تفاجأت من مفاجأة البعض من خطاب السيسي الذي يتحدث فيه عن السلام مع إسرائيل ودعوته لحل الدولتين وإلى آخره, الحقيقة تلك التصريحات ليس من الغريب أن تخرج من شخص مثل السيسي لكن الغريب والعجيب برأيي هو صمت عامة الشعب المصري على هذا, والحياة استمرت كأن لم يقل شيئًا قط وكأنه لم يصرح بعمالته ببجاحة.

وحتى من تحدثوا وامتلأت حساباتهم على الفيس بوك وتويتر بمنشورات نالت الآلاف من المشاركات لم يقوموا بنصف ما عليهم فعله في توعية الجماهير, ولا أستطيع أن أنكر عليهم أنهم لم يفعلوا أي شيء على الأرض لأني في الواقع أشاركهم الإثم نفسه, لكن من خلال مقالي هذا أتمنى أن أكون قد قمت بما علي فعله في الكتابة والتوعية متجنبًا المشاركة في ماراثون الشتم واللعن في السيسي دون هدف فقط للحصول على المشاركات والإعجابات والمتابعين.

اضبط بوصلتك

قبل أن تقوم بأي عمل على الأرض أو قبل أن تشارك في مظاهرة أو ثورة أو أي شيء لابد أن تحدد بعض الأفكار أو لنقل مبادئ راسخة لا تتغير بمرور الزمن حتى لا تضل أو تقوم بعمل لا طائل منه, تلك بعض الأسئلة وبإجابات من صلب رأيي الشخصي, ربما تختلف إجاباتك أو تتفق معها لكن من الضروري أن يكون لك إجابة عن كل سؤال.

1- من أنت؟

الإجابة ليست أن تقول اسمك الشخصي أو الوظيفة أو ما شابه, لكن ما هي هويتك؟ ولماذا أنت موجود؟

في الواقع أنا وأنت عباد الله سبحانه وتعالى ووظيفتنا الأولى عبادة الله تلك هي الهوية, أليست بطاقة الهوية في كل دولة بها الاسم والوظيفة والعنوان, لذا هويتنا الأصلية أننا عباد الله ووظيفتنا عبادة الله ولنا وظيفة أخرى نتفرد بها على كل المخلوقات وهي عمارة الأرض, وهدفنا الأصلي أن نرضي الله وننجح في اختباره لنا لندخل جنته ونتجنب ناره.

2- من هو عدوك؟

كما في السؤال السابق سأرجع إلى أصل الموضوع, إن عدو الإنسان الأول هو إبليس وأعوانه من شياطين الإنس والجن, الاثنان معًا, أما عن شياطين الجن فهم معروفون، أما عن شياطين الإنس فهنا لا بد أن نحددهم تحديدًا دقيقًا, وأنا أراهم من منطلق صفاتهم المشابهة لإبليس؛ أولًا الحقد كما حقد إبليس على آدم وأغواه ليخرجه من الجنة وتوعد أنه سيضل ذريته ليعذبوا معه في النار، كذلك الإنسان الحاقد على الإسلاميين أو لنقل من يطالبون أن تحتكم أرض المسلمين بالإسلام ونجد حقدهم في التعذيب البشع في غوانتانمو والعقرب وأبو غريب والتقتيل والتحريق بالقصف والرصاص في سوريا وغزة, ثانيًا الكبر إن إبليس تكبر على أن يسجد لمخلوق خلق من طين, الغريب أن خالق إبليس وخالق آدم هو الله فمن يحدد أفضليتهم هو الله سبحانه وتعالى, كذلك الإنسان عندما يكون فيه مرض الكبر الذي تجده ذلك في كثير من يرتدون الأزياء العسكرية والشرطية وفي طبيب الفلاسفة, ثالثًا الوقيعة والفتن, ونتائج ذلك الانقسامات التي تحدث داخل التنظيمات الإسلامية ومن التناحر والخلاف على قضايا تافهة ويكون سببها غالبًا الاختراق الأمني من قبل المخابرات.

الخلاصة في تلك النقطة أعداؤنا هم من لا يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا.

3- ما هو هدفك؟

كما قلت هدفنا الأصلي هو عبادة الله وعمارة الأرض لكن لابد أن نحدد أكثر في تلك النقطة, هدفنا الرئيسي هو تطبيق النظام الإسلامي على بلاد المسلمين ولكي نحقق هذا سوف تواجهنا الدول التي تتبنى الأنظمة السياسية الأخرى مثل الرأسمالية السياسية والاشتراكية الشيوعية كل من هذه الدول تريد فرض نظامها طبقًا لمصالحها لاستنزاف موارد بلادنا، لذا هم يقومون بالمحاربة بكل قوة وبجميع الوسائل اللا أخلاقية لتصفية الإسلاميين, وهذا ما أثبتته الأيام في بلادنا, فلابد أن نحقق هدفنا بدقة ولا ننحرف عنه أبدًا مهما واجهنا الغرب أو بنو جلدتنا أنفسهم, والهدف المتمثل في تطبيق الإسلام باعتباره منهج حياة ليس أمرًا جديدًا نظريًا لكن نموذج عملي لم يُطبَّق حتى الآن في عصر التقنية والآلة, وبتطبيقه سنثبت أن الإسلام مناسب لكل زمان ومكان مهما تغيرت ظروف العصر وأحواله.

اختيار الوسيلة

إذا أتممت الإجابة عن الأسئلة السابقة سواء كانت مشابهة لرأيي أم لا, الخطوة الثانية أهم من الخطوة الأولى, ألا وهي اختيار وسيلة تحقيق الهدف, منذ 3 يوليو أثناء بيان الانقلاب صرخنا جميعًا أن السيسي خائن، وبعدها في مجزرة الحرس الجمهوري قلنا السيسي قاتل، وبعد ما رأينا من تفجير شرايين حياة غزة والتنسيق مع الصهاينة قلنا السيسي عميل, وتقريبًا كل هذه السمات اتضحت تمامًا في السيسي في أول ثلاثة أشهر من الانقلاب, لكن ما زال طريق اختيار الوسيلة معبأ بالضباب غير واضح المعالم حتى ومع مرور ثلاث سنوات من الانقلاب, ما زلنا نتخبط.

كي نحقق الهدف الذي ذكرناه سابقًا لابد أن نختار وسيلة سليمة لتحقيقها وتكون مبنية على دراسة وعلم ليس على العواطف أو الرغبة في الانتقام والثأر.

الجماعات الإسلامية سلكت ثلاثة طرق منذ سقوط الخلافة العثمانية؛ 1- الجهاد المسلح 2- المشاركة السياسية
3- الدعوة, بعض الجماعات سلكت طريقين معًا ولكن حتى الآن لم تنجح أي جماعة في تحقيق هدفها بطريقة سليمة أو على الأقل كما حددوه في البداية قبل الانحراف أو التطرف أو ربما قبل الاختراق الأمني.

مثلًا في مصر, اختارت جماعة الإخوان في مصر الطريق السياسي والدعوة معًا ولكن للأسف فشلوا وانهار مجهود سنين بمجرد تحرك الجيش بموافقة الغرب, والدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش – أو الجماعات الإسلامية المقاتلة لا أريد أن أدخل في جدال في ماهيتهم ولا أريد الدخول في تفاصيل لكن مع افتراض إخلاصهم، إنهم مع سيطرتهم على مساحات كبيرة لم ينجحوا إلى الآن في تحقيق دولة إسلامية كما تحلم بها أي دولة لأن الدولة ليست أرضًا فقط, أما جماعات الدعوة فقط, كيفما تكونوا يولّ عليكم والانفصال التام عن أحوال العصر وظروف المجتمع لم نجد أي نتيجة إيجابية منهم فأعداد مدمني المخدرات في تزايد, وأصبحت المحرمات والكبائر ترتكب على أنها عادات عادية وأمراض اجتماعية انتشرت بشكل رهيب مثل الفساد والكذب والنميمة حتى في أبناء تلك الجماعات.

أما عن رأيي في اختيار الوسيلة, فلا أستطيع أن أصرح بطريق أو أجزم بأفضلية طريق دون غيره لأن ذلك لابد أن يتم اختياره بالاتفاق مع أصغر عضو سوف يشارك في تنفيذ الوسيلة, كما أنا لا أتحمل وزر أن أدعو حتى ولو شخصًا واحدًا لطريق ويكون في النهاية طريقًا خاطئًا.

الإعداد

للأسف الشديد ما زلنا مقتنعين إلى الآن بنظرية أن الفرد يغير المجتمع, وبالتأكيد هذا وهم, فكل نظريات علم الاجتماع تؤكد أن المؤثر الرئيسي في شخصية الإنسان هو المجتمع الذي ولد فيه وظروفه الاقتصادية والاجتماعية, مجتمعاتنا الإسلامية أصبحت مجتمعات مشوهة ومشتتة بين التمسك بتراث الأمة بغلو مبالغ فيه والانشغال بقضايا تافهة مثل التعدد وجواز ضرب المراة أو الانبهار بالعولمة والدعوة للانفتاح, وأنا أُحمل مسئولية ذلك المثقفين والشيوخ السلفيين الذين يعيشون في كوكبهم الخاص.

فأصبح الشباب والنشء – وأنا منهم – مشتتًا ولا يعرف ماهيته ويشعر بالدونية تجاه أولًا الصحابة والتابعين والسلف الصالح في تقواهم الديني وصلاحهم، ثانيًا إلى التقدم العلمي الرهيب في بلاد الغرب, فلابد أن نختار هويتنا عاجلًا أم آجلًا إما أن نتمسك بهويتنا الإسلامية وإما أن نلبس ثقافات منحرفة ومنحلة بدعوى الحداثة!

وفي الواقع نحن ندفع دفعًا تجاه الاختيار الثاني بجميع الوسائل تقريبًا.

لكن ما الحل؟ سيقول شخص لي الآن إنك لا يعجبك دعوة الشباب ولا تريد أن ينحرف الشباب, أنت تحب النقد فقط, قدم حلًا أو لتصمت.

بالرغم من أني لا أؤمن بنظرية أن الإنسان إذا لم يكن لديه حل لمشكلة عليه بتجاهل وجودها لأن في الحقيقة تشخيص المرض هو نصف العلاج, لكن في مثل هذه المشكلة هناك حل واضح وضوح الشمس لكن ينكره البعض بسبب تكاليفه الباهظة، ولكن بالنسبة للطريق أو الوسيلة فلا يمكن أن أحددها كما ذكرت سابقًا لكن هذه الحلول لا يمكن الاختلاف عليها.

الحل يكمن في تأكيد استحالة صلاح المجتمع كله بالدعوة فقط في مثل هذه الظروف المجتمعية, أنا لا أنكر وجود قلة من الشباب الصالح خرج في مثل هذا المجتمع – أنا أقصد بالصلاح الصلاح الباطني والظاهري – لكن بنسبة 80% هذا الشباب في السجون و15% تم قتله 5% هم فقط المتبقون وهم عليهم أمل الأمة حاليًا وما يعلم جنود ربك إلا هو، ربما يخرج من أصلاب هذا المجتمع دفعة جديدة من النشء الصاعد النقي ويكون استفاد من أخطاء القدامى.

والحل أيضًا يكمن في احتضان جميع العلوم باختلافها لأن في هذا العصر مع عدم إهمال قوة الإيمان القوة قوة علم ليست قوة بدن أو قوة عدد, ولابد ألا ننخدع بأكاذيب الغرب عن حقوق الإنسان مرة أخرى فما حدث في رابعة وما يحدث في سوريا والعراق وصمت الأمم المتحدة عنه يثبت أن حقوق الإنسان لدى الغرب ما هي إلا كذبة حقيرة.

وآخر نقطة وهي النقطة التي كُتب من أجلها المقال من الأساس, أن بداية تحرر الأمة الإسلامية تبدأ بترك القضايا الفرعية والتركيز في القضايا الكبيرة والصورة الكلية, فلا يجب أن ننخدع بالسيسي أو بشار ولا يجب أن نصبّ حقدنا كله عليهما، فما هما إلا دمى بيد من يحارب أي صحوة إسلامية, كفى تضييعًا للأوقات في سب هؤلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عميل
عرض التعليقات
تحميل المزيد