على مدار اليومين الماضيين، فور الإعلان عن وفاة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وتواتر التكهنات عن مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني عبد الله الثاني في الجنازة حتى انشغل الرأي العام في مصر بسؤال عما إذا كان السيسي سيذهب إلى القدس لتقديم واجب العزاء أم لا. وذهب المفكر السياسي القريب من النظام مصطفى الفقي إلى اعتبار أن مشاركة السيسي في الجنازة هي دلالة على التحضر. لم يصدر تأكيد أو نفي رسمي من مؤسسة الرئاسة، وتركت الاحتمالات كلها مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة والإعلان عن مشاركة وزير الخارجية المصري سامح شكري لمراسم الجنازة، ممثلًا عن الحكومة المصرية. ولم يسلم وزير الخارجية المصري من الانتقادات اللاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سخر المدونون من مشهد الحزن والتأثر الشديد الذي على وجه سامح شكري أثناء مراسم العزاء الرسمية، كما انتقدوا حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبي مازن الذي بدا متأثرًا بدوره.

وقد شهدت العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة، وتل أبيب تطورًا كبيرًا في العامين الماضيين، حيث وصف السيسي في خطابة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التجربة المصرية للسلام مع إسرائيل بأنها «رائعة» داعيًا إلى إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية. وسرعان ما التقطت تل أبيب الخيط، وعبرت الأوساط السياسية الإسرائيلية عن ترحيبها بخطاب السيسي.

وكان الوزير المصري سامح شكري قد تعرض في وقتٍ سابق لانتقادات حادة إثر تصريحاته الأخيرة لوفد من طلاب الثانوية المصرية، كانوا في زيارة لمقر وزارة الخارجية، حيث رفض اعتبار الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين «إرهابًا»، وهو ما أبرزته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 22 أغسطس 2016 على صدر صفحتها الأولى تحت عنوان «قتل إسرائيل للأطفال الفلسطينيين ليس إرهابًا، هكذا قال وزير الخارجية المصري»، إلا أن الخارجية المصرية  نفت ذلك قائلة في بيان لها، إن الكلام فُسر خارج سياقه.

ولم تكن هذه هي الزيارة الأولى لوزير الخارجية المصري لإسرائيل؛ إذ حل ضيفًا عليها في مطلع شهر يوليو الماضي 2016، زار خلالها القدس حيث التقى خلالها بنتنياهو. وقد حرص الجانب الإسرائيلي على التقاط الصور للوزير المصري، وخلفه تمثال «تيودور هرتسل» الأب الروحي لدولة إسرائيل، وكذلك أثناء مشاهدتهما لمباراة نهائي كأس أوروبا لكرة القدم في منزل نتنياهو في جو من الآلفة، في تأكيد لدفء العلاقات بين إسرائيل ونظام السيسي. ولم تمضِ سوى أيام حتى كان لدفء العلاقات بين الدولتين موعد آخر تحت حرارة نفس الشهر، إذ احتفلت السفارة المصرية في تل أبيب بمرور 64 عامًا على ثورة 23 يوليو في حضور كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الإسرائيلي ريفلين ريبلين.

وقد عبر نتنياهو عن امتنانه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شاكرًا مساعيه الرامية لدفع عملية السلام، وقال إن مصر دولة رائدة في منطقة الشرق الأوسط، وتلعب دورًا محوريًّا في القضية الفلسطينية. وقد رحب نتنياهو بالجهود المبذولة بضم دول عربية أخرى إلى اتفاقية السلام، حيث قال: «نرحب بالجهد المبذول لضم دول عربية أخرى نحو سلام أوسع بين جميع شعوب الشرق الأوسط». وكان نتنياهو قد حرص على اصطحاب زوجته إلى الحفل المقام داخل مقر السفارة.

ولكن الأمر لم يعد فقط بروتوكولًا سياسيًّا لحضور مسئول مصري إلى إسرائيل، إذ أصبح مرآة للتطور السريع للعلاقات المصرية الإسرائيلية في عهد الرئيس السيسي، والذي وصفه الصحفي الإسرائيلي «آفي بينياهو» في صحفية «الجيروسالم بوست» 28 سبتمبر 2015، بأنه «هدية» الشعب المصري إلى دولة إسرائيل.

فمنذ الانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين سنة 2013، تصاعدت وتيرة العمليات الإرهابية في سيناء مستهدفة معسكرات من الجيش والشرطة. فما كان من السيسي إلا أن يمضي قدمًا في تعاون أمني غير مسبوق مع إسرائيل لدحر الإرهاب، وقام بإغراق الأنفاق على حدود غزة ، كما سمحت إسرائيل لمصر بتعديل بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد للسلام، بحيث سمحت لمصر بإدخال قوات عسكرية إلى شبه جزيرة سيناء في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سيناء.

وقد أبرزت صحفية «هآرتس» الإسرائيلية  في 13 يوليو 2016، تصريحات نتنياهو الذي وصف فيها العلاقات بين إسرائيل ودول عربية إقليمية بأنها بمثابة «الثورة»، واستطرد قائلًا إن «هذه الدول باتت تدرك الآن أن إسرائيل ليست عدوًا؛ بل حليفًا في مواجهة المد الإسلامي المتطرف المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية».

وكان يائيير جولان نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، قد صرح لموقع وكالة أنباء «بلومبارج» في 11 يوليو 2016، أن مستوى التعاون العسكري مع مصر «لم نشهده من قبل»، وكان موقع «بلومبارج» قد كشف النقاب عن قيام إسرائيل بشن هجمات جوية على مواقع داعش في سيناء، حيث نقل الموقع عن مسئول إسرائيلي رفيع المستوى رفض ذكر اسمه، قوله إن سلاح الجو الإسرائيلي قد قام بطلعات جوية بدون طيار في شبه جزيرة سيناء، داخل الأراضي المصرية.

وكانت إسرائيل من الدول التي باركت الانقلاب العسكري، فبحسب الموقع فإن المسئول الإسرائيلي أضاف أن التعاون الإسرائيلي مع مصر كان قد سبق تولي الرئيس السيسي الحكم، حيث مارست إسرائيل ضغوطًا لدى الولايات المتحدة للإفراج عن مساعدات عسكرية بعد تعليقها، بسبب الممارسات القمعية للنظام المصري  ضد أنصار جماعة الإخوان المسلمين.

وبدوره شهدت العلاقات بين القاهرة وحركة حماس توترًا شديدًا، ففي الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة في يوليو 2014، لم يُظهر النظام المصري تحمسًا لإنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة، إلا بعد عشرة أيام، إذ اقترحت القاهرة مبادرة لوقف الأعمال العدائية، وعدم تنفيذ إسرائيل لعمليات اجتياح بري للقطاع، على أن تتوقف حماس عن إطلاق الصواريخ.

وقد وصل ذروة هذا الاحتقان في صيف 2015، حيث اتهمت القاهرة حركة حماس بضلوعها في اغتيال «هشام بركات» النائب العام المصري في يونيو 2015. إلا ان لاعتبارات الحرب على الإرهاب التي يشنها الجيش المصري على التنظيمات المسلحة في سيناء، فقد اقتضت أن يحتفظ النظام المصري بشعرة معاوية مع حماس، تجلت في دعوة المخابرات العامة المصرية لوفد من حماس لزيارة القاهرة في شهر مارس الماضي. وكانت صحفية «هآرتس» قد كشفت يوم 24 أبريل 2016، عن قيام حركة حماس بنشر نحو 300 عنصر من مقاتليها على طول الحدود بين قطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، وتسيير دوريات تفتيش ومراقبة أمنية، في مؤشر واضح للتعاون بين مصر وحماس لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سيناء.

وعلى الرغم من التقارب بين القاهرة، وتل أبيب في العامين الماضيين، إلا أن الطريق لا يبدو سهلًا على القيادة المصرية في إقناع الرأي العام بفكرة قبول إسرائيل كشريك في سلام لطالما اقتصر على دبلوماسية الغرف المغلقة، تتخلله زيارات لمسئولين بين الحين والآخر. وربما كان لحسابات الرأي العام وتنامي الغضب الشعبي من النظام؛ نتيجة لتردي الأوضاع المعيشية، وغياب العدالة الاجتماعية، دورًا في حسم الجدل بعدم ذهاب السيسي إلى القدس لتقديم العزاء في وفاة بيريز، الذي يعتبره الكثير من المصريين مجرم حرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بيريز
عرض التعليقات
تحميل المزيد