من المتعارف عليه بين البشر، حال عدم اعتراف أحدنا بشرعية شيء يراه جاء بطريق غير شرعي، منح لغير صاحب الحق صفة المالك، وانتزعها ممن يمتلكها جبرًا وقهرًا.

يسعى المغتصب دائمًا إلى إسكات من لا يعترفون به إذا لم يستطع فرض أمر واقع يجبرهم على التعامل معه، وتقليص شريحة رافضيه تدريجيًّا حتى تتلاشى تلك الشريحة.

وبما أننا في مرحلة الاستضعاف، وعدم القدرة على مواجهة المغتصبين بالقدر الذي يعيد الحق لأصحابه، لا نملك إلا الكلمة، ربما ستكون البناء المؤسس لجيل تربى على الجمع بين الرغبة، والقدرة؛ فننتقل من مرحلة الاستضعاف التي تكوينا بنارها ليل نهار.

كلمة وإن رآها قائلها بلا قيمة، إلا أنها كنز ينتظره المغتصب لترسيخ وجوده كصاحب حق، ولتقوي من شوكته وشرعيته مع مرور الزمن.

على سبيل المثال، رافضوالانقلاب العسكري في مصر وأنا منهم، يدركون قيمة وقدر كلمة «الرئيس» عند الحديث عن عبد الفتاح السيسي، ولديهم من الحرص واليقظة ما يكفي لعدم تلفظهم بهذه الصفة؛ لأنهم ببساطة لا يعترفون بشرعيته، لقد جاء إلى السلطة بعد انقلاب عسكري على أول رئيس مدني منتخب بانتخابات حرة نزيهة، ومجرد وصفه بصفة الرئيس يعني اعترافًا بشرعية يسعى إليها جاهدًا، وتعد من أهم أهدافه لترسيخ شرعية حكمه.

ومن يرى غير ذلك يواجه نفسه بسؤال بسيط جدًّا، سيجعله أمام القيمة الحقيقية لهذا الاعتراف، ماذا لو اعترف أحد قيادات معسكر رفض الانقلاب بشرعية السيسي رئيسًا لمصر (لفظًا وليس اقتناعًا)؟ بالتأكيد سنسمع أخبارًا متتالية عن براءات بقدر ما لُفق له من قضايا، وينتهي به الأمر حرًّا من جديد!

وإذا كانت الكلمة بلا قيمة فلماذا يعتقل السيسي رافضي حكمه من أصحاب المسارات السلمية؟

وبالنظر إلى مُغتصب آخر لحق تاريخي لأمة، وهو الكيان الصهيوني الموصوف بـ«إسرائيل» لم نجد حرصًا يضاهي حرص بعض رافضي الانقلاب العسكري في مصر، وبعض القادة في الحديث عن غير المشروع ووصفه بما لا يصح، ويزيد من شرعية المُغتصب، ففي الوقت الذي ينطق لسانهم لفظًا وليس اقتناعًا «إسرائيل» لا يمكن إطلاقًا أن يخرج من أفواههم لفظ الرئيس عند الحديث عن السيسي!

أعلم أنهم لا يعترفون بالكيان الصهيوني دولةً، ولكن استسهال نُطق اسم دولتهم يعد اعترافًا ضمنيًّا بشرعية وجودها، ويمهد الطريق نحو اعتراف صريح من الأجيال القادمة التي ستنشأ على كلمة نرددها.

هذه الملحوظة التي دائمًا ما تُزجني وتُغضبني كلما سمعتها من السياسيين والمثقفين العرب، ومن بينهم شخصيات فلسطينية، ودائمًا ما أُسجل اعتراضًا علنيًّا على هذا اللفظ، ولكن دون جدوى.

مع كل عمل ينال من أمن الصهاينة بيد المقاومة، أو بإرادة الله المنفردة، نحتفي بها، وتنقلب مواقع التواصل الاجتماعي تعبيرًا عن الفرحة، وكان آخرها الحرائق التي نشبت في فلسطين المحتلة، حتى أنه تم تدشين هاشتاج «إسرائيل_تحترق» وشارك فيها عدد كبير من المثقفين والسياسيين العرب، وأشعلوا نارًا إلكترونية تكوي صاحب الحق، وتُحقق أهداف المُغتصب.

ثم عملية الدهس البطولية في القدس التي حصدت أرواحًا خبيثة مغتصبة، فتقبل الله شهيدًا روى أرض القدس بدمائه نُصرة للأقصى، ولكن لفظ دولتهم ما زال يردده الكثيرون منا حتى وصل الأمر إلى أن البعض يعلق على صفحة المتحدث باسم جيش الصهاينة، أو يشارك منشوراته ويهاجمه، وهذا انتصار في معركة التطبيع، ومزيد من حقوق العرب تضيع بتفاعلنا معه، ونحن نظن أننا بذلك ننصر قضيتنا.

أحد أهم أهداف الكيان الصهيوني هو التطبيع مع الشعوب العربية بعد أن تمكنت من الأنظمة العربية، وأصبحت علاقتهما حميمية، والصهاينة لا يتوقفون عند مرحلة الرغبة دون القدرة، فلديهم عقول تُفكر وتخطط، وأدوات تُنفذ.

المثالان ليسا متساويين فالسيسي الذي قاد الانقلاب وسفك الدماء مصري من أبوين مصريين، وصل إلى منصب وزير الدفاع بطريق شرعي، أما الصهاينة فلا حق لهم ولا مُلك على أرض فلسطين، ولا يُعقل أن نرى من يصف الكيان الصهيوني بـ«إسرائيل» يحاكم من يقول على عبد الفتاح السيسي «الرئيس»، ويطلق عليه رصاص التخوين والتسفيه والتكفير.

ما نؤمن به أن إسرائيل هو نبي الله يعقوب عليه السلام وفقط، وفلسطين من النقب حتى صفد.

في النهاية، وحتى لا يساء فهم عتابي، أقول إنه بقدر قيمة وعلم وفهم وثقافة المرء يحاسب، ونحن أصحاب قضية، وندعي امتلاكنا للحد الأدنى من الوعي، لا يصح أن نغفل أو نتغافل هذه الخطوط التي تُمثل حوائط صد بداخلنا، لا يمكن لأفواهنا تجاوزها إطلاقًا.

فإذا كنا لا نملك إلا الكلمة لبقاء الوضع على ما هو عليه لحين تسليم الراية إلى جيل يمتلك أدوات الفاعلين، يجب ألا نتجاوزها من باب حفظ الحقوق وتكريسها في عقول الفاعلين المُمنتظرين منا، فاللهم عجل بهم ليموت الظلم، ويحيا الحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

حرام على السيسي حلال على الصهاينة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد