قد يظن من يمشي في شارع المعز لدين الله هذا الحاكم الفاطمي الذي شيد وبنى القاهرة بأسوارها المنيعة وعظمتها، أن مصر لم تشهد أبدًا في هذا العصر أي كبوات من شدة شموخ الأسوار ومآذن المساجد، لكن بالبحث قليلًا على محرك البحث جوجل ستجد أن تلك الفترة التي مرت على مصر أثناء الحكم الفاطمي من أعصب الفترات التي مرت في تاريخ الأمة دينيًا واقتصاديًا وسياسيًا، ولعل أبرز ما مر على مصر خلال هذه الفترة سبع عجاف جف فيها الماء وعم فيها البلاء والوباء، فكانت من أشد فترات التاريخ شدة على المصريين فالكثير منا سمع بالشدة المستنصرية، فهل نحن حقًا على أبواب شدة جديدة قد تزيد هذه المرة عن مجرد سبع عجاف ربما مائة أو ألف؟! فهل نحن على أبواب شدة سيساوية؟!

بالعودة إلى التاريخ قليلًا وبمقارنة الأوضاع الاقتصادية والسياسية لمصر على مر العصور، سنجد أنه منذ عصر الفراعنة والمصريون لديهم إستراتيجيات في فن الاقتصاد وإدارة الأزمات، وهذا طبعًا ما لا نجده اليوم. فمنذ أول سبع عجاف قال يوسف اجعلني على خزائن الأرض فإذا به القوي الأمين صلى عليه الله وحفظ مصر بعلم الله وإستراتيجيته الاقتصادية من المجاعة، ومنذ ذلك الوقت والأمر يسند إلى أهله في مصر إلى حد كبير، فلم تشهد مصر في ذلك الوقت شددًا ومجاعات نظرًا للتخطيط والمنهج المتبع وسنجد أن معظم الشدد التي شهدتها مصر كانت في الأساس بسبب سوء الأحوال السياسية، وانشغال الحكام والسلاطين بجمع الأموال عن الشعب وتأمين البلاد اقتصاديًا وعسكريًا، وإسناد الأمر إلى غير أهله. ومن هنا يتحتم علينا المقارنة بين الوضع الحالي للبلاد ووضع الشدة المستنصرية إذا أردنا حقًا أن نفهم ما يحدث ونتوقع ما سيحدث ربما نستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان حتى لا نصل إلى مرحلة البكاء على اللبن المسكوب إن وجدنا.

وبالبحث في تراجم المستنصر لابن الجوزي وابن كثير وغيرهم، نستطيع أن نرى بوضوح حال الملوك عامة وحال مصر خاصة، ومنه نستطيع أن نستنبط القادم الذي ينتظرنا إذا بقينا على هذا المنوال، فالمستنصر هو حفيد الحاكم بأمر الله صاحب المسجد الشهير والسمعة السيئة لدى المصريين، وابن الظاهر لإعزاز دين الله ابن الحاكم، حكم مصر وهو ابن سبع سنوات إلى أن وصل السبعين سنة، أي حكم مصر ما يقارب ستين عامًا كاملة وهي أطول فترة حكم في تاريخ المسلمين كلها، كانت مليئة بالحروب والصراع على السلطة والفتن والشدائد. ستون عامًا من صراع العروش لم يُظلَم فيها إلا الشعب الذي جاع ومات وهلك أكثر من مليون منه. وتتجلى صورة الشدة المستنصرية في الصراع على السلطة بينه وبين ابن حمدان الذي أتى من الشام إلى مصر طمعًا بحكم المستنصر، فأغدق ابن حمدان من خزينة الدولة المصرية على الجند حتى نفدت الخزائن وارتفعت الأسعار، وبدأت الشدائد وقامت الحروب بين المستنصر وابن حمدان سجالًا حتى حاصره ابن حمدان في القاهرة، وعم الغلاء والوباء والشدة على الناس، وما زاد الطين بلة هو حلول السبع العجاف فضن النيل بالماء دون أي غطاء أو مؤن للشعب، وانتهى الوضع أن استعان المستنصر ببدر الجمالي الذي قدم له من عكا وخلصه من الحصار وعزل المستنصر في قصره فكان لا يخرج إلا للعيدين ودبر هو شئون الدولة.

من هنا نجد أن السبب الرئيس والعامل الأول دائمًا في البلاء والوباء هو الحكم، فالحكم أساس البلاء. لا أدري هل هي لعنة الدماء التي حلت على المسلمين منذ استشهاد الخلفاء الراشدين والنزاع على الملك، اللعنة التي تأبى أن تنتزع إلى يومنا هذا، أم هي لعنة الشعوب المتخاذلة عن المطالبة بحقها في الحياة الكريمة فكانوا شيطانًا أخرس يأبى قول الحق فأذاقهم الله مرارة الباطل بأيدي من يحكمونهم، أم هم لعنتان لست أدري لكن الحقيقة واحدة هي أن اللعنة تطاردنا إلى يومنا هذا.

عمت الشدة على المصريين وانشغل الحاكم إما بالترف تارة أو إغداق الأموال على جنوده وحراسه وجيشه تارة، حتى نسي أن هناك رعية غير الحرس فوصل الحال بالمصريين أنهم أكلوا الجيف والموتى واصطاد بعضهم بعضًا، بل إن الرجل كان يخشى أن يدفن ميته نهارًا أمام الناس حتى لا ينبش قبره فيأكله العامة. وأخذت الشدة الأخضر واليابس حتى وصلت للمستنصر ووزرائه أيضًا؛ فباع المستنصر ما يملك من كنوز وهدايا ولم يبق له إلا ثلاثة أفراس ماتوا فاستعار بغلة من وزيره، وكان من يخرج معه من الجنود للحراسة يسقط من شدة الجوع، ووصل الحال أن التجار ارتعبوا من دخول مصر فباعوا على أطرافها خشية أن يؤكلوا هم وبضاعتهم، فكان الوباء والغلاء ولم ترفع الشدة إلا بتغيير الحاكم فجاء بدر الجمالي وأقام الحكم في مصر حتى عادت الأمور إلى نصابها.

وبمقارنة بسيطة بين هذا التاريخ الأسود الشيق وبين الوضع الحالي، نجد أن الحال هو الحال لم يتبدل ولم يتغير، فمنذ الصراع الأخير على السلطة بين الجيش والإخوان تم العصف تقريبًا بكل أمل لاح بعد ثورة يناير فقضى على آمال الشعب وحطمت معنوياته، وعاد من عاد للحكم كأنه عنقاء تأبى أن تموت، وأصبح الشعب متخاذلًا عن المطالبة بحقه والقائمون على الحكم إما مشغولون بمن يتملق أكثر للحاكم فيصيب ما يصيب من المناصب، أو من يجمع منهم المال ويكتنز غير مبالين بآهات الشعب والحاكم نفسه مشغول بالإغداق على الجيش والحاشية دون الشعب، بل وتزداد الضرائب يوميًا على المصريين حتى إنني أخشى أن أستيقظ وأذهب للخلاء فأجد ورقة مكتوبًا عليها ضريبة قضاء الحاجة! ويا ليت هذه الأموال تذهب للشعب بل تذهب للجند كالعادة منذ 500 سنة إلى الآن ولم يتغير شيء؛ تزداد مرتبات الجيش والشرطة والقضاء يوميًا بمعدل كل ربع ساعة قبل الأكل وبعده، في حين يدفع الشعب هذه المرتبات تحت شعار «عشان تستحق إنك تبقى مصري لازم»، والمحزن من الوضع الحالي هو تخاذل الشعب الشديد ورضاهم بالوضع وتهيئتهم النفسية للقادم، فبدلًا من المطالبة بالحقوق والعدل ذهب أغلب الناس الآن لمراجعة التاريخ والقراءة في أحوال الشدة المستنصرية فهم يعدون أنفسهم نفسيًا لما هو قادم وكأنهم استسلموا للمجهول ونسوا أن عليهم السعي وعلى الله الإجابة. أراهن أن معظمهم بدأ بشحذ السكاكين وشراء الكلاليب من الآن.

منذ أسبوعين تقريبًا خرجت مظاهرة هزلية ضد زيادة الأسعار في الإسكندرية تؤيد الجيش والشرطة وتطالب بإعدام الإخوان المسئولين في نظرهم عن زيادة الأسعار. إنه حقًا أسلوب الشحاتة بشياكة أو التملق فهم يعلمون جيدًا من يرفع الأسعار لكنهم أيضًا يعلمون أن ما باليد حيلة، فلا بد من التملق للحصول على رغيف العيش من باب «يمكن تبصلنا الحكومة لو طبلنا». هذا المزيج الغريب من الاستسلام والخنوع لولي الأمر، والتأهيل النفسي للاختيار الأبشع، والاستعداد للمجاعة بدلًا من الاختيار الأسهل في المطالبة بالحقوق؛ ينذر بكارثة حقيقة ودق لناقوس خطر لا يعلم عواقبه إلا الله. فهل نحن ذاهبون حقًا إلى شدة سيساوية جديدة تمر على الشعب المصري وتسطر في تاريخه، وأخشى ما أخشاه أن الفرق بين الشدة السيساوية والشدة المستنصرية هي أن المستنصر شارك في الشدة وذاق منها ما ذاق، أما الوضع الحالي فهو خليط بين الشدة المستنصرية والوضع في فرنسا مباشرة قبل الثورة أثناء حكم ماري أن. هذا الخليط الجديد ينذر أن من سيدفع الثمن هو الشعب المغلوب على أمره في حين ينعم أصحاب الكراسي بالجاتوه والباتون ساليه والكافيار. ولا يسعني أن أقول في النهاية إلا ما ذكر في كتاب النجوم الزاهرة:

«وهذا شأن أرباب المناصب إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ولو هلك العالم معه وهذا البلاء من تلك الأيام إلى يومنا هذا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد