في الوقت الذي تتقدم فيه قوات حكومة التوافق الوطني في سرت عاصمة تنظيم الدولة في ليبيا، قامت قوات حفتر وبشكل مفاجئ بالسيطرة على موانئ المثلث النفطي «رأس لانوف والسدر والبريقة» الغنية بالبترول في شرق ليبيا، والتي يُعتمد على إيراداتها في تمويل أكثر من 90% من خزانة الدولة!

احتياطيات النفط في ليبيا هي الأكبر في قارة أفريقيا، وتحتل المرتبة التاسعة بين عشر دول لديها أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة لبلدٍ في العالم، بمعدلات تقدر بـ46.4 مليار برميل، حيث يقدر أن تستمر الاحتياطات مدة 77 سنة إذا ما استمر الإنتاج بالمعدل الحالي، وما لم تكتشف آبار نفط جديدة.

بداية كانت من الجارة مصر، التي يعاني فيها السيسي أزمة اقتصادية حادة، ويجد نفسه في موقف صعب للغاية، منذ أن يئس من الحصول على أي مساعدات إضافية من الخليج، الذي يعاني منذ سنوات من انهيار سعر النفط.

كانت المعادلة التي عرضها الغرب على السيسي وقتذاك: نقبل بوجودك كأفضل خيار يخدم مصالحنا في مصر، طالما توفر التمويل اللازم لاستمرار انقلابك. أما استمرارك بدون تمويل فيعني حدوث انهيار أو انفجار وشيك في مصر، وهذا ما لا يمكن القبول به.

توجه السيسي لصندوق النقد؛ فطلب منه شروطًا صعبة للغاية، ما بدأ السيسي في تنفيذها حتى تسببت في انهيار سعر العملة، المنهارة أصلًا، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وصار الاستمرار على هذا النهج فقط محفوفًا بالمخاطر.

حذر الغرب السيسي من الاستمرار في هذا الطريق، عبر مقال الإيكونوميست الشهير، ومقالات أخرى في بلومبرج وهآرتس، كلها تحذر من انفجار الأوضاع، وقيام انتفاضة جديدة على السيسي.

عرض على السيسي الإعلان عن عدم ترشحه لفترة ثانية في انتخابات 2018 كحل سياسي للأزمة، إلا أنه رفض رفضًا قاطعًا، واعدًا أنه سيجد مصادر التمويل المناسبة وبسرعة.

لم يكن أمام السيسي بعد نضوب المساعدات الخليجية إلا النظر إلى الجارة الليبية التي تعوم على بحر من البترول.

منذ تولي السيسي السلطة بشكل رسمي، فكر السيسي في التدخل العسكري في ليبيا بشكل مباشر، ترسيخًا لموضعه كوكيل للغرب في المنطقة، طامعًا في حصة من النفط الليبي. اصطنع السيسي فيديو ذبح الأقباط منذ عام ونصف لتبرير ذلك، وكان الضحية من الأقباط لضمان تعاطف الرأي العام العالمي. تدخل السيسي وتسبب القصف الذي قام به في تدمير بيوت وقتل أطفال في درنة، حسبما نقل موقع CNN بالعربية.

حاول السيسي إلا أنه فشل، وصارت صور القصف الذي قام به الطيران المصري على أطفال درنة على جميع شاشات العالم. اصطدم السيسي هناك برغبة دول غربية عديدة في السيطرة بنفسها على النفط، هذا غير أن فكرة التدخل العسكري المباشر في ليبيا أكبر من قدرة جيش السيسي على الاحتمال، اقتصاديًّا وعسكريًّا.

كان أمام السيسي الخطة البديلة: الاندماج مع التحالف الدولي للسيطرة على النفط الليبي، وبوابته في ذلك كانت فرنسا، عن طريق التعاون معها ورشوتها سياسيًّا بشتى الطرق، بما فيها شراء أسلحة فرنسية غير رائجة بالمليارات، وهو ما يبدو أنه تحقق!

في 3 سبتمبر 2014، كشف مصدر عسكري ليبي لـ«العربي الجديد» أنه «خلال الأسبوعين الماضيين دخلت نحو عشرين سيارة مصرية محملة بذخائر أسلحة ثقيلة متنوعة».

في نوفمبر 2014 نقلت صحف مصرية عدة مثل «المصري اليوم»، وصحيفة الوطن، وموقع البوابة القريب من المخابرات عن قائد «عملية الكرامة» خليفة حفتر، قوله لصحيفة «كوييري ديلا سيرا» الإيطالية إنَّ مصر والجزائر والإمارات والسعودية أرسلت أسلحة وذخائر للجيش الليبي (يقصد قواته)، شاكيًا من أنها ذات تكنولوجيا قديمة!

في مارس 2015، نشر تقرير للأمم المتحدة يؤكد أن مصر والإمارات هربتا أسلحة إلى ليبيا.

و في مارس 2016 كان موقع «ميدل إيست آي» قد كشف النقاب عن أن جنودُا من القوات الخاصة البريطانية، تساندهم قوات أردنية، يشاركون في العمليات التي تشن داخل ليبيا ضد مسلحي تنظيم الدولة.

وفي شهر يوليو 2016، نشر موقع ميدل ايست آي البريطاني تسجيلات مسربة تظهر تلقي حفتر دعمًا عسكريًّا من بريطانيا وفرنسا وأمريكا، وهو ما يعني أن ما يقوله الغرب عن سياسته في ليبيا شيئًا، وما ينفذه على الواقع شيئًا آخر.

أمريكا غير مهتمة كثيرًا لقضية اللاجئين التي تضرب أوروبا ولا تضرها كثيرًا، وبالتالي لا يعنيها كثيرًا مسألة وحدة ليبيا، ووجود حكومة موحدة فيه. كل ما يهم أمريكا في ليبيا هو البترول، وتنظيم داعش هناك.

وعليه؛ فقد دعمت أمريكا قوات حفتر من أجل النفط، ودعمت حكومة التوافق الوطني من أجل قتال داعش، مستفيدة من دعم الجهتين لتحقيق كلا الهدفين، وبذلك تكون قد ضربت عصفورين في وقت واحد!

أما فرنسا المأزومة اقتصاديًّا، والمتورطة عسكريًّا في مالي، فعينها كما السيسي، على النفط، وترى أنها صاحبة الحق فيه لدورها الكبير في إزاحة القذافي. حيث تعتبر ليبيا منطقة ذات جاذبية؛ نظرًا لزهد تكاليف إنتاج النفط (تصل حتى دولار للبرميل في بعض الحقول)، ولقربها من الأسواق الأوروبية.

بينما بريطانيا التي تنظر إلى الأمور دائمًا نظرة أمنية عميقة، فلا ترغب البتة في رؤية حكومة شرعية يقودها إسلاميون في المنطقة (حكومة الوفاق الوطني الليبية).

وغير خفي أن المنسق بين كل هذه الجهات هو توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، مدعومًا بشكل كامل من الإمارات، معتمدين على السيسي في توصيل بعض الدعم الاستخباراتي واللوجيستي إلى حفتر عبر الحدود، تحت ذريعة المبرر الرئيسي الذي يفتح جميع الأبواب المغلقة، ويستبيح احتلال جميع الأوطان: داعش!

إن سيطرة حفتر على موانئ النفط الغنية شرق ليبيا هو احتلال بالوكالة يقوده حفتر لصالح الغرب، بادعاء قتال داعش، المتحالفة سرًّا مع فلول القذافي! وفي ظني أن السيسي يسعى جاهدًا كي يحصل على جزء من الكعكة لإنقاذ انقلابه من الانهيار!

كما أن سيطرة حفتر على النفط الليبي ستقوض الاتفاق السياسي الهش في ليبيا، وسيحول قوات البنيان المرصوص التابعة لحكومة التوافق الوطني من قتال داعش إلى قتال حفتر مجددًا، مما يجدد الحرب الأهلية في ليبيا، مع مخاطر بتقسيمها هذه المرة، إلى دويلة نفطية في الشرق، غنية بالبترول، وتخضع لسيطرة الغرب، وإمارة فقيرة في غرب ليبيا تحت حكم الإسلاميين، الذين يمكن محاربتهم وحصارهم وتأليب الرأي العام عليهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد