تحولات كبرى جرت قسرًا لجمهورية الضباط في مصر، خاصة الصفوف الأولى فيها خلال السنوات الست الماضية وما صاحبها من أحداث جسام، وتغيير غير مسبوق كاد أن يحدث في بنية الحياة السياسية في مصر، أحداث هددت وجود النظام نفسه إبان المغفور لها ثورة يناير (كانون الثاني)، وتغييرها قصير العمر والذي -رغم ذلك- كان قد نجح في إخضاع السلطة وقتها قسرًا لعملية إحلال وتبديل، جرى فيها إزالة محسوبين على عهد حسني مبارك، كالمشير حسين طنطاوي، والفريق سامي عنان، مع ما يمثله هذا من إنهاء عهد جيل كامل من جنرالات العهد القديم بالسلطة، ليُعين اللواء عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع بعد ترقيته إلى رتبة فريق أغسطس (آب) 2012.

باندلاع أحداث الثلاثين من يونيو (حزيران)، واستعادة الجيش زمام المبادرة، وظهوره بطلًا وحيدًا للأحداث، وقطعًا وقبل كل شيء قائده المنقذ، كما سُوق للمصريين حينها، بدا أن صفحة الجنرالات القدامى وصقور جمهورية الضباط المخضرمين، ورفاق السلاح لمبارك نفسه، ومن تمتعوا بنفوذ واسع النطاق طيلة عهده قد طويت بغير رجعة، ليأتي أول استحقاق انتخابات رئاسية بعد الثلاثين من يونيو وسط زخم لافت وشحن إعلامي صاحب الجنرال وقتها، وسط مساندة كاملة من كافة أركان الدولة، بقدها وقديدها، فيركن إلى السكون كثيرون متربصون إلى حين، وفيهم من فيهم من جنرالات مبارك الذين ظن كثير منهم أنهم قد غبنوا وتحملوا وحدهم تكاليف عملية إعادة ترتيب الأوراق، التي أجرتها جمهورية الضباط طوعًا للتعاطي مع الأحداث.

والآن، وبعد أن شارفت فترة المشير عبد الفتاح الرئاسية الأولى على الانتهاء، لم يكن مفاجئًا خروج أحد كبار رجال مبارك وابعدهم نسبيًا عن شبهات الفساد، التي طالت كثيرين منهم، معلنًا ترشحه، أدرك رجال العهد القديم والثلة الباقية منهم، أن الفرصة قد أصبحت سانحة للعودة من جديد، فلم يكن ليجرؤ وزير الطيران المدني في عهد مبارك طيلة عقد كامل، ووصيف الرئيس الأسبق محمد مرسي على إعلان ترشحه، لولا علمه قطعًا بمساندة بعضهم ممن لهم ما يعتد به من نفوذ وتأثير داخل أروقة جمهورية الضباط، وأن هناك ولا ريب، تحالفًا قادرًا إلى حد ما على الوقوف أمام المشير الذي يبدو فرسًا خاسرًا خيب آمال الجميع ممن راهن عليه.

مواجهة لم تكن في الحسبان، إن قدر لها الحدوث، يدخلها السيسي وقد فقد الكثير من الهالة التي خدعت كثيرًا من العموم 2014 وسط أزمة اقتصادية غير مسبوقة، وتردٍ في أحوال المواطن المصري المعيشية، صاحبها رفع الدعم تدريجيًّا بإجراء قاسٍ يتلوه إجراء أكثر قسوة، وسط توحش التنظيمات المسلحة في سيناء الجريحة، واستهداف الإرهاب للمدنيين فيها بعنف لم تره مصر من قبل، ولم يكن موقف السيسي الخارجي بأفضل حالًا وسط فتور جلي يبدو من دول سارعت من قبل إلى دعمه، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي رأت من تماهي موقف مصر الخارجي مع قضاياها الشائكة، مثل الصراع في اليمن وحزب الله، والتوغل الإيراني في المنطقة، ولا مبالاة الموقف المصري مع فداحة ثمن المساعدات، ما أزهدها فيه وأعطاها يقينًا بأنها في صفقة خاسرة.

صراع مكتوم لم يبدأ فعليًا بعد، بين جناحين داخل مراكز صنع القرار والقريبين منها، سيبدأ فيه رجال جمهورية الضباط والنافذون داخل النظام المصري في حساب التكاليف والخسائر لحسم الاختيار الأوفق بين الاستمرار في دعم المشير السيسي، رغم فداحة الثمن المدفوع من جراء ذلك، وبين الدفع بالفريق أحمد شفيق أحد رجال العهد القديم وأنصعهم صحيفة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والتوصل إلى حالة من التوافق، والرجوع السلس إلى الخلف، بحيث لا يبدو تراجعًا للقضاء على حالة الاستقطاب الواسعة التي عانى منها المجتمع المصري برمته، طيلة السنوات الأربع من حكم المشير.

ذعر أصاب عديدون من أبواق نظام السيسي الإعلامية فور إعلان أحمد شفيق ترشحه، بما قد يعد انعكاسًا لما نقل إليهم من الضباط المسؤولين عنهم عن صدمة داخل نظام المشير نفسه، صدمة نجدها أمرًا مفهومًا، حيث خلفية الفريق شفيق وتاريخه العريق في جمهورية الضباط، الذي يجعل لا مجال للحديث والطعن لهم هنا في توجه رجل، هو بالقطع من صلب دولة مبارك، فلا منطق يصلح لهم للتجني أو تخويف العموم من أي تغيير في بنية النظام السياسية، وشكل الدولة المصرية،؛ فلا أخونة هنا أو علمنة أو أي أدلجة، بل يكاد يكون الصدام بين الرجلين، إن حدث، سيكون بالوسائل والأدوات نفسها، وعلى الأرضية نفسها، ويزيد على ذلك في أنه قد يبدو للكثيرين مرشحًا أكثر توافقًا، وإن كان عسكريًّا، إلا أنه يصلح لبدء حوار حقيقي للخروج من الأزمة السياسية التي لم يفعل نظام السيسي إلا قمعها بعنف إلى حين.

إخفاق السيسي الظاهر للعيان في أغلب ملفات الدولة، واستفحال الإرهاب في سيناء، رغم القوة الغاشمة على حد تعبير المشير نفسه، لا يبدو أن النظام المصري يملك رفاهية تحمله لأربع سنوات أخرى إلا على مضض، وحين تنعدم البدائل المطروحة، خاصة وأن النظام ماض في تطبيق رفع الدعم كليًا، مع ما سيصاحبه هذا من استفحال الوضع المتفاقم من الأساس.

هل ستستمر جمهورية الضباط في دعم السيسي مع ما يمثله ذلك من خطورة واستمرار للمناخ المحتقن؟ أم ستتوجه إلى الرفيق القديم، الذي قد يكون طوق النجاة الآمن للخروج من كابوس المعادلة الصفرية التي لا حلول وسط فيها، والتي فرضها المشير السيسي فرضًا على النظام، رغم ما يمثله هذا التوجه من تهديد وجودي لجمهورية الضباط برمتها؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد