إن تباين الثقافات بين طبقات المجتمع المختلفة، ولا أقصد بالطبع بتباين الثقافات التعرض للتعليم والمستويات التعليمية المختلفة؛ فهناك فرق هائل بين التعليم والثقافة وبين المتعلم والمثقف، والبيئة المجتمعية أو النشأة المجتمعية قطعًا لها تأثير وانعكاس كبير على التكوين الفكري والثقافي لطبقات المجتمع.

أثر تباين الثقافات على المجتمع

ومن هذا المنطلق نجد أن تباين الثقافات هذا أثر سلبًا على هوية المجتمع المصري وثقافاته واهتماماته؛ فالتباين يظهر جليًا حسب البيئة المجتمعية، لذلك يصعب أو يستحيل أن يخرج استقصاء أي استقصاء أيًّا كان مهما كانت أدواته أو معاييره عادلة وعلمية ومتجردة حتى وإن كان دون أي توجه أو توجيه معبرًا عن حالة أو رأي أو نتائج حقيقية تعكس توجه المجتمع بمختلف أطيافه وثقافاته ومكوناته.

عدم اتفاق طبقات الشعب وفئاته على رؤية موحدة

ذلك لأن طبقات الشعب المختلفة بفئاتها لا تتفق في رؤية أو رأي أو قضية؛ فنجد على سبيل المثال وليس الحصر فئة الشباب بمختلف طبقاتها تنظر للشيوخ على أنهم أهدروا أعمارهم فيما لا ينفع ولا يجدي، وهم من سكتوا وخنعوا وركعوا واستعذبوا القهر والقمع حتى لا ينتفضوا رافضين لهذه الأوضاع، وكان بإمكانهم تحسين الأوضاع للأفضل لولا تخاذلهم وسلبيتهم. كذلك فئة الشيوخ تنظر لفئة الشباب نظرة المتهور غير المدرك لأبعاد تصرفاته ولا حقيقة الأمور، ولا حسن تقييم وتدبير وتخطيط مستقبله، وأنه أرعن عنيد دون كياسة وحكمة، ويميل لتحقيق طموحاته مهما كانت الآليات حتى وإن كانت ستتسبب في تحطيم وتدمير حياته ومستقبله، وأنهم غير مؤهلين للعمل وليس لديهم وعي ولا قدرة على البذل والعطاء والإبداع. وفئة الشباب ينظرون إلى المرأة على أنها وعاء لحمل الرغبات وتفريغ للطاقات والمتعة، وأنها مجرد عضو في المجتمع تتزوج وتنجب ويستمتع بها الرجل وتربي وتقوم بواجباتها زوجة وأمًّا، والبعض ينظر لها نظرة مختلفة على أنها عضو بارز وهام بالمجتمع ولا يقل دوره عن دور الرجل، في العمل والعطاء والإبداع والإنتاج بجانب دورها امرأةً لها وجودها وطموحاتها ورغباتها وتمتلك إرادة وطاقة وطموحات قادرة على توظيفها كما تشاء، كما أن رؤية فئة المرأة للرجل بصفة عامة مختلفة وتختلف من بيئة وطبقة لأخرى.

لماذا يجب أن نرسخ مفاهيم الثوابت والمشتركات وكيف؟!

وهكذا فإن تباين الرؤى مبني على ثقافات النشأة وطبيعة البيئة والتكوين المجتمعي، ولا تعتمد على ثقافة التعليم وترسيخ المفاهيم والمبادئ والمعايير الجادة الواجبة للتقييم، فكيف يمكن اختيار شريحة من بيئات مجتمعية مختلفة وإعطاؤها نموذجًا استقصائيًا حول أي قضية مهما كانت وتخرج لنا نتائج معبرة بصدق عن طبيعة مجتمعية للمجتمع وإن كان فقط هذا المجتمع؛ فمثلًا هل يمكن لأحد أن يجزم أن طبيعة المجتمع الذي يعيش في محافظة واحدةٍ مثلًا القاهرة؛ واحدةٌ أو حتى متقاربة بين مجتمع القاهرة والقاهرة الكبرى والجيزة والمدن المجاورة والقرى التابعة ؟! بالقطع لا. فلكل مجتمع ما يهتم به بل ويعد هو أولوياته وهذه الأولوية بالطبع قد تكون لا تمثل أدنى أهمية لدى مجتمع آخر بنفس النطاق الجغرافي له، وهنا كارثة الكوارث الكبرى؛ فلابد للمجتمع بمختلف بيئاته وثقافاته ومستوياته التعليمية أن يكون له ثوابت ومشتركات، ومن أهم هذه الثوابت والمشتركات عقائدية، وطنية، تربوية، قيم، عادات وتقاليد مجتمعية؛ يجب أن ترسخ في كل فئات المجتمع وطبقاته، حتى تتقارب الرؤى وتتفق الآراء حول الثوابت التي لا يجب أن تكون مجالًا للخلاف أو الاختلاف، حتى وإن تم بث الفتنة حول أي من تلك القضايا لتمزيق الكيان المجتمعي لهدف أو لآخر تكون القيم والمعايير للاختلاف واضحة حول معنى محدد وهو أن الخلاف مهما كان يجب ألا يفسد للود قضية، وأننا يمكننا أن نتعايش وفق تلك الثوابت مجتمعين حول أهداف نبيلة ومتجردة، نعلي من خلالها الصالح العام ولا نقدم الانتفاعية والذاتية. فللأسف فئات كبيرة وبنسب كبيرة جدًا علاقتها بالدولة علاقة انتفاعية، ولا يجدون أي غضاضة في التربح واستغلال المناصب والنفوذ والإمكانات التي يفترض أنها معدة لخدمة الشعب لأغراضهم ومصالحهم الشخصية، وهو الأمر المرفوض، لكن سببه زرع تلك الثقافة في النفوس بل وسادت المجتمع حتى أصبحت كلمة انتماء كلمة مهملة لا معنى لها في نفوس فئات وطبقات الشعب بمختلف طوائفه وبيئاته.

لكل قاعدة شواذ حتمًا

وقطعًا لا أعمم في الطرح بل هناك شواذ لكل قاعدة، ولكن ألقي الضوء على فئة هي النسبة الأكبر والأعم في الظهور والتواجد للأسف الشديد؛ لذا وجب علينا جميعًا أن نعلي قيمة ومعاني الثوابت الإنسانية والعقائدية والتربوية والوطنية في نفوس مجتمعنا وأبنائنا، كل من موقعه قدر إمكانه، وليكن كل حر شريف مخلص متجرد مؤمن بهذه القضية جنديًّا في هذه المعركة – معركة الوعي المجتمعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد