إن المغزى العميق لانتزاع عدد من صلاحيات الرئيس «السيسي» في دستور 2014، ليس في إيجاد توازن بين سلطات الدولة الثلاث، إنما في تأكيد قوة الفريق الحاكم حاليًا من سلطة يوليو الممتدة، في مواجهة رئيس هم من رشحوه، ولكن الخبرات السابقة لرؤساء يوليو السابقين، في إقصاء من أوصلوهم للسلطة، تستدعي الحذر، كل الحذر، فعلًا، إنه دستور وضع بحسن نية!

في الوضع المصري الحالي، تم تقليص صلاحيات الرئيس في دستور 2014، الذي وصفه الرئيس السيسي نفسه بأنه «وُضِع بحسن نية»، وهو ما يعني نقدًا ضمنيًا لبعض ما جاء فيه، – مع الأخذ في الاعتبار العديد من أشكال تجاوز الدستور في الواقع الفعلي. لقد تم تقليص صلاحيات الرئيس – على مستوى النصوص على الأقل – حيث جاء بعضها في سياق داعم لمحاولة بناء نظام ديمقراطي «بحسن نية»، لتحقيق التوازن بين سلطات الدولة الثلاث، وجاء بعضها الآخر في سياق التعبير عن «صراعات القوة في أعلى السلطة»، فمثلًا، اشتمل الدستور في الحالة الأولى على اتساع لصلاحيات مجلس النواب، كذلك اشتمل على اتساع لصلاحيات رئيس الوزراء على حساب صلاحيات الرئيس المعهودة في الفترات السابقة، وفي الحالة الثانية، حالة «صراعات القوة في أعلى السلطة»، فقد تم تقليص صلاحيات الرئيس، ليشتمل الدستور على صلاحيات سيادية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بما فيها سلطة ميزانية الدفاع، وسلطة اختيار وتعيين وزير الدفاع، وبالتالي سلطة إقالته، ولم تعد هذه السلطات تخضع لسلطة الرئيس، الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وفقًا لنفس الدستور!

إذًا ماذا تبقى بعد؟! لا يتبقى سوى: رئيس «منزوع الدسم»!

من الخطأ المؤكد أن يعني هذا ضعف سلطة الحكم الحالية، سلطة «فريق السيسي»، بل العكس تمامًا هو الصحيح، إنه دليل قوة الفريق الحاكم، حتى في مواجهة من سيمثلهم في الرئاسة، وتأمين استباقي لأي تغول محتمل للرئيس، وهو تخوف تَدْعمه الخبرات السابقة للرؤساء السابقين لسلطة يوليو (عبد الناصر – السادات – مبارك)، في الإطاحة بشركائهم السابقين ورفقاء الطريق، وهو معنى نقيض للرأي المنتشر وسط العديد من المحللين السياسيين الذين رأوا في تحصين منصب وزير الدفاع، تحصينًا للسيسي حال استمراره وزيرًا للدفاع! وكأن من الممكن أن يأتي رئيس من خارج المؤسسة العسكرية! وألم يكن من أعد ورشح السيسي للرئاسة، المجلس الأعلى للقوات المسلحة!

ولم تكن فضيحة اللجان الخاوية في انتخابات الرئيس، لم تكن سوى استعراض للقوة، إنه أحد مظاهر «نزع الدسم» عن الرئيس، الفضيحة التي تحولت إلى فضيحة «بجلاجل» على أيدي إعلام بعض فرقاء الحكم، إنه أحد أشكال التعبير عن صراعات القوة في أعلى السلطة! كما الصراع بين «فريق مبارك الأب/ الابن»، وبين «فريق السيسي»، كأحد أشكال الصراع المُحتدم بين أجنحة الدولة بأجهزتها الأمنية ورجال أعمالها ووسائل إعلامهم، حيث ما زالت مظاهر هذا الصراع والتنافس على اقتسام السلطة هي الغالبة، بالرغم من محاولات التعاون والتوافق، ففي مصر شكّلت «رأسمالية المحاسيب»، المكونة من حفنة من أصحاب الشركات الكبرى والتكتلات والعائلات، بصورة رسمية وغير رسمية، جزءًا لا يتجزأ من نظام مبارك السياسي، خاصة قرب نهاية فترة حكمه التي امتدت ثلاثين عامًا.

لماذا كان يجب أن يخسر «شفيق» ويفوز «مرسي»؟!

1- مشكلة سلطة يوليو في 25 يناير، كانت في الالتقاء بين ملايين يناير مع القوى السياسية وفي مقدمتها قوى الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، فلم تكن المشكلة في الإخوان ذاتهم، فهم موجودون منذ 80 عامًا ويمكن دائمًا التفاهم معهم واستخدامهم.

2- حال فوز شفيق سيكمل الإخوان مع شركاء 25 يناير المسيرة، مما يهدد باستكمالها لثورة.

3- أما في حال فوز مرسي، سيتنازع الإخوان مع القوى المدنية شركاء 25 يناير، على «أوهام» اقتسام السلطة، والتي يمكن إيصالها لحدها الأقصى، ببعض التشجيع المادي والمعنوي لكلٍ من القوى المدنية والقوى الدينية، كل على حدة، مع وجود ضمانة الانتهازية المعروفة لدى قوى عديدة من بين الطرفين.

4- كما أنه في حال فوز مرسي، سيتم تلافي أي رد فعل عنيف متوقع من قبل قوى الإسلام السياسي حال عدم فوزه، والذي كانت ستوفر له بعض القوى المدنية الرافضة لشفيق غطاءً سياسيًا، وهو ما يقرب بينهم ولا يفرقهم.

5- باستثمار مضمون النتائج لانتهازية بعض القوى السياسية المدنية «الرسمية»، المتصدرة لمشهد المعارضة «الرسمية»، والتي تم تربيتها على يد النظام على مدار الأعوام الستين الماضية، يمكن ضمان إزاحة الإخوان بكل تأكيد، بعد فترة حكم محدودة للإخوان كفيلة بإزكاء نار الضغينة والكراهية حتى في نفوس بعض القوى الأخرى غير العميلة للنظام.

6- لم يكن حل مجلس الشعب الذي كان الإسلاميون يمثلون فيه الأغلبية وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين، لم يكن حل المجلس قبل ساعات قليلة من جولة الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين مرسي وشفيق، لم يكن بعيدًا عن التأثير القوي في مسار الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد ساعات، فقبل حل المجلس كان المزاج الجماهيري العام يرى أن استحواذ الإخوان على مجلسي الشعب والشورى والرئاسة معًا، هو استحواذ زائد عن الحد، ويمثل خطورة على مستقبل البلاد، ليأتي قرار حل مجلس الشعب ليحول المزاج العام لقطاع كبير من الجمهور إلى النقيض، حيث رأى أن الإخوان قد تعرضوا بهذا الحل لظلم شديد، وعملت ماكينة الإخوان على المظلومية، ليتحول المزاج العام لقطاع كبير من الجمهور إلى التعاطف معهم!

وبعد أن تم استنفاد الاستخدام السياسي لدور «مرسي/ الجماعة»، بعام واحد بائس من الحكم، الذي كان بمثابة «لوحة تنشين» مباحة للجيع، في سياق خطة الالتفاف على 25 يناير، باستخدام «السلاح الثلاثي» التمويه – الخداع – التضليل، وإجهاض إمكانية استكمالها لثورة شعبية تشكل السلطة، أو تشارك في تشكيلها على الأقل، ليتم تطبيق نفس «تقليد يوليو المقدس» على «مرسي/ الجماعة» فتم نزحهم.

هل يمكن أن يواجه الجيش الشعب؟!

في خطابه يوم 25/9 في افتتاح مشروع غيط العنب بالإسكندرية، قال الرئيس السيسي إن «الجيش جاهز للانتشار خلال ست ساعات فقط في مصر كلها»، وأضاف إذا حدث في مصر ما يحدث في بعض الدول الأخرى من اضطراب وزعزعة للثقة «لاهتنفع لا لينا ولا لحد تاني.  محدش يفتكر إننا هنسيبها ونسمح إنها تضيع منا ونضيع الناس».(1)

منذ التشكل الثاني للجيش المصري، أثناء فترة عرابي، ثم تشكله الثالث أثناء الاحتلال الإنجليزي الذي انتهى بظهور حركة الضباط الأحرار 1952، تشكل الأيديولوجيا الوطنية للجيش عماد رؤيته لنفسه حاميًا للاستقلال الوطني والتحرر من الاستعمار. إن تركيبة الجيش المصري تركيبة وطنية نتيجة لتاريخه وتكوينه، ولكونه جيشًا نظاميًا قوامه الرئيسي من التجنيد الإجباري من عموم مصر.(2)

لقد مر الجيش المصري بمحطات كبرى منذ 52، في 54 الموقف من الأحزاب السياسية، ومن جماعة الإخوان المسلمين، ومن تسليم السلطة لسلطة مدنية، في 56 تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، في (1961-1958)، الوحدة مع سوريا ثم الانقلاب السوري على الوحدة،  في1962  التورط في حرب اليمن، في 67 الهزيمة الفاجعة أمام إسرائيل، في 1969 إعادة بناء الجيش وحرب الاستنزاف، في 73 انتصار 6 أكتوبر وعبور القناة، في 76 اتفاقية السلام مع إسرائيل، في 77 انتفاضة الخبز 18 و19 يناير، في 6 أكتوبر 1981 اغتيال الرئيس السادات، في 1986 تمرد الأمن المركزي، في 2011 انتفاضة 25 يناير وتنحي الرئيس مبارك وتولي المجلس العسكري السلطة المباشرة، في 2013 عزل الرئيس مرسي وإلغاء الدستور.

طوال هذه المسيرة لم يواجه الجيش عموم الشعب بفئاته المختلفة، وهو ما حافظ على تماسك الجيش وحماه من الانشقاقات من ناحية، وحافظ على الصورة الذهنية عالية التقدير لدى الشعب المصري تجاه جيشه من ناحية أخرى، وهو ما يشير إلى توقع سلوك الجيش والشعب المستقبلي، في سياق المحاولة للإجابة على سؤال عن احتمالات أي مواجهة للجيش مع عموم الشعب المصري. لقد انحصر تدخل الجيش طوال هذه المدة في الحفاظ على الأمن في بعض اللحظات التي عجزت فيها الداخلية عن السيطرة، أو تدخل في مواجهة مع فئة معينة، مثلما حدث في تمرد الأمن المركزي، أو لضبط الأمور في مواجهة عامة مثلما حدث في 18  و19 يناير 1977، أو كما حدث 25 يناير 2011، أو في مواجهة فئة معينة، مثلما حدث مع تمرد جماعة الإخوان وحلفائهم بعد عزل مرسي في 2013، وهي أكثر المواجهات الداخلية عنفًا التي خاضها الجيش منذ 52.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد