ما أكثر ما كُتب عن حرب أكتوبر، بحار من الحبر أسيلت، أطنان من الورق كُتبت، بعضها ينطق بالحق وبعضها لا يحمل إلا الزيف. سنعود إلى موضوع الحق والزيف لاحقا، لكن الأكيد أن ما تقدمه الدولة ووسائل إعلامها، والقوات المسلحة وشؤونها المعنوية، والرأسمالية المصرية ومحطاتها الفضائية وكتائب «الكتبة» ممن يسمونهم زورًا بالمثقفين، ما يقدمه هؤلاء كلهم عن حرب أكتوبر مثير للدهشة والاحتقار والشفقة في آن واحد. لكن أزمة هؤلاء الحقيقية، أن الحاضر هو بشكل ما امتداد للتاريخ، ولا يمكنه أن يكون سوى ذلك. ليس هذا المنشور إعادة سرد لأحداث الحرب وما ترتب عليها، هو تفنيد لبعض الخرافات التي تم ترسيخها في العقل الجمعي للمصريين.

في 6 أكتوبر 1973، الساعة الثانية ظهرا، انطلقت المقاتلات والقاذفات المصرية إلى عمق سيناء تضرب مؤخرة العدو بعنف، تحرث أرض سيناء وتطهرها من الاستعمار الصهيوني، وتنسف استحكامات بارليف التي قالوا أنها غير قابلة للنسف. وفي أعقاب الضربة، عبرت قوات المشاة المصرية قناة السويس، كي تستولي على الشاطئ وتفتح الثغرات في الساتر الترابي وتحتل رؤوس الكباري تمهيدا لعبور القوات المدرعة. ورفع المقاتلون العلم المصري على أعلى منطقة في الساتر الترابي، كي يشهد وادي النيل كيف أن تضحية 6 أعوام أثمرت، وكي يشهد العالم ما تستطيع الإرادة المصرية فعله. كانت اللحظات الأولى من العبور مجيدة بشكل لا يوصف، بيد أنها كانت اللحظات الوحيدة الصادقة التي يمكن أن يذكرها التاريخ بلا زيف.

في 24 أكتوبر 1973، تقبل إسرائيل أخيرا وقف إطلاق النار بعد ضغوط سوفييتية وصلت حتى التلويح بالحرب، وتحريك قواته المحمولة جوا لاحتمال التدخل لردع إسرائيل، مما دفع الولايات المتحدة للضغط من أجل أن يتوقف الإسرائيليون عند هذا الحد. وقد كانت الغنائم الإسرائيلية في 24 أكتوبر ذات دلالات يراها الأعمى، القوات الصهيونية في الضفة الغربية للقناة، بعد اختراقهم الخطوط المصرية في منطقة الدفرسوار، فيما يُعرف تاريخيا «بثغرة الدفرسوار»، حيث وصلت القوات الإسرائيلية على الضفة الغربية للقناة إلى ما يزيد عن 300 دبابة بأطقمها المعاونة، تحاصر وتعزل الجيش الثالث عن قواعده الإدارية وتتحكم بتموينه، وتهدد الطريق الرئيسي للعاصمة، تلك التفاصيل يتم إنكارها عمدا.

إن هذا التناقض بين بداية ونهاية المعارك الحربية علة جبهة السويس، غير حاضر في الرواية الرسمية للحرب، فالحرب يجري تقديمها على أنها انتصار كاسح لنا، لا تشوبه شائبة، لا أحد يجرؤ على قول أن ما حققه السلاح في بداية الحرب، خانته السياسة في نهايتها. فطمس تلك الحقيقة كان ضروريا لطمس السؤال المحوري: لصالح من تعمل السلطة في مصر؟

إن التفاصيل موجعة بقدر ما هي صادمة، ما بين مشهدي 6 أكتوبر و 24 أكتوبر، قدمت مصر دماءً غزيرة في سعيها نحو الحرية والتحرر من الصهيوني، بعد 6 أعوام تحشد فيها طاقتها، تتقشف لتبني جيشا يسترد ما ضاع، تخرج إلى الشوارع لتدفع نحو الحرب سلطة غير راغبة في القتال. لذا كان كل من صنعوا المشهد المزري في الحرب، غير مستعدين لأن يطرحوا على الناس قصة هزيمة أخرى، خيانة أخرى. لم يكن من مصلحة السادات وتحالفه الطبقي الجديد أن يعلم المصريين أي شيء عن تفاصيل مثيرة للريبة كاتصالاته السرية بالأمريكان – مصنع سلاح الإسرائيليين أعدائنا – ولا رسالته لكيسنجر في صباح 7 أكتوبر. كيف كان سيفسر وقفته التعبوية المشبوهة في 9 أكتوبر حين كان التقدم ضرورة، وتطوير الهجوم في 13 و14 أكتوبر حين كان التوقف أمرا حتميا. إن العقل السوي سوف يستنتج سريعا أن هناك مؤامرة، وأن الأمر يتعدى كونه خطأ فنيا، ففي 9 أكتوبر كان السوفييت يصرون على ضرورة التقدم للمضايق في ظل انشغال الإسرائيليين على الجبهة السورية وانكسارهم التام على الجبهة المصرية لكن السادات رفض رفضا قاطعا. في حين أنه عاد في 13 و14 أكتوبر يصر على تطوير الهجوم رغم ما تواجهه القوات المصرية من صعوبات في التمسك بخطوطها والحفاظ على رؤوس الكباري، ورغم تركيز إسرائيل لقوتها الرئيسية على الجبهة المصرية، ورغم معارضة قيادة الجيش لما اعتبروه تضحية بالقوات التي ستتقدم لاحتلال المضايق نظرا لخروجها بلا غطاء جوي يحميها من الدفاعات الإسرائيلية، الغطاء الذي لم يكن مطلوبا في 9 أكتوبر نظرا لما ذكرت من انشغال القوات الإسرائيلية على الجبهة السورية الأكثر قربا من العمق الإسرائيلي. تمسك السادات بتطوير الهجوم، معرضا القوات لمذبحة، وخالقا فجوة غير مؤمنة في منطقة المفصل بين الجيشين الثاني والثالث، حيث كانت تلك من الأساس إحدى المناطق الثلاث الضعيفة التي يحتمل أن يقوم العدو بمحاولة اختراقها. البعض يردون ما حدث إلى قلة معرفة السادات بشؤون الحرب كونه كان مجرد ضابط في سلاح الاشارة، لم يتطور لأبعد من ذلك وسنوات خدمته في القوات المسلحة قصيرة كونه قد تم فصله من الجيش على خلفية اتصاله بالألمان في سنوات الحرب العالمية الثانية. لكن الأكثر واقعية أن السادات كان لديه فكرة، شيء ما يريد تنفيذه، يمكنك استنتاجه من كيفية تعامله مع الثغرة.

في فيلم أيام السادات، يعاملنا ممدوح الليثي كما لو أننا سنظل أطفالا، ننتظر 6 أكتوبر من كل عام كي نشاهد أفلاما من نوعية الرصاصة لا تزال في جيبي وأبناء الصمت والعمر لحظة، وتلك الأفلام التي تخاطب خيالنا الناشئ ونحن نشاهد جيشنا مزهوين وهو يعاقب الصهيوني على فعلته في 5 يوينو 1967، حيث تنتهي الأفلام نفس النهاية تقريبا بمشهد جنودنا يتجولون في الأرض المحررة، وحين كبرنا أدركنا أنه تم الاستخفاف بنا. فشريط من الأرض عمقه 9 كيلومترات تم تصويره على أنه كامل سيناء، أما الثغرة فلا وجود لها على الإطلاق سوى في سؤال الرئيس المؤمن لقيادة الجيش «هي الثغرة دي حاجة تقلق؟» فيأتيه الرد «أبدا يا افندم». هكذا تجاهل ممدوح الليثي أن ألوية مدرعة تلاشت من الوجود، وكتائب تمت إبادتها على أيدي القوات الصهيونية في الدفرسوار. تركز تلك الأفلام على نقطة أساسية، المقاتل المصري الذليل في 1967، والقائد الأعلى المحنك في 1973. عبدالناصر الذي تسبب في ذبح عشرات الآلاف من جنودنا، والسادات الداهية وهو يخلص مصر من قبضة الصهيونية قائلا «أنا اتخذت القرار يا محمد». لكن تلك الأفلام لم تذكر أشياء كثيرة، ففي 1967، ورغم المجزرة المهزلة التي تعرضنا لها، فإن جنودنا الأبطال قاتلوا قتالا مريرا حيثما تمكنوا من ذلك، حيثما توفرت لهم اسباب القتال بينما فرت القيادة العسكرية، عبدالحكيم عامر ومجموعته التي كانت تدبر مقلبا ساخنا لعبدالناصر. وفي 1973 يجري التأكيد على دور الداهية الذي استطاع خداع الأمريكان والصهاينة، وقائد الضربة الجوية الذي استخدم طائرات التدريب في العمليات، أما حقيقة أن الطيران المصري لم يشتبك مباشرة مع الطيران الصهيوني في معارك كبيرة سوى معركة المنصورة التي فرضت علينا فرضا في نهاية الحرب، تلك الحقيقة لا يجب أن يذكرها أحد حتى لا يتم الانتقاص من قدر قائد الضربة الجوية. لا تحتوي الروايات الرسمية للحرب سوى أن الولايات المتحدة فتحت جسرا جويا لإمداد الصهاينة بالمعدات، وهو ما دفع السادات لقبول وقف إطلاق النار طبقا لممدوح الليثي، لكن الثابت تاريخيا أن السادات اقترح وقف إطلاق النار منذ الأيام الأولى للحرب التي كان يعتبرها حرب تحريك مواقف لا أكثر ولا أقل.

إن تلك السحب الكثيفة من الزيف لا تدعمها حقائق كثيرة، فبناء على الموقف الذي فرضته الثغرة، جلس الصهاينة على طاولة المفاوضات كي يملوا شروطا لم يستطيعوا فرضها في يونيو 1967. الثغرة «غير مقلقة» كانت خنجرا في ظهر المصريين، فالجيش الثالث بكامله في الأسر، من خلفه القوات الإسرائيلية ومن أمامه صحراء سيناء و الطيران الإسرائيلي. كان الصهاينة يدركون أنهم أصحاب الكلمة الطولى بدءا من مباحثات الكيلو 101 واتفاقية فض الاشتباك الأولى حيث بكى الجمسي، وانتهاء بكامب ديفيد، فهل يوقع المنتصر وثائق استسلام كالتي وقعتها السلطة الساداتية؟ وبينما كان استيلاء قواتنا على المضايق في 9 أكتوبر يمنحنا أفضلية مهولة عسكريا وسياسيا، نظرا لكون المضايق منطقة حصينة ضد الهجمات الجوية، وحاكمة لسيناء، وقتها كان وقف إطلاق النار يمنحنا تفوقا إضافيا، وإن قررت السلطة التفاوض فمن موقع قوة. لكن الحقيقة أن كامب ديفيد كان يتم التجهيز لها من 15 مايو 1971، فقد أرادت الطبقة الجديدة أن تفكك وضع التحفز في المنطقة، وأن تفكك ركنا حصينا في مشروع عبدالناصر، وهو وحدة الصف العربي في مواجهة الإمبريالية، ولماذا نواجه الإمبريالية، نحن بحاجة إلى أن نحيا في ظل الإمبريالية، هكذا كان منطق الطبقة التي استولت على الحكم في 15 مايو 1971. كان مطلوب أن يتم الترويج لما تم تحقيقه في الأيام الأولى من الحرب على أنه وضع نهائي وأن الثأر قد تم والكرامة قد استردت، كان مطلوب أن يتم تخدير الوعي المصري بنصر زائف، أو قل: نصر عسكري قوضته السياسة. وقد تلقى كل من شارك في المسرحية جائزته، انهالت الأموال على الكمبرادور المصري من كل حدب وصوب، والقيادات التي شاركت في المهزلة تلقت جوائزها ترقيات ومناصب وانخراط في الأعمال المدنية لابد أن تصاحبه حالات ثراء فاحش لتلك القيادات.

وتبدو مشاركة الجيش في معركة التدليس تلك شيئا ملعونا، فالجيش الذي قاتل ببسالة وتمت خيانة تضحياته، يشارك في موكب تمجيد السادات وإبراز عبقريته النادرة ووطنيته الأصيلة، وفي إبراز الحرب باعتبارها نصرا لا مثيل له. كانت الرشوة التي تلقتها القيادة للموافقة على مسيرة الاستسلام غير مسبوقة. وكان الاستسلام غير مسبوق أيضا وكانت شروطه شديدة الوطأة على القوات المسلحة، فبعد الإذلال الذي تعرض له الجيش الثالث قبل العسكريون التفاوض، الذي كان يعني جلوسهم على المائدة للتوقيع على الشروط كي يتم فك الحصار عن الرجال المعزولين في سيناء. وكان أشد المواقف دلالة هو بكاء الجمسي حين قرأ الأرقام الواردة في اتفاقية فض الاشتباك الأولى والتي كانت تعني تصفية العبور عمليا، وقد نال الجمسي ترقيات عدة وأصبح وزيرا للدفاع كجزء من الترضية. ولم يتحدث الجيش أبدا عن الغبن الذي تعرض له وإتلزامه بالتسلح من الغرب وتخفيض عدد قواته، وتقييد يديه في سيناء. كل ذلك يختبئ في الظلام الكثيف بينما المشهد السائد هو هالات من المجد تحيط بالرئيس المؤمن وفي خلفيته أحمد اسماعيل على مشير النصر المزعوم ينظر إلى صورة عبدالناصر متشفيا بعد أن عزله عبدالناصر مرتين من الخدمة نظرا لقصوره عن أداء مهامه. ويتقدم الرئيس ووزيره فوق جثث شهدائنا كي يصافحا السفاح بيجن وأياديهم تقطر دما مصريا خالصا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد