السلخ يسبقه بالضرورة نفخ من المؤخرة. هكذا أبصرت بعيني في عيد الأضحى المبارك.

كنت صغيرًا لم أع ماذا يفعل الجزار حينما وضع المنفاخ في مؤخرة الخروف، سرت بخيالي حتى وقفت أمام دكان عم مجدي أرتجفُ، بعد ربع ساعة من تأجير إحدى دراجاته التي كنت أحلم باقتناء مثلها، لم يفاجأ بحضوري المبكر قبل انتهاء مدة إيجاري بثلاثة أرباع ساعة.

أخبرني وهو يحاول إصلاح كاوتش العجل النائم على قارعة الطريق بلا مأوى، أنه كان يعلم منذ أن رأني بأن شيئًا ما سيحدث، فقدا بدت على وجهي علامات البلادة، وقال لي نصًا «باين إنك لخمة وما بتعرفش تتصرف» ابتلعت الإهانة فقد كان اهتمامي منصب نحو أسئلة ملحة تحتاج الى إجابات فورية لم يسعفني عقلي للرد عليها.

هل سيسمح لي بإكمال ساعة إيجاري بعد أن أتلفت كاوتش العجلة؟ هل سيقتص من الساعة عقابًا لي؟ هل سيغرمني أموالًا لا أملكها؟ كيف سأواجه أبي بالغرامة المالية وأنا أعي جيدًا ما يعانيه من أجل توفير الطعام وإعطائي عيدية أنتظرها في العام مرتين كي أستأجر بها «عجل»؟ هل مع أبي نقود أم أنه سيُعاقب هو الآخر على إفلاسه؟ أو ربما تلك المرة سيُعاقب على أبوته.

زال القلق نوعًا ما حينما رأيت المنفاخ يستقر في بلف العجلة والكاوتش يصحو من فوق الأرض معلنًا استيقاظه واستعدادة لمواصلة العمل من جديد، لم أخبر أبي لأنه حتمًا كان سيمنعني من تأجير «عجل» مرة أخرى وسيعيدني إلى تأجير «الكرنك» المعدني ذي الأربع عجلات من عند أم متولي صاحبة دكان الكرنكات الذي تبيع إلى جواره عيدان القصب وهي تثرثر مع صديقاتها من ساكنات الحي، كان سيحتج حينها أنني لازلت صغيرًا على ركوب العجل وأن الكرنكات أنسب لتلك المرحلة من عمري.

خصمَ عم مجدي وقت إصلاح الكاوتش من وقت إيجاري، فلم يتبق لي غير ربع ساعة، كنت أسير فيها على مهلٍ خوفًا من مصادفة مسمار أو زجاج محطم أو أي من الأشياء الحادة. كانت تلك هي تجربتي الوحيدة مع المنفاخ والنفخ قبل أن أرى خروف العيد، عاد خيالي سائرًا من دكان عم مجدي إلى موقفي وما زلت متسائلًا عما يحدث للخروف.

بعد فترة أدركت أن نفخ الخروف قبل سلخه هو أحد أركان إتقان الصنعة لأن النفخ يتيح للسالخ تقليل قِطَع اللحم المتعلقة بالجلد إثناء انفصالهما، لأن الجلد يشتد عوده بالنفخ ليسّهل عملية الإنفصال دون زوائد تقلل من قيمة الجلد أثناء بيعه لصانعي الفرو النسائي غالي الثمن.

هناك حكمة تعلمتها أثناء ممارستي لفعل الرمرمة – أي اعتياد أكل الشوارع رديء الجودة حلو المذاق إلى درجة الإدمان – ألا ينبغي أن أرى البائع وهو يصنع الطعام بيده لأنني حينها سأتقيأ قبل أن ينفذ الطعام من البلعوم إلى المصران الغليظ، لذلك فعندي ما يشبه اليقين ان تلك السيدة التي تصول وتجول في مولات مصر لشراء فرو الحيوانات أنها غير مطلعة على عملية السلخ وإلا ما دفعت فيه قرشًا واحدًا.

الحقيقة أنني كباقي البشر متناقص، أتعاطى بازدواجية واضحة مع فعل النفخ، فمرة يطرب له قلبي أمام عم مجدي، والأخرى ترتعش أطرافي خوفًا أمام الخروف.

في عيد الأضحى يتحول كل العاطلين إلى جزارين، لسد الفجوة بين عِظَم الطلب وقلة العرض، لذلك قلما تجد من يتقن عملية السلخ لأن معظم السالخين دون خبرة حقيقية وحتى أصحاب الخبرات وهم قلة يحاولون الإسراع ليوفّوا بجميع عهود السلخ، فالوفاء هنا مقدم على الإتقان.

هناك عرفٌ سائد بين الجزارين، ألا تُظهر حيوان يُذبح إلى آخر ينتظر الذبح، حتى لا يثور، وهو عرف وإن كان يُطبق على معشر الحيوان إلا أنه ناتج خبرات متراكمة في عالم الإنس، ويُعد تطبيقه على الحيوان أسهل نوعًا ما لأن الحيوانات لا تتكلم – أو هكذا يبدو لنا – فتكون ثورتها صامتة، أما عن هياج الجسد فيسهل السيطرة عليه بالتكتل، ولكن غاب عن العرف أن يُمنع الحيوان من رؤية أخيه الحيوان يُسلخ بتلك الطريقة الوحشية فاقدة المهارة، فلو أنها أوتيت قدرة الكلام أو أوتينا نحن قدرة فهم الحيوانات لسمعنا سبابها لقليلي الخبرة والمتسرعين السالخين دون رحمة، ستجدهم يستنكرون السلخ دون حرفية، ولن يعترضوا على فعل السلخ نفسه لوعيهم بضرورته بعد الذبح، سيصرخون فقط في وجوهنا أن إكرام الميت سلخه بعناية ومهارة، وهو كحيوان لن يعي بالضرورة إمكانية السلخ قبل الذبح التي ربما هي عرف آخر في عوالم اخرى. فليت كل المسلوخين موتي كالخراف وليت كل السالخين متقنين كالجزار.

إن رؤية البشر وتعليقاتهم على عملية السلخ متنوعة، فمنهم من يمر على ناصية الطريق، حيث تتم إحدى تلك العمليات، فيستنكر حدوثها على الطرقات ويندب حظه الذي أوقعة مع شعب همجي جعله يطأ الدماء بقدمه ويشم رائحة الروث التي تصعد حتى غرف النوم المغلقة. ثم يمر آخر فتجده متلذذًا بمشاهد السلخ وإراقة الدماء، ويتمنى ألا تنتهي تلك اللحظة وما يستتبعها من لذة وكأنه جائع لا يشبع.

وتجد آخر يمر على جمع فيقف ليرى ماذا يحدث ويتساءل عن سبب التجمهر، ثم يستنكر الشعب التافه الذي يتجمع على سفاسف الأمور ويترك المكان باحثّا عن شيء أكثر عمقّا يتلهى به. ويمر أحدهم فلا يستطيع مجرد رؤية الدماء تسيل فيغمض عينيه ويمسك بذراع صاحبه حتى يصل به إلى بر الأمان مستنكرًا قدرة الناس على رؤية الدماء وتلك المناظر البشعة في حين أن صاحبه يتحرى شوقَا وفضولًا لمعرفة طرق الذبح والسلخ ويتطلع على مهارات وخبرات لم تمر عليه من قبل ويخفي عن صديقه مرهف الحس قراره بالعودة إلى مكان التجمهر بمجرد توصيله إلى بر الأمان.

ويمكنك أيضًا ملاحظة صنف آخر يفحص الموقف لتقييم جودة الذابح وانتقاده، فتراه يتلمس الأخطاء ليظهرها ويقف عندها ويشرحها لمجاوريه حتى أنه لا ينتقد الأفعال فقط ولكنه يتطرق إلى حركات يد السالخ وكيف أنها لا تمُت للاحتراف بصلة، وأن السالخ الجيد يظهر من ضربة سكينته، لا سيما وقفته أمام ضحيته، ثم يتباهى بالجزارين الذي يعرفهم وكيف أنهم أساتذة محترفون في مجالهم ليسوا كذلك الهاوي. وأحدهم ينظر إلى الخروف بشفقة وتكاد الدموع تفر من عينيه ويتخيل أحواله قبل الذبح والسلخ وكيف كان يلعب مع أقرانه الخراف ويلهو، وهو لا يعي أن لحظة ما سوف تأتي عليه جسدًا بلا روح، ويتخيل أقرانه وعائلته التي حتمًا تفتقده الأن، ويذهب ولا تزال غصة في قلبه وحزن ثم يُخرج هاتفه وسماعة الأذن ويستمع لسلسلة من الأغاني الحزينة التي تؤجج مشاعر الشجن إلى أن يصل إلى وجهته.

وهناك من يرى في التجمع دليلًا دامغًا على ما في هذا الشعب من محاسن فيتجمعون ويشاركون ويساعدون حتى وإن لم يربطهم بالذابح صلة قرابة، ثم ينظر إلى الجزار وبشاشة وجهه التي تكون كافية عنده لإثبات صلاحه ومهارته الحاذقة في الذبح مع أنه لا يعي من أصول المهنة شيئًا. يمكنك أيضًا أن تجد أحدهم يقف قريبًا من السالخ صامتًا ولكنه يتجه بجسده يمينًا ويسارًا كلما اتجه السالخ وكأنه ظله وحينما تقف أمام السالخ عقبة تجده يجز على أسانه وكأنه يساعده لمرور تلك العقبة، والحقيقة أنك مهما حاولت شق صمته للتعرف على ما يدور في عقله ستصير كل محاولاتك بالفشل لأنه في الأصل يفكر بجسده لا بعقله.

أما عن أصحاب الأضحية فهم أيضًا متنوعون في ردود أفعالهم، فستجد أحدهم ينظر إلى الذبيحة أثناء سلخها فيدور عقله في حجج يمكنها أن تقنع زوجته في إعطاء والدته جزء من الكبد والقلب وقطعة كبير من لحم الموزة التي تقدسه، هو يعي ذلك الصراع الدائم على أفضل قطع الذبيحة، وفي نفس الوقت يخشى على نفسه من نفوذ زوجة أخيه التي بالتأكيد مشغولة الآن بالتدبير للحصول على أفضل مناطق الذبيحة، أما أخوه فمشغول مع الجزار للتأكد من سلامة صنعته ومهارته لإحساسه بالمسئولية تجاه العملية كلها ولا يحمل هم التقسيم لمعرفته بكفاءة زوجته في ذلك الأمر، أما الأم المتفرجة من وراء شيش النافذة فتتساءل هل سيُهدر حقها بين زوجات أبنائها ككل عام أم ستحدث معجزة من السماء لإنقاذ نصيبها المهدور، أما زوجة الأول فمنهمكة بتحضير بيان بأقاربها من الأهم إلى الأقل أهمية للتأكد من وصول نصيبهم من الذبيحة قبل حتى نصيبها، والزوجة الثانية تجلس مسترخيه لا تهتم سوى بتقليم أظافرها والاهتمام بزينتها أما عن التقسيم فلا تقلق منه لأن كلمة منها على العائلة بأكملها قادرة على تغيير الدفة نحوها.

كل هؤلاء وأكثر منهم ينتظرون سقوط الخروف وفي بعض الحالات العِجل، ليتجمهروا حوله ويُدلي كل منهم بدلوه الممتلىء حتى يفرغ ثم يذهب إلى مكان آخر ليتجمهر على ذبيحة أخرى ليفرغ دلوًا آخر، وهكذا لا يشغل بالهم سوى أجساد معلقة على حبال تُسلخ فيشيرون بالبنان ويفكرون بالعقول ويدبرون محسني ومسيئي النوايا ويفرغون كلامًا على إختلافه إلا أنه يتفق على ضحية واحدة الكل يسعى للنيل منها.

منذ أيام وبعد مرور ما يقرب من 30 عامًا من واقعة الخروف، كنت اتصفح الجريدة اليومية داخل أوتوبيس يقلني من مكان بيتي إلى عملي فقرأت خبرًا عن حبس عامل نَفَخَ مؤخرة صديقه بـكومبروسر، فعلها الأول في الثاني مازحًا في مقر عملهما. قرأ الراكب الجالس خلفي الخبر بصوت عال حينما كان يتلصص على جريدتي، فضحك الركاب وتناول بعضهم الخبر كلٌ بطريقته:

قال الأول مازحًا: «ما يمكن أخينا ده كان خروف من بتوع اليومين دول ويستحق النفخ».

فرد الثاني كبير السن بوقار: «هو احنا كل حاجة كده واخدينها تريقة، اتقوا الله يا جماعة الراجل بين الحيا والموت».

فتدخل ثالث مدافعًا عن الأول وموجهًا حديثه للثاني: «انت بتدافع عنه ليه أوعى تكون خروف متخفي».

فرد شاب رابع كان يجلس بجوار الثاني ويبدو أنه كان ابنه أو ذا صلة قريبة، ما تحترم نفسك بدل ما تعرف شغلك».

أراد خامس أن يلطف الجو بين الجميع: «يا جماعة وحدوا الله انتوا حتتخافقوا عشان حتة خبر في الجرنان».

فقال الجميع بصوت واحد لا إله إلا الله، ومُنع اشتباك كان وشيكًا.

ثم أكملوا النقاش فقال راكب جديد: «هو يعني الجرايد اليومين دول مش لاقية حاجة تتكلم فيها تقوم جايبة خبر تافة زي ده، ما يشوفوا الناس عايشة ازاي ومشاكلها ايه بدل الاخبار دي».

فرد آخر كبير السن: «أنا ما عنديش مشكلة مع الخبر على قد ما أنا عندي مشكلة مع كلمة مؤخرة اللي هما كاتبينها دي، يا اخي الملافظ سعد وده جرنان يكتبه الكلمة دي على الملأ، طب يقولوا الخبر من غير تفاصيل».

فرد مراهق: «يا حاج دي كلمة عادية ما فيهاش حاجة انت ماعندكش فيسبوك والا إيه».

بمجرد أن رد عليه الحاج مبديًا عدم رغبته في امتلاك ذلك الكائن «اللي بيقولوا عليه فيسبوك» حتى وجدنا أخًا ذا صوت جهور يتحدث باللغة العربية مبديًا أسفه من الأخطاء الإملائية والنحوية التي كتب بها الخبر.

بت أنصت لهم متلفتًا نحو المتحدث حتى وصل الأوتوبيس إلى محطة عملي. نزلت وصورة وحيدة تلازمني لخروف يجلس في السرير المقابل للعامل في المستشفى يُعالج من النفخ هو الآخر ويتسامران، وفي آخر اليوم مررت على أحد باعة مستلزمات أعياد الميلاد قبل عودتي للمنزل اشتريت منه منفاخ بلالين لزوم عيد ميلاد بني ذي السبع أعوام.

إن عملية السلخ تابعة للذبح التي هي بالضرورة مرتبطة بالقدرة المادية لشراء المذبوحين – قليلي الحيلة أو معدوميها – لذلك فإن المقدرة في أحيان كثيرة لا علاقة لها بالعفو، فالقادر هو الوحيد الذي يذبح ومن ثمَّ يسلخ، ولهذا فالمثال الصحيح في تلك الحالات إنه «يا بخت من قدر وسلخ لأن كل القادرين في مجتمعنًا يسلخون ولا عزاء للحيوانات».

إن عملية السلخ في مجتمعنا حتمية لا مفر منها، ولكن المؤسف في تلك الأيام أن السالخين يفتقدون إلى المهارة والخبرة فتخرج الذبيحة بين أيدهم مشوهة فيا أيها السالخ: إن كان لابد من مماسة تلك المهنة، حافظ على أصولها وراع مشاعر المسلوخين، ولا تقع في أخطاء المبتدئين باستخدام السلخ قبل النفخ، هذا خطأ، ولا يصح إلا من المعتوهين، ولتتبع قواعد الأولين أصحاب البصيرة المحترفين الذين سنوا قواعد السلخ وضرورة النفخ. لا تجعلوا الأوباش يجرونكم لرذيلة الاستسهال فتهلكوا وتزول مهنتكم وتتسول عائلاتكم وينقرض نسلكم، أيها السالخ لا ترضى بأبخث الأثمان فصنعتك مطلوبة ورؤية السلخ من الأمور المحبوبة.

أيها السالخ إن جمهورك عظيم، فلا تقنع بالقليل، واجتهد مع المجتهدين، واخش على نفسك من الاستبدال واعلم أن الجمهور يعشق الجدال، فأنصت، وإن كان لابد من حديث فلتسخر معهم على نفسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد