خلال الأشهر الماضية، شاهدت في إحدى سينمات القاهرة، فيلم ستيفن سبيلبيرج وتوم هانكس الجديد “جسر الجواسيس”، يتفقد الفيلم صفحة من صفحات الصراع الاستخباراتي أثناء الحرب الباردة، وبالتأكيد لست بصدد تقييم الفيلم من الناحية الفنية أو حتى التاريخية، لكن الفيلم قد أشعل في رأسي وميضًا لأحداث كثيرة في هذا الصراع الأكثر كلفة في التاريخ بين الشمولية والديمقراطية، والذي ورغم انتهاء الحرب الباردة، لا زال ذاك المناخ مهيمنًا على السياسة الدولية في شرق أوروبا والشرق الأوسط تحديدًا، حيث آخر منصات النفوذ الشرقي.

سبيلبيرج بالتحديد يرتبط اسمه مع جيلي لسبب غريب قد يخفى على أصدقائي خارج الشرق الأوسط، فهناك فيلم لسبيلبيرج بقي منبوذًا عربيًّا لأكثر من عقد من الزمان هو “قائمة شيندلر”، في بداية التسعينيات وعند إنتاج الفيلم، لم تقبل الرقابة المصرية بعرض هذا الفيلم بدور السينما في القاهرة، نظرًا لتناول الفيلم لأحد جوانب مأساة المحرقة النازية لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، ورغم أن الدولة المصرية كانت آنذاك أحد رعاة عملية السلام، إلا أن السياسة المزدوجة للدولة المصرية التي تتعاون مع إسرائيل تقريبا على كافة المستويات، بينما داخليًّا تحرض معظم مؤسساتها وبالمشاركة مع الأجنحة الشمولية في المعارضة ضد السلام، وتضع كل أشكال القيود على المصريين في التعامل مع الإسرائيليين، حتى لو كان هذا التعامل في صورة حوار مع أنصار السلام والحوار في إسرائيل، فكثيرًا ما نخضع كنشطاء سلام للاستدعاءات والاستجوابات في أجهزة الأمن المصرية، فقط لأننا التقينا بأحد نشطاء السلام الإسرائيليين، أو شاركنا في فعالية دولية حضرها إسرائيليون، وكأننا لا زلنا في زمن الحرب الباردة!

منذ انتفاضة الخامس والعشرين من يناير، والدولة المصرية العميقة تتعامل مع مطالب الديمقراطية والإصلاحات، وكأنها مؤامرة خارجية وأزمة تواجه الدولة، والمطالبون بالإصلاحات الديمقراطية ليسوا إلا دمى تحركها مؤامرة الخارجية، بدأت الإجراءات الأولى أثناء حكم الخونتا، ضد المجتمع المدني فقط بعد ثمانية أشهر من الإطاحة بمبارك، كانت الاتهامات تتنوع بين التخابر وتلقي التمويل الأجنبي والتآمر ضد الدولة، أصبح معظم نشطاء المجتمع المدني محل اتهام في الإعلام حتى وإن لم يتم استدعاؤهم لأي تحقيقات رسمية، ورغم انتهاء القضية عمليا بسفر أغلب المتهمين، إلا أن وصم المجتمع المدني ونشطائه بالتجسس لا زال قائمًا، خاصة بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في يوليو 2013 وتوسع البروباجندا من الإعلام الموالي للدولة الأمنية الجديدة ضد معظم المعارضين.

منذ خمسينيات القرن الماضي والدولة المصرية تحاصر حرية التنظيم عامة وحرية المجتمع المدني خاصة، ولمدة نصف قرن، كان يسري على المجتمع المدني في مصر ما يسري على أغلب المجتمع المدني في الدول الشيوعية؛ إغلاق ومصادرة واعتقال واتهامات دائمة في الإعلام. فقط آخر عشر سنوات من حكم مبارك، ظهر هامش حركة مقيد ومحكوم بواسطة أجهزة الأمن، سمح للمجتمع المدني بالتوسع قليلا والتفاعل مع الهيئات والتحالفات المدنية الدولية، ولكن يبدو ومع العودة القوية للدولة العميقة عشية الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، ومع فتور العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ الداعميْن الأساسيين للمجتمع المدني في مصر، قررت الدولة المصرية العودة للقواعد القديمة، بذريعة حماية الدولة، التي وصفها السيسي في أحد خطاباته الارتجالية بأنها الجيش، الشرطة والقضاء، وكيف أن حماية تلك الدولة هي وظيفته الأساسية، مُلمِّحًا في خطاب آخر إلى ضرورة مواجهة ما أسماه بـ”حروب الجيل الرابع” التي تستهدف كينونة الدول عبر المجتمع المدني والحركات السلمية الاحتجاجية!

في العام الأخير تحولت انتهاكات جمهورية السيسي إلى ما أبعد من القواعد القديمة للدولة العميقة، استيراد كامل لأساليب القمع السوفيتية سابقا والروسية حاليا، ويبدو أن التقارب المصري الروسي قد ألقى بظلاله على ملف تعامل السيسي مع المعارضة بصورة واضحة، وتحولت أجهزة الأمن المصرية إلى سلوك أشبه بسلوك أجهزة أوروبا الشرقية سيئة السمعة ستازي وسيكروتاتا، وربما أيضًا سافاك إيران الشاه، حيث اعتقالات، تعذيب، محاكمات بالجملة، حبس احتياطي لمدد تصل إلى عامين دون محاكمات، اختفاء قسري، استعمال مفرط للقوة ضد أي مظاهرة أو مسيرة، حصار كامل للمجتمع المدني وأنشطته لدرجة أن استئجار غرفة اجتماعات بأحد الفنادق بات يستلزم موافقة ثلاث جهات أمنية، وأخيرًا تحويل  مطارات مصر إلى ما يشبه سور برلين، حيث قيد سفر المصريين إلى ما يقرب من 20 دولة بضرورة الحصول على تصريح مسبق من الأمن الوطني منها مثلا كوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا، مع اعتماد سياسة جديدة لمنع النشطاء والسياسيين من السفر بقرارت صادرة من مؤسسات أمنية نفاجأ بها أثناء إنهاء إجراءات السفر، بل أحيانًا مصادرة وثائق السفر دون أي سند قانوني.

لم يبق أمام جيل انتفاضة يناير في القاهرة سوى مواجهة الإحباط اليومي، خاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد التسلط السياسي، وسط مناخ من بروباجندا المؤامرة التي تحذر المصريين يوميا من مصير الدولة الفاشلة في سوريا والعراق، بينما نشعر كمعارضين وحالمين بالديمقراطية بمخاوف السقوط في فخ ربما يكون مشابها لإيران في أواخر السبعينيات ولا ينقصه سوى خميني جديد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد