ولد يوسف بن تاشفين في صحراء موريتانيا عام 400 هجريا، وهو من سلالة بربرية أمازيغية اشتهر بالتمسك بالسنة، وحب الجهاد، والتقشف والبعد عن ترف الحياة، ومناصرة المستضعفين، ومجالسة العلماء، وهو من أشهر قادة دولة المرابطين التي أُسست بفضل جهاد الشيخ (عبدالله بن ياسين) وأبي بكر بن عمر اللمتوني ابن عم بطلنا يوسف بن تاشفين.

 

كانت أحوال الإسلام في أفريقيا في ذلك الوقت بعيدة كل البعد عن الجهاد ونصرة دين الله؛ فقد انتشرت البدع ومجالس الترف وحب الدنيا، فبدأ قادة المرابطين إعادة الناس إلى دين الله. اقتسم ابن تاشفين وابن عمه أبو بكر اللمتوني جيش المرابطين، وذهب كل منهم في اتجاه لتحرير أفريقيا من البدع وإعادتهم إلى الإسلام والسنة، فذهب أبو بكر اللمتوني إلى جنوب موريتانيا حيث السنغال ومالي وغانا و… إلخ، وترك يوسف بن تاشفين في الشمال حيث المغرب والجزائر وموريتانيا وكان ذلك في عام 453 من الهجرة، وبعد 12 عامًا التقى البطلان مرة أخرى، وحينها تنازل أبو بكر اللمتوني لابن عمه ابن تاشفين وأقره على قيادة دولة المرابطين! وهذا يدل على بعد هؤلاء الأبطال عن حب القيادة والزعامة وكانت وصية أبي بكر اللمتوني لابن عمه (يا يوسف إني وليتك هذا الأمر وإني مسئول عنه، فاتق الله في المسلمين وأعتقني وأعتق نفسك والله خليفتي عليك وعليهم).

 

قام ابن تاشفين بتأسيس مدينة مراكش وجعلها عاصمة لدولة المرابطين، وقام بفتح المدن المغربية الواحدة تلو الأخرى وأخضع مدن (فاس- تلمسان- سبتة)، وأصبح قائدًا على 16 دولة أفريقية في عصرنا هذا بداية من الشمال الأفريقي حتى غانا جنوبًا.

 

معركة الزلاقة الشهيرة:-

كانت أحوال المسلمين في الأندلس في ذلك الوقت لا تقل سوءًا عن أحوال مسلمي أفريقيا، وكانت نزاعات ملوك الطوائف قد أعطت نصارى أوروبا الفرصة لغزو بلاد الأندلس، ومحاولة استعادتها من أيدي المسلمين، بل وصل الأمر لاستعانة أمراء الطوائف بألفونسو السادس ملك قشتالة على منافسيهم من الأمراء المسلمين الآخرين!

 

وصلت الأخبار إلى ابن تاشفين بسقوط طليطلة وبربشتد وقتل أكثر من 70 ألفًا من المسلمين، وحتى قرطبة فقد استباحها جند ألفونسو؛ فقتلوا أكثر من 30 ألفًا من المسلمين، وكان المسلمون يشاهدون جنود ألفونسو يستولون على المدينة تلو الأخرى دون أن يغاروا على دينهم، أو يمدوا لإخوانهم يد المساعدة!

 

اجتمع ملوك الطوائف وتدارسوا تلك الأخبار المفزعة، وكانوا يريدون الاستعانة بدولة المرابطين في المغرب وبطلها ابن تاشفين، ولكنهم كانوا يخافون على ملكهم من ابن تاشفين إلا أن المعتمد بن عباد أكبر أمراء الطوائف وأمير إشبيلية قال قولته المشهورة: (لأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين خير لي من رعي الخنازير).

 

حينما علم ألفونسو السادس بذلك، أرسل إلى ابن تاشفين برسالة يحذره فيها من نصرة أهل الأندلس، فما كان من بطلنا إلا أن كتب على ظهر رسالة ألفونسو كلماتٍ ثلاثًا (ما سيكون ستراه)، وعبر بجنوده البحر المتوسط إلى الأندلس، وكانوا حوالي 12000 جندي، واستقبله أهل الأندلس بكل سرور، وانضموا لجيش ابن تاشفين حتى أصبح تعداد جيش المسلمين حوالي 30000 جندي، جمعهم لملاقاة ألفونسو وجنوده في معركة الزلاقة الشهيرة التي جمع لها كل فرسان أوروبا، وكانت قواتهم حوالي 80000 جندي، ودارت تلك المعركة المصيرية التي ستحسم الوجود الإسلامي في الأندلس، وصبر المسلمون وصمدوا حتى انتهت تلك المعركة المصيرية بهزيمة ساحقة لألفونسو وجنوده، حتى أنه يقال إنه لم ينجُ منها إلا 500 من قوات ألفونسو فقط، أما ألفونسو نفسه فقد فر في جنح الظلام بعد إصابته في رجله إصابة مباشرة، أما باقي الـ80000 جندي فقد أبادهم المسلمون عن بكرة أبيهم، ولم يستشهد من المسلمين إلا 3000 جندي فقط، وكانت من نتائج تلك المعركة الرهيبة تأخير سقوط الأندلس حوالي 400 عام، وعاد ابن تاشفين للمغرب ولكنه حينما علم بتنازع ملوك الطوائف مرة أخرى وعودتهم لود ألفونسو ورجوعهم لظلم الرعية، فعبر البحر مرة أخرى وقام بنزع الحكم من ملوك الطوائف ووحد الأندلس وأصبح يحكم دولة تمتد من الأندلس شمالا إلى غانا جنوبًا، وتوفي عام 500 هجريا بعد أن عاش 100 عام في جهاد دائم لا يقل بأي حال من الأحوال عن جهاد صلاح الدين، فسلام عليك أيها البطل.

 

نور الدين محمود – معلم صلاح الدين –

هو نور الدين صاحب الشام الملك العادل ناصر أمير المؤمنين تقي الملوك ليث الإسلام أبو القاسم التركي السلطان الملكشاهي، هذا هو اسم بطلنا وتعريفه في سيرة ابن كثير.

 

هو نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي مؤسس الدولة الزنكية من أعظم قادة المسلمين الذين حاربوا الصليبين في الشام، ووقفوا أمام الدولة الفاطمية في مصر، وصفه المؤرخون بأنه سادس الخلفاء الراشدين وأعظم الحكام بعد عمر بن عبد العزيز. ولد عام (511 هجريا – 1118 م) بحلب، نشأ في كنف أبيه عماد الدين زنكي صاحب حلب والموصل وغيرها، تربى على تعلم القرآن والفروسية والرمي، ووصفه ابن كثير بأنه كان شهمًا شجاعًا ذا همة عالية وديانة بينة.

 

ورث عن أبيه الحكم وهو ابن 30 عامًا، وأصبح حاكم حلب ولكنه توسع في جميع أنحاء الشام، فضم أولا إمارة الرها، وحارب جوسلين الثاني أمير الرها وانتصر عليه وطرد ما بقي من الفرنج فيها، وبعد ذلك قام بالسيطرة على دمشق وحكمها ثم ضم شيرز وبعلبك وحران والرقة وسنجار، وضرب الحصار على الموصل حتى استطاع أن يفرض سيطرته عليها وبذلك استطاع حكم معظم أرجاء الشام.

 

ولكن هدف نور الدين محمود كان أكبر من ذلك، فقد كان ذا همة عالية وبصيرة نافذة ولذلك فقد قرر توحيد مصر والشام؛ وذلك للقضاء على الدولة الفاطمية ووقْف وصد هجمات الصليبيين وتحرير بيت المقدس.

 

بدأ نور الدين في قتال الصليبيين بتحرير إمارة الرها كما ذكرنا، ولذلك فقد سبب ذلك صدمة لدى القوات الصليبية فأصدر البابا أمرًا بتشكيل حملة جديدة، وقد استجاب لذلك ملك فرنسا وملك ألمانيا وانطلقوا لغزو الشام مرة أخرى فيما يعرف بالحملة الصليبية الثانية، وكان تعداد القوات الصليبية حوالي 70000 فارس بالإضافة إلى جموع ضخمة من الفلاحين، ولكنهم واجهوا هجمات قوية من دولة السلاجقة أثناء عبورهم الأناضول ثم واجهوا مقاومة شديدة من الجنود والشعب الدمشقي، وحينما سمعوا بقدوم جيش نور الدين للدفاع عن دمشق تراجعوا، وخشوا من المواجهة وبذلك فشلت الحملة الصليبية الثانية، ولكن نور الدين واصل حروب الصليبيين في إمارات بيت المقدس وطرابلس وأنطاكية، وقام بسحق القوات الصليبية في أنطاكية وقتل ريموند حاكم إمارة أنطاكية على يد أسد الدين شيركوه، وفي معركة حارم قام بأسر كلٍّ من بوهمند الثالث أمير أنطاكية وريموند الثالث أمير طرابلس، وانتصر على الصليبيين هناك انتصارًا عظيمًا، وبذلك يكون نور الدين انتصر على الصليبيين في معظم حروبه معهم، ولكنّ عينيه كانت على القدس، ولذلك فكر في ضم مصر لمملكته لتوحيد مصر والشام.

 

أرسل نور الدين كلا من أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي إلى مصر عام 1164 هجريا، حتى يقطع الطريق على الصليبيين الذين كانت أعينهم على مصر وحتى يحررها من المذهب الشيعي، ومن الحكم الفاطمي، ونجح بالفعل في ذلك بعد 5 سنوات من الجهاد بحملات متتالية، عرفت في التاريخ باسم الحملات النورية، وتولى أسد الدين شيركوه الوزارة عند الخليفة الفاطمي، ثم توفي وعين صلاح الدين وزيرا على مصر وأمره نور الدين بالدعاء للخليفة العباسي، بدلا من الفاطمي فقام صلاح الدين بعزل قضاة الشيعة وأزال أصول المذهب الشيعي وأبطل الأذان الشيعي.

 

ولذلك فنور الدين يعود له الكثير من الفضل مما قام به صلاح الدين فيما بعد؛ فقد قام بتربية صلاح الدين منذ صغره، فكان له بمنزلة الوالد والمعلم وكان يدربه على الجهاد وفنون القتال، وعينه قائدًا للشرطة وأرسله مع عمه إلى مصر ثم عينه وزيرًا على مصر، حتى أن منبر صلاح الدين الشهير الذي وضعه في المسجد الأقصى كان من صنع نور الدين، وكان يسمى منبر نور الدين حتى موته، ولو لم يكن له دور في حياته إلا صنع أسطورة صلاح الدين لكفته.

 

وكان من أقواله المشهورة: (كيف أتبسم والمسلمون محاصرون من الفرنج)، قالها حين نزلت سفن الصليبيين بدمياط قبل إجلائهم بواسطة صلاح الدين، وكان رحمه الله محبًّا للدين مدافعًا عنه، وكان يأمر عسكره في الثلث الأخير من الليل بأن يوقظوا أهل دمشق يصلون كلهم في الليل، وكان كلما غزا غزوة في سبيل الله يأخذ غبار الجهاد من على ثيابه وخوذته وفرسه فيصنع منهما لبنة (حجرًا) وضعت تحت رأسه في قبره يوم أن توفي عام 1174م، فسلام على هذا البطل.

 

سليمان القانوني – سلطان السلاطين –

هو صاحب الجلالة السلطان سليمان الأول خان الخانات أمير المؤمنين حامي المدن المقدسة الثلاث مكة والمدينة والقدس.

 

وصل الإسلام في عهده إلى بلاد لم يصلها من قبل، وأصبحت دولته أعظم دولة على وجه الأرض ولذلك فهو يعرف في الغرب بسليمان العظيم، ويعرف في الشرق بسليمان القانوني.

 

ولد في طرابزون عام 1494م، ووالده السلطان سليم الأول، رباه على حب الجهاد والقتال ودرس العلوم والتاريخ والأدب وحينما مات والده عام 1520م، تولى الحكم وهو ابن 26 عامًا فقط ولذلك فقد استخف به ولاته في بادئ الأمر قبل أن ينجح السلطان سليمان في تأديبهم وبسط هيبة الدولة وقضى على التمرد في سوريا ومصر وقونية.

 

كانت دولته قوية جدا، ولذلك فقد خطب ودها ملك فرنسا وطلب التحالف معه ضد شارلكان ملك إسبانيا وألمانيا والمجر، ونتج عن هذا التحالف أن سيطر السلطان سليمان على أغلب أوروبا الشرقية فاستولى على بلجراد عام 1521م وردوس 1523م وضم أجزاء من المجر بما فيها عاصمتها بودابست وجعلها ولاية عثمانية.

 

كان فتح بلجراد حدثا عظيمًا وفتحًا مدويا في أوروبا ولذلك فقد حشدت أوروبا قضها وقضيضها لمحاربة جيوش العثمانيين والدفاع عن مملكة المجر أمام هجمات العثمانيين. حشد السلطان سليمان جيشه وسار بهم نحو المجر عابرا بلجراد وبعد عدة غزوات استولى فيها على المدن التي تقابله التقى بجيوش أوروبا في معركة موهاكس الشهيرة عام 1526م وكان تعداد الجيوش الأوروبية حوالي 200 ألف جندي مقابل 100 ألف جندي عثماني، وكان أغلب فرسان المجر مقنعين بالحديد ولذلك فلن ينفع معهم السيوف ولا الرماية، ولكن خطة إبراهيم باشا قائد قوات العثمانيين كانت تعتمد على استدراج القوات المجرية بتراجع القوات العثمانية في بادئ الأمر، حتى إذا أحس المجريون بالنصر فتحت عليهم نيران المدافع العثمانية الرهيبة التي كانت في مؤخرة الجيش وكان يقودها السلطان بنفسه، وبدأت المعركة ونفذت الخطة لتقضي على القوات المجرية تمامًا في خلال ساعة ونصف فقط، حيث تم قتل أغلب الجيش المجري وتم أسر حوالي 25 ألف مجري ودخل السلطان سليمان عاصمة المجر بودابست وجلس فيها 13 يومًا ينظم شئونها، وأصبحت مملكة المجر في ذمة التاريخ.

 

قام بعدها السلطان سليمان بحصار فيينا ولكنه لم يستطع فتحها لنفاد الذخيرة، وقام بضم القرم وبوخارست وبذلك أصبحت الإمبراطورية العثمانية تلعب دورًا هامًّا في السياسة الأوروبية. ولم يكتفِ السلطان سليمان بالسيطرة على أغلب أوروبا الشرقية بل أرسل أساطيله البحرية بقيادة خير الدين بربروسا الشهير إلى الأندلس بعد سقوطه عام 1492م بعد تعرض المسلمين هناك لحملات التعذيب والتنصير، فأذاقت سفن خير الدين بربروسا الإسبان هزائم كثيرة ونجح في إجلاء أكثر من 80 ألف مسلم من الشواطئ الإسبانية ونجح في السيطرة على معظم الساحل الأفريقي من ليبيا والجزائر وتونس، بل وأغار على معظم الموانئ الإسبانية والإيطالية وأسر الكثير منهم وباعهم عبيدًا انتقامًا مما حدث للمسلمين في الأندلس.

 

وأصبح البحر المتوسط تحت سيطرة البحرية العثمانية وتوغلت سفنه في البحر الأحمر لمحاربة السفن البرتغالية وحماية المدن المقدسة في الجزيرة العربية، فقام بالسيطرة على اليمن وعدن ومسقط وصنعاء ومضيق هرمز، ونجح بذلك في تطهير تلك البلاد من البرتغاليين بل وصلت قواته إلى الهند التي كانت تحت سيطرة المغول المسلمين حينما علم بنية السفن البرتغالية السيطرة عليها، وقام في الأعوام التالية بمحاربة الدولة الصفوية الشيعية في فارس وقام بضم تبريز وبغداد والأحساء.

 

كانت حياة السلطان سليمان كلها جهادًا حتى اتسعت دولته لتشمل القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا، ووصل اتساع دولته إلى حدود لم تصلها مملكة الإسكندر المقدوني نفسه؛ فقد كانت تحت حكمه كل من الأناضول وأرمينيا وجورجيا والقرم وجمهوريات التتار والشام ومصر وجزيرة العرب بأكملها وتبريز وشمال أفريقيا بما فيها ليبيا وتونس والجزائر، حتى وصل إلى السودان والحبشة وسيطر على اليونان وقبرص ورودوس وبحر مرمرة والبحر الأسود وبلجراد وبوخارست وبودابست وكييف ومقدونيا والبوسنة وألبانيا ورومانيا، وحاصر فيينا حتى أصبح سلطان السلاطين، وتوفي هذا البطل عام 1566م بعد أن أصبح أعظم سلاطين الدولة العثمانية على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد