في الأثناء التي كان يحتفل فيها الحسن الثاني بعيد ميلاده 42، لم يكن ليخطر على باله أن انقلابًا عسكريًّا يدبر لإطاحته من العرش الذي ورثه من والده الملك محمد الخامس سنة 1961، ففي يوم 10 يوليو (تموز) من سنة 1971، قصد أكثر من ألف ضيف القصر الملكي المطل على البحر بمدينة الصخيرات للاحتفال بذكرى ميلاد الحسن الثاني، ضيوف من مختلف المستويات، سياسيون، أمنيون، رجال أعمال، جنرالات، فنانون، في جو احتفالي قوامه المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ.

الى أن الكولونيل أمحمد أعبابو، الشاب ذا 33 عامًا، حول نفسه من خادم للعرش إلى انقلابي يراوده حلم إقامة الجمهورية، مما سيقلب الحفل رأسًا على عقب، ليغرق القصر الملكي في حمام من الدماء أودى بحياة قرابة 500 شخص.

إذ أقدمت مجموعتان عسكريتان تابعتان للمدرسة الحربية الملكية أهرمومو، بمداهمة قصر الصخيرات، وذلك بعد أن أقنع الكولونيل أعبابو تلاميذ المدرسة العسكرية بأن مدرستهم هي أفضل من يقوم بهذه المهمة، وأن هناك مجموعة عسكرية أخرى ستنظم لاحقًا لتسهيل المأمورية عليهم ومد يد العون، مشددًا على أن لا علم له بتفاصيل العملية فالأمر وكل الأمر بيد جنرالات الرباط.

غير أن العساكر وضباط الصف بالجيش كانوا يجهلون تمامًا أنهم يزحفون نحو الإقامة الملكية لقلب نظام الحكم، وأن ما كان في علمهم لا يخرج عن أمر أصدره الكولونيل أعبابو قصد المشاركة في مناورة، إلى أن وجدوا أنفسهم أمام انقلاب ضد المرحوم الحسن الثاني لا يعرفون عنه أي شيء، فقد أصدر أعبابو أوامره للطلبة وعساكر وضباط المدرسة العسكرية على أساس القيام بمناورة عسكرية في غضون 48 ساعة، لكنه امتنع عن إعطائهم معلومات أو سبب للقيام بهذه المناورة العسكرية المفاجئة.

انقلاب الصخيرات لم يكن فقط من تخطيط أمحمد أعبابو، بل شاركه في التخطيط الضابط أمحمد أعبابو أخوه الأكبر والجنرال محمد المذبوح قائد الحرس الملكي.

وعن الجنرال محمد المذبوح، رئيس الحرس الملكي فقد كان موجودًا بالقصر قبل المداهمة، وبحسب ما أورده بعض الضباط الذين عاينوا العملية، فالمذبوح بدت معالم التوتر واضحة عليه بشكل كبير، بعد تأخر وصول القوات القادمة من «أهرمومو»، ويقال إنه أرسل يطلب من أعبابو يطلب منه تأجيل العملية ما دامت القوات تأخرت، وهو ما أدى إلى تصاعد الشك بين أعبابو والمذبوح.

وبمجرد وصول أعبابو القصر أعطى تعليماته للجنود بالانقسام إلى قسمين، فريق دخل رفقة الكولونيل أمحمد أعبابو من جهة الجنوبية، وفريق آخر رافق أخاه الأكبر من الجهة الشمالية بالقصر، وما سهل دخول أمحمد أعبابو للقصر هو المكانة الاجتماعية التي كان يحتلها آنذاك، إلا أن أحد ضباط الدرك الملكي حاول منع أعبابو من الدخول، غير أن هذا الأخير لم يبد نية الامتثال لأوامر الضابط؛ مما دفع الضابط لرفع سلاحه في وجه أعبابو وإصابته في كثفه، ليخرج أعبابو مسدسه ويردي ضابط الدرك الملكي قتيلًا وليكون أول من سقط في هذه المداهمة.

وبينما كان الضيوف بما فيهم الملك غارقين في الاستماع لأنغام قطعة موسيقية صامته تعم القصر، دوت طلقات الرصاص وانفجارات لقنابل يدوية، وتناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية، ليهرع مئات الضيوف بالهرب ومحاولة الاختباء على ضفاف الشاطئ المطل على القصر، غير أن مخطط المذبوح كان يقتضي تطويق المكان دون إطلاق النار، ودفع الجميع للاستسلام قبل مباشرة سلسلة من الإعدامات، إلا أن شك أعبابو جعل الرصاص الحي ينطلق بعشوائية، ولم يعد الضباط قادرين على كبح تلامذتهم والسيطرة عليهم، لاسيما أن الكثير منهم كانوا يطلقون النار ويصرخون «عاش الملك». لتشرع فيما بعد ضباط والعساكر التلاميذ بأمر من الجنرال المذبوح في إخلاء القصر من المدنيين والمدعوين لتسهيل عملية الوصول للملك.

وحسب شهادات الضباط، تواجه المذبوح مع أعبابو داخل القصر، ليشتد الحديث بينهما فقد وجه المذبوح عبارات اللوم للكولونيل أعبابو قائلًا «ما هذه الفانطازيا ليس هذا ما كنت أرغب به»، فقد كان المذبوح يسعى لانقلاب أبيض دون قطرة دم واحدة، وأن يحافظ على سلامة الملك الحسن الثاني وعائلته، بعد أن يمنحه مهمة اختيار المكان الذي يفضل أن يكون منفى له.

ليرد أعبابو على عتاب المذبوح بأنه أنهى الشطر الأول من المهمة، وأن ما تبقى سيكون على عاتق هذا الأخير، ليسأل أعبابو مجددًا المذبوح عن مكان الملك، فأجابه المذبوح أنه في مكان آمن تحت السيطرة، وتساءل أعبابو عما إذا كان الملك قد استسلم ليجيب المذبوح نعم، وورقة استسلامه في جيبي، وبينما كان الرجلان متجهان لمقابلة الملك كما أوهم المذبوح أعبابو، سقطت الحقيقة من لسان الجنرال المذبوح من شدة التوتر الذي كان باديًا عليه حينما أمر أحد الضباط بمحاولة تفتيش جنبات القصر جيدًا والممرات الخلفية، ما جعل الشك يسيطر على أعبابو الذي اتهم المذبوح بالخيانة وتخلص منه برصاصة واحدة أردته قتيلًا.

وبعد سقوط الجنرال المذبوح أصبح القائد الفعلي للانقلاب هو أمحمد أعبابو، الذي توجه مباشرة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لإذاعة خبر الانقلاب وسيطرة الجيش على الحكم، بعد أن أمر أخاه الأكبر محمد بالبقاء داخل القصر مع العساكر والاستمرار في البحث عن الملك واعتقاله، غير أن محمد لم يستمر في البحث، ولحق بأخيه على مقر الإذاعة، الذي وبخه وحمَّله مسؤولية ما يمكن أن يصيبهم من جراء سوء تخطيطه وإخلائه للقصر.

أدرك أعبابو أن محاولة الانقلاب باءت بالفشل، ليتوجه مباشرة للقيادة العليا، ليتبعه الجنرال البوهالي، فقد دار بينهما نقاش حاد، نتج منه تبادل إطلاق النار، أودى بحياة الجنرال البوهالي، وإصابة أعبابو إصابة ثانية، مع بقائه على قيد الحياة، حتى نادى أحد جنوده طالبًا منه أن يطلق عليه رصاصة الرحمة، تردد الجندي لكنه امتثل لأمر قائده بعد إلحاحه الشديد.

وبعد إمساك الملك زمام الأمور، وجد أربعة جنرالات وخمسة كولونيلات وكوموندو واحد أنفسهم أمام أمر بالإعدام من طرف الحسن الثاني، وذلك يوم 13 يوليو 1971، وربطت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة الاتصال المباشر بمكان غير بعيد عن شاطئ الهرهورة، لنقل عملية إعدام المتهمين في الانقلاب، الضباط السامون تلقت أجسادهم وابلًا من الرصاص من فرقة الرماة التي أفرغت رشاشاتها في صدورهم، وكان إصرار الملك على بث العملية على شاشات التلفاز بغرض معرفة الجميع مصير من خططوا للانقلاب على الملك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد