الدولي أن ما حدث ثورة ، ثم تنهد وشبك كلتا يديه واستعاد روح التفويض الذي فض به ميداني رابعة والنهضة حين سُئل عن افتتاحيات مقالات جريدة التايمز التي تصف ما حدث بأنه انقلاب عسكري وقال ، ( انزلوا للتصويت عشان تثبتوا للعالم إن دي إرادتكم ) ، ثم أعاد الطرق للمرة الثالثة على نفس الوتر الذي ما خاب معه مرةً وطلب من المرأة النزول وشبك كلتا يديه وقال ( انزلي وخذي معك زوجك وأولادك ).

أنت كصاحب فكر أو قضية أو حامل رسالة ثورية أمام مدرسة عظيمة من مدارس زراعة القناعات في الشعوب ، مدرسة تختتم حوارها للناس بزراعة قناعة أن هناك فصل عظيم بين حماس والقضية الفلسطينية ، وأن قطر خسرت الشعب المصري ، وأن تركيا لا تريد مع المصريين تعاون ، ثم تبتسم وتزرع في قناعاتهم أننا شعب يحترم العهود والمواثيق التاريخية وأولها كامب ديفيد ، وأنه مستعد لزيارتهم واستقبالهم في مصر إذا قدّموا للشعب الفلسطيني ( أي حاجة تطمنهم وتحسسهم إن يعنييي… ها ) ، وأننا كشعب نطلب من إسرائيل – للمرة الثالثة في حواره – سلام حقيقي ، وأن قطر وإسرائيل واحد كما قالت محاورته لميس ( بحب أربط بين الأشياء لأن الشيء بالشيء يذكر ) ، أنت كصاحب فكرة وقضية ووعي ، عرفت الآن الطريق في تحقيق فكرتك ورسالتك ونشر قضيتك ، ازرع أفكارك في عقولهم الباطنة ، وجنّد أبواقاً إعلامية تهتف لها واطلب من تلك الأبواق وصرح لها أنها ستكون  أبواقاً لك ، إذا فعلت ذلك ستقودهم.

في النهاية يظن المتابع أن الأمور في مصر قد استقرت إلى حكم الجيش والإنقلاب وأن مناهضيه سيرضخون لتسوية مبادرة سياسية تحت قمع العسكر ، لكن ثمة آلافاً أخرى – غير التي تنبهر وتصفق أو التي اختارت الدخول داخل جدار الخوف – قررت أنها لن تعود من الشوارع إلا باستعادة ثورتهم الأم وتطهير دولتهم من كل ما هو فاسد ، آلافاً أخرى لا تفهم في السياسة غير الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد