في دورةٍ تدريبية حرص بعض الزملاء على اقتناص شهادة الحضور، في حين كان المدرب يركز جليًا على المهارة المكتسبة. الشهادة تأخذ بيدك إلى الملعب، لكنها لن تلعب المباراة مكانك، وعندها ستجد أنك كنت تختال نفسك ولن تنتفع بالورقة التي بيدك. البحث عن الألقاب لا يستهوي العظماء من الناس، ولكنه مصيدة السذج وسراب يخدع المغبون.

خلع أبو نزار الحسن بن الحسن الصافي النحوي على نفسه لقب «ملك النحاة»؛ فهل انتفعَ بلقبه هذا؟! وقبل أن نستطرد في الإجابة عن هذا السؤال، فإن سيبويه والكسائي وابن هشام الأنصاري غيرهم لم يلصقوا أنفسهم بمثل هذه الألقاب، إلا أن أبا نزار قد سولت له نفسه أن اللقب يرضي غروره ويناسب علمه الواسع!

لم ينتفع ملك النحاة بلقبه المزعوم، وقد بلغ من حمقه كما ذكر ياقوت الحموي أن الملك العادل نور الدين زنكي قد أهدى ملك النحاة حلة سنية، فلبسها وقصد منزله. وفي الطريق رأى حلقةً عظيمة وبها رجلٌ يلاعب تيسًا ويمرِّنه على إشارات تعجب المشاهدين؛ فلما وقف ملك النحاة في الحلقة قال الرجل للتيس: هنا رجلٌ عظيم من أكمل الناس، وأعلم الناس، وأكرم الناس فأرني إياه! واتسعت الأحداق وصوبت النظر للتيس وهو يشق طريقه إلى الرجل المقصود؛ فإذا به يقف على ملك النحاة. استبد الطرب بملك النحاة؛ فخلع حلة نور الدين زنكي وألقى بها لصاحب التيس!

بلغ ذلك نور الدين زنكي فأرسل لملك النحاة وعاتبه على ما بدر منه؛ فقال له: يا مولاي! عذري واضح جلي؛ فإني مكثت في هذه المدينة زمنًا طويلًا، وبها زيادة على مئة ألف تيس، فما عرف قدري غير هذا التيس، فجازيته على ذلك.

الخواء الداخلي يحدو بصاحبه لتغليف هذا الخواء بمظهرٍ براق، وقد يتأتّى له ذلك من ادعاء ما ليس له من صفات، والالتصاق بمن تطمح نفسه للتحلي بخصائصهم، وقد يبالغ فيرمي من هم أعلى منه قدرًا ظنًا منه أن الحط من شأنهم يرفعه ويشرفه عليهم. وفي ذلك يقول الأوزاعي رحمه الله: «إذا سمعتَ أحدًا يقعُ في غيره، فاعلم أنه إنما يقولُ: أنا خيرٌ منه». وهذا يفسر إصرار البعض على إحاطة نفسه بعدد من الألقاب، وإن لم تكن حقيقية بالمرة إلا أنها تجمِّل التشوه الداخلي الذي يعانيه. خلال القمة العربية الحادية والعشرين والتي عقدت في مارس 2009 بالدوحة، أطلق القذافي على نفسه لقب «إمام المسلمين»، ومن قبلها خلع على نفسه لقب «عميد الحكام العرب»، فضلًا عن عددٍ كبير من الألقاب التي لا معنى لها.

يعد وجود ملك النحاة وإمام المسلمين من النماذج التي ينفر منها كل شخص سوي؛ فالأسوياء لا تسرقهم الألقاب وإنما يركزون على أفعالهم؛ فهى الأبقى على مدى التاريخ. يوسف عليه السلام أجاب إخوته بتواضعٍ تخجل أمامه كل ألقاب الدنيا فقال: «أنا يوسف».

ما قيمة الناس إلا في مبادئهم *** لا المالُ يبقى ولا الألقابُ والرتب

الجوعى للألقاب هم أقل الناس عملًا لنيل هذا اللقب، بينما من يجتهدون في أعمالهم لا يلتفتون للألقاب. ثمة علاقة عكسية بين قوة العقل وخوض اللسان في الأمور، والتهافت على الألقاب وضيعها ورفيعها؛ فكلما كان العقلُ أرجح، كانت شهوة اللقب أقل والعمل الدؤوب أكبر. لا يكن همُّك جمع الألقاب، واحرص جاهدًا أن تنمي مهاراتك وأن تطور ملكاتك الإبداعية؛ فإن كانت الشهادة تساعدك على دخول المباراة؛ فإنها لن تشفع لك إذا كان أداؤك متواضعًا. إتقان المهارة يفيدك أكثر من مجرد شهادة حضور أو لقب يسهُل شراؤه.

الشهادة تعبير عن مظهر خارجي، والتمكّن من المهارة مخبرٌ قوي؛ فاحرص على المخبر ولا تضيعه وأنت تلهث وراء المظهر. فحوى كل عمل نمارسه أهم كثيرًا من مجرد المظهر، والنجاح يرتبط بالمهارة أكثر من ارتباطه بالشهادة وحدها؛ فكن حريصًا على إتقان المهارة، وعندها ستجد اللذة التي لن تمدك بها ورقة كرتونية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد