سُنةٌ ثابتة من سُنن المراجع في النجف أنهم لا ينطقون إلا حين يتعرض المذهب – أو الدين الشيعي – للخطر، أو حين يقدم ذلك النطق نفعًا أو يدفع ضررًا واضحًا عن ذلك المذهب، وهذه السنة تشمل جميع المراجع بما فيهم السيد السيستاني، أما في غيرها من المواقف فلا تسمع لهم همسًا ولا ركزا، ولكنهم إنْ دُفعوا أو أضطروا إلى النطق فإن كلامهم سيكون مبهمًا، ويحتمل وجوهًا يستطيع كل صاحب هوىً أو غاية أن يحملهُ على ما يريد.

ومن هذا الباب فإن السيستاني لم ينطق، ولن ينطق بما يشفي صدور المتظاهرين او الشعب العراقي وإن قُتل من قُتل أو اعتقل من اعتقل ما دامت لا تشكل ضررًا على المذهب؛ ولأنهُ من السهل قمعها بأقل فصائل الحشد المتوفر في طول البلاد وعرضها، بلى.. إن السيستاني صرح بوجود الفساد ووجوب محاربته، ولكن هذه الكلمات يمكن أن تُحمل على أكثر من وجه ويمكن لأصحاب المظاهرات والحكومة وكذلك الطرف الثالث أن يجيروا خطاب المرجعية لصالحهم، وهذه الطريقة تكاد تكون سمة مطردة عند جميع المراجع في المسائل الحساسة، وبعبارة أُخرى: إن السيد السيستاني لم يكن واضحًا بما يكفي، وبما يُناسب خطورة الوضع وبما يناسب تلك الدماء التي أريقت والجهود التي بُذلت كما كان واضحًا عندما أفتى بوجوب عدم مقاتلة المحتل الأمريكي حين دخل بغداد سنة 2003، ولم يكن واضحًا كما كان.. أفتى بالجهاد الكفائي عند دخول «داعش» المناطق السنية، ذلك إنه حينما أفتى بوجوب عدم مقاتلة الأمريكان فقد علم أن في ذلك الدخول مصلحة للمذهب فهم في الوقت الذي يتخلصون فيه من النظام الحاكم آنذاك فإنهم أيضًا بتحالفهم مع الأمريكان سيؤول الحكم إليهم، وهذا هو ما حدث، وحين أفتى بالجهاد الكفائي صراحةً فإن في ذلك استئصالًا وإضعافًا لأهل السنة أعداء الشيعة التقليديين، وإضعافًا وتدميرًا لمناطقهم. والسيستاني حين يفتي بفتوى واضحة وصريحة فإنما يعتمد على أصلين اثنين لا ثالث لهما:

الأول: موافقة الفتوى للأصول العامة للمذهب.

الثاني: موافقته للمصحلة العليا التي تقررها السلطات والمراجع العليا في إيران.

ولسائل من المتظاهرين من الذين لا يعرفون شيئًا عن أصول وخطوط المرجعية ودهاليزها؛ لمَ كُل هذا الغموض الذي يُغلف فتاوى السيستاني، مع أن الأصل في الفتوى الوضوح، ومن تمام وضوحها أن تكون محكمة فلا يمكن حملها على أكثر من وجه كما هو حال فتاوى المراجع ومنهم السيستاني في غير الموضوعين الذين ذكرناهما آنفًا.

فنقول: إن الغموض ضرورة ملحة يجب أن يلتزم بها مراجع النجف ومنهم السستاني لأنها الضمان الوحيد لعدم خروج العامة من الناس عن طاعتهم، فالغموض يجعل كل صاحب هوى يحمل تلك الفتوى على ما يحب ويشتهي، كذلك فإن هذا الغموض هو الضمان الوحيد لعدم نزول أولئك المراجع من بروجهم العاجية والتي تضفي على كلامهم نوع من الهالة والقدسية لا تنُال إلا بذلك الغموض والإبهام.

وللغموض الذي يلف به السيستاني نفسه سحر خاص، فهو يوحي للناس وبالأخص العامة منهم أن لديه الكثير من العلوم التي لا قبل لهم بها، وأن الأسرار التي يخفيها لا طاقة للناس بتحملها، وبهذا الغموض يجعل من شخصيته الأكثر جاذبية من بين الشخصيات التي تتصدى للمرجعية؛ ما يثير فضول العامة من الناس لاستكشاف خبايا تلك الشخصية ولو بطريق الملامسة أو الحدس، وتعمد الغموض من قبل السيستاني أمر مطلوب لذاته، وهو كذلك أمر مقصود لجميع المراجع الشيعية، فالغموض عكس الوضوح الذي تتسم به الشخصية البسيطة، التي يسهل التعامل معها، والسر في تعمد السيستاني الغموض هو دفع العامة من الناس للتقرب إليه وطلب الزلفى منه، أما الخاصة منهم فإنه يدفعهم لمحاولة فك شفرة هذا الغموض وكشف طلاسمه.

وغموض موقف السيستاني من المظاهرات أمر مطلوب لذاته من ذلك إن السيستاني والمراجع العليا في إيران يريدان إبقاء الوضع القائم في العراق على ما هو عليه أو بعبارة أخرى هم حريصون كل الحرص على بقاء هذه الحكومة القابعة في المنطقة الخضراء لأنها الوحيدة الضامنة لإيجاد النظام الطائفي الذي يبغيانه، مع أن هذا لا يمنع من امتعاضهم من بعض التصرفات التي لا تتوافق من الأصول العامة، ولذلك فإن مرجعية السيستاني كانت واضحة في فتواها في وجوب اختيار وانتخاب قائمة الشيعة في أول انتخابات شهدها العراق بعد سقوط بغداد، فالسيستاني هو الذي مهد لجميع الرجالات الذين شكلوا النظام بعد عام 2003، والذين هم اليوم موضع نقمة جميع المتظاهرين، وأخيرًا وليس آخرًا نقول إن حرص السيستاني وبقية المراجع على المذهب ليس من باب الحرص على الدين الذي شرعه الله للناس كافة، بل لأن هذا المذهب هو المأدبة التي عليها يعتاشون منذ أن شرُع التقليد وأوجبه المراجع على العامة من الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد