عام 1993 قرر المسئولون في محافظة الإسكندرية استخدام كفاءتهم الفريدة، وذكائهم الخارق، لحل مشكلة خطيرة تواجه المدينة العريقة، ألا وهي مشكلة تراكم المخلفات الصلبة الناتجة عن محطات الصرف الصحي، فقرروا تغريم ميزانية الدولة مليار ونصف جنيه -آنذاك- لإنشاء مدفن في المنطقة المعروفة بـ«» في العامرية بشرق الإسكندرية على مساحة 350 فدانًا؛ ليستقبل نحو 600 طن يوميًّا من مخلفات 18 محطة صرف صحي في الإسكندرية، وهنا تتجلى عبقرية متخذ ذلك القرار الكارثي، لماذا؟

– لأن الموقع «» يقع على ربوة مرتفعة في منطقة الكينج مريوط -إحدى أكثر المناطق الواعدة سياحيًّا واستثماريًّا في مصر- وبالأسفل بالقرب من ذلك الموقع يوجد العديد من القرى التي يحيا بها عشرات الآلاف من المواطنين الذين سيضطرون هم وأطفالهم لاستنشاق الرذاذ الميكروبى الناتج من المدفن 9ن والمحمل بسموم قاتلة ومواد مسرطنة، كما أن الموقع 9ن قريب من مطار برج العرب الدولي، واستاد الجيش المصري، ويمر به خطوط البترول وشبكات كهرباء الضغط العالي، أي إننا بدلًا من تدعيم تلك المنشآت الحيوية بمشاريع أخرى مكملة تعظم من عائدها التنموي -بدلًا من ذلك- نعرضها لضرر بالغ يؤثر سلبًا في كفاءتها، ويقلل عمرها الافتراضي، ويمحق جدواها الاقتصادية، ويدمر القيمة الضخمة لمنطقة الكينج مريوط بوصفها مشتى ومزارًا سياحيًّا متميزًا للغاية.

– لأن متخذ القرار العبقري نفسه أراد أن يحصل على أقصى استفادة مادية من الموقع؛ فقرر تجفيف مخلفات الصرف الصحي وطرحها للبيع على المزارعين البسطاء على أنها سماد عضوي مفيد للمزروعات من الخضر والفاكهة، على الرغم من أنها لم تعالج كيميائيًّا أو بيولوجيًّا، كما هو متعارف عليه في كل دول العالم، وقد أكدت الدراسات أن استخدام ذلك السماد في زراعة الخضر والفاكهة يسبب الأمراض السرطانية، وأمراض الكبد، والربو، وتشوه الأجنة، وإجهاض النساء، والمسئولون كانوا يعلمون ذلك بجلاء تام؛ لذا فقد صرحوا بأنهم قد أصدروا قرارًا بأن ذلك السماد سيخصص فقط لزراعة الأشجار الخشبية ونباتات الزينة، ولكن عند بدء التطبيق تبخر ذلك القرار واستخدام السماد في زراعة الخضراوات والفاكهة التي يحيا عليها أهالي المنطقة، وتُنقل كميات كبيرة منها إلى مناطق الإسكندرية المختلفة، لتباع هناك ناقلة معها حزمة من الأمراض والمواد المسرطنة.

ومن العجيب، أن الموقع 9ن ظل يعمل بدون ترخيص منذ إنشائه حتى أغلق عقب ثورة 25 يناير، إثر تشكيل لجنة من وزارات «البيئة والزراعة والري والصحة»، بالإضافة إلى سلاح الحرب الكيماوية بالقوات المسلحة، والتي أثبتت الأضرار الجسيمة لموقع 9ن على أهالي القرى المجاورة له، وأغلق المدفن وتنفس السكان الصعداء، ومرت سنوات قليلة، ثم غرقت الإسكندرية بالأمطار، فأخذ المسئولون يبحثون عن شماعة لتبرير الفضيحة، فإذا بأحدهم يقول إن السبب هو غلق الموقع 9ن! وبناء عليه أعيد تشغيل الموقع 9ن من جديد، ما علاقة الموقع 9ن بغرق الإسكندرية؟! وإن كان هناك علاقة، فلماذا لم تغرق الإسكندرية في الأعوام التالية لغلق المدفن 9ن عقب ثورة 25 يناير؟! لا أحد يفهم ذلك حتى الآن، ولا حتى متخذ القرار نفسه.

لقد أصبح الموقع 9ن موطنًا للأمراض الخطيرة يلقي بروائحه الكريهة وأسراب البعوض والذباب والحشرات على عشرات الآلاف من المواطنين، وينتج منه محاصيل زراعية مسرطنة تنتشر في أسواق العاصمة الثانية مدينة الإسكندرية العريقة؛ لتدمر أجساد الأبرياء وتلتهم أكباد الأطفال، ببساطة شديدة ووضوح تام، نحن أمام كارثة تهدد ملايين المواطنين، وتنشر أكثر الأمراض فتكًا وأشد الأوبئة انتشارا، هذا علاوة على مليارات الجنيهات المهدرة بلا طائل.

سكان العامرية، لا سيما القرى الملاصقة للكارثة البيئية 9ن جفت حلوقهم من النداء والاستغاثة ولا مجيب، أقصى ما وصلوا إليه هو أن شكل المسئولون لجانًا، ينبثق عنها لجان فرعية، ويتشكل على إثرها لجان متخصصة، توصي بتشكيل لجان نوعية، وفي النهاية يظل الأهالي يصرخون ولا مجيب لأنينهم المتصل.

إذن ما الحل؟

بما أننا في «شبه دولة» كما ذكر الرئيس في تصريح شهير، إذا فلا شيء يتحرك ولا خلل يصلح، ولا خطأ يصوب، إلا بناء على توجيهات السيد الرئيس، لذا فأرجو من سيادة الرئيس أن يصدر تعليماته بإيقاف تلك الكارثة المسماة بـ9ن، سيدي الرئيس آلاف البسطاء يصابون بأفتك الأمراض، أسر تفقد عائلها، أمهات يختطف المرض والموت فلذات أكبادهن، مدينة عريقة تعاني من خضراوات وفواكه مسرطنة، مليارات الجنيهات تذهب أدراج الريح، كل ذلك وأكثر قابل للإيقاف بجرة قلم؛ بل بكلمة، لقد صدقت عندما قلت إن الشعب لم يجد من يحنو عليه، فهل تحنو أنت عليه أم يستمر النزيف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)