بداية دعونا نتفق أن دور الشعب المصري تجاه حلقة من برنامج أمريكي تحقيقي عريق يعرض على محطة تليفزيون أمريكي هي الأوسع انتشارا تستضيف رئيسه في هذا التوقيت، يمكن اختصاره في زيادة نسبة المشاهدة كنوع من الاستثمار فيه. روج معدو الحلقة لها باحترافية عالية عن طريق اشاعة رغبة منقلب مصر في عدم اذاعتها والتي نقلها سفيرها بأمريكا إليهم.

يتعلق الأمر بالشعب الأمريكي في المقام الأول، يظهر ذلك في المقدمة حين يستنكر سكوت بيلي “المذيع” استمرار تقديم المساعدات الأمريكية، التي هي محور الحلقة، كثاني أعلى مساعدات بعد الكيان الصهيوني لنظام متهم بأسوأ انتهاكات في عصر مصر الحديث ! ليكشف سمسار بدرجة رئيس في الخاتمة بعد أن يُسأل بوضوح عن الدافع الذي يجعل الأمريكان يستمرون في استثمار أموالهم في مصر، عن أن مصر استحالت على يديه، كصبي لفتوات العالم، إلى مركز تسوق كبير فيجيب باطمئنان تام أنهم يستثمرون في أمن واستقرار المنطقة.

تدعم الحلقة حربا سياسية بين أحزاب أمريكية على أرض أمريكية ؛ فالأحزاب هناك لا تتحد لتنشئ جبهة إنقاذ ترص أمامها الميكروفونات لتتحدث عن ما بعد ترمب، ولا تتعاون مع وزير دفاع للانقلاب على رئيس فاز رغم أنوفهم، ولا تمول مظاهرات حول البيت الأبيض ليتسور بعض الأمريكيين قصر الرئاسة أو ليهدم بلدوزرا بابه. هذه الأحزاب تستثمر نقاط الضعف، وتهاجم بضراوة باستخدام حقائق لا أكاذيب مقتطعة. مثل ترمب فوزًا للحزب الجمهوري، فلم يتظاهر الحزب الديمقراطي أمام منزله بالبرسيم، بل استخدم دعم مرشحيه في الكونجرس وإثارة القضايا الوطنية وتجييش الاعلام قدر المستطاع تمهيدًا لانتخابات قادمة؛ ومن ضمن سلسلة هجماتهم جاء برنامج 60 دقيقة ليثير الرأي العام حول معونات اقتصادية لم تعد أمريكا في حاجة لدفعها في ظل عدم وجود خطورة على الكيان القيط تحت مظلة أخلاقية ألا وهي انتهاك رئيس مصر لحقوق مواطنيه. وفي ظني استطاع ترمب صد الهجمة حين داعب مشاعر الكنيسة الداعمة للصهيونية بتغريدته عن كاتدرائية أنشأها منقلب مصر هي الأكبر في الشرق الأوسط فأظهره كصمام أمان الأقلية المسيحية في الشرق.

ما شاهدناه لا يتعدى كونه فقرة لا تتناسب مساحتها ورئيس دولة محورية في الشرق الأوسط. بالرغم من أن منظرًا كهذا يشفي قلوب من طغى عليهم القاتل، إلا أنه من المؤسف أن يظن نفسه رأس الدولة من قيمة الوطن بهذا الشكل، وخاصة إذا ما تذكرت حديثا للرئيس الشرعي المعتقل وهو يؤصل بكل عزة على نفس هذه القناة في عام 2012 أن التبعية ليست مرادفًا للتحالف مع أمريكا. ومن المزري أن يدرك العالم كله أن من يمثلك هو صيد سهل يستدرج من حيث رغبته في الظهور، وأنه صغير يتقافز ليظهر وسط الكبار؛ وساعد في اكتمال الصورة المهينة سوء تعامل اللادولة المصرية مع طلب المحطة إجراء الحوار، ثم طلبها إرسال الأسئلة قبل إجراء اللقاء مما يوحي أنه ليس لديها ادنى فكرة عن برنامج سيحل رئيسها ضيفًا عليه، وفي النهاية ضغطها لعدم إذاعة الحلقة الذي أظن أنه لقي دعمًا من الإدارة الأمريكية حيث تأخر العرض، وحين عرضت اجتزئ منها. ومن المذل أن ترى من يعتبره العالم رئيسك غارقًا في عرقه، محاصرًا في كرسيه، يكاد قناع بشريته أن يتمزق أمام الكاميرات وتكاد تظهر أنيابه لولا أنه خارج غابته وأن صياده ليس مصريًا.

يحذو المنقلب حذو سادة العالم الكبار في رفع شعار من ليس معي فهو ضدي، ويقتدي بهم في إنكار جرائمهم التي يشهد القاصي والداني عليها صوتًا وصورة، ويغلفها كمثلهم بغلاف براق من القيم والمبادئ المشوهة؛ فعندما سئل عن عدم قدرته على التخلص من إرهابه المزعوم في سيناء، كانت إجابته قوية واستحضر مثالًا من نفس كتالوج معلميه ليسأل بدوره عن عدم قدرة أمريكا الخلاص من الإرهاب في أفغانستان، وإن شئنا سمينا الحقيقة باسمها، فلم يكن ارهابًا، بل كان احتلالًا لغرس علم أمريكي في المنطقة.

ينفي السفاح وجود أي معتقلين سياسيين لديه، ولم يفسر مثلًا تواجد رئيس مصر الشرعي محمد مرسي وأعمدة نظامه في أقفاص زجاجية في المحاكم، ولم يذكر أي تقرير في الحلقة ذلك أيضًا بالرغم من الإشارة لحبس سامي عنان رئيس الأركان! وصف معارضيه بالأقلية، ووضعهم جميعًا في خانة التطرف ثم ناقض نفسه بأن برر أعداد قتلاهم بأنه كان من الصعب مع الأعداد الكبيرة التحكم بالموقف ما أوجب تدخله بحجة حفظ الأمن وكأنه في ساحة حرب! ألصق بهم تهمة فرض منظور ديني رأى أن يعالجه بتشدد وتطرف أعتى حين فرض رؤيته هو للدين وقمعهم!

يقدم البرنامج الإخوان المسلمين من زاوية أنهم جماعة دينية خيرية اجتماعية تسعى للحكم، يخرج منها معارضون لكبار الجماعة لا يصبرون على سياستهم السلمية فيتجهون للعنف وأعمال الارهاب كما يؤكد أندروا ميلر مسئول الملف المصري في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وهذا يمثل فكر الديمقراطيين الذي مثلته حكومة أوباما ويناقض سياسة الجمهوريين بقيادة ترمب. ولا ينفي ذلك ان العالم يلجأ لبيانات مغلوطة مصدرها حكومات فاسدة، علمها كيف ترسخ صورة الإرهاب كوجه آخر للاسلام، وتجعل منها طوق النجاة وقت الغرق، ومساحيق التجميل حين الظهور. إن الارهاب في مصر يخططه وينفذه من طلب تفويضًا ليجعل المحتمل حقيقة واقعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد