بعد أيام فقط من انتشار خبر إصابة 17 طفلًا بالسعار بعد ممارستهم الجنس على أنثى حمار في إحدى القرى نواحي مدينة سيدي قاسم المغربية، ظهر في شبكات التواصل الإجتماعي شريط فيديو يظهر عددًا من الأشخاص يعتدون جنسيًا على فتاة مختلة عقليًا في حافلة نقل عمومي بالعاصمة الاقتصادية للمغرب، دون أي تدخل لحظي لمساعدتها، هذه الحادثة أثارت نقاشًا واسعًا حول الوضع الأمني ومدى فاعلية القوانين المتعلقة بهذه النوعية من الحوادث، لكنها ليست الأولى ولا الأخيرة.

فبالرغم من فظاعتها لم تكن الأسوأ في تاريخ حوادث الاغتصاب الجماعي، سواء في المغرب أو في العالم بشكل عام، إذ إن من الطبيعي ظهور أفراد ذوي ميولات غير سليمة، ليشكلوا مع الوقت جماعات تهدد حقوق الآخرين وسلامتهم السيكولوجية والبدنية، سواء عبر الإيذاء المباشر للغير أو نشر ثقافة الانحراف والفساد عبر التأثير على كل فرد يتعامل مع هذه الجماعات فيما يعرف بتأثير الجماعة، فيما أن كل العالم يشهد الحوادث الشاذة الإستثنائية بين الفينة والأخرى، ومن بين الأمثلة على ذلك حادثة الاغتصاب الجماعي في القطيف السعودية سنة 2006 وحادثة أخرى في دلهي الهندية سنة 2012، بالإضافة إلى حوادث الاغتصاب الجماعي التي شهدتها عدة بلدان مرت بما يسمى الربيع العربي.

المغرب على وجه الخصوص شهد حوادث لا تعد ولا تحصى من هذه النوعية في السنوات الأخيرة، فلا زال سكان مدينة طانطان يتذكرون واقعة الاغتصاب الجماعي الذي كانت ضحيته فتاة في مقتبل العمر، تعرضت للاختطاف والاعتداء الجنسي الجماعي من قبل عصابة أفادت تقارير صحفية بأنها تتكون من عشرة أفراد، وقبل هذه الحادثة بثلاث سنوات، جريمة اغتصاب جماعي لفتاة في طنجة على يد عصابة مكونة من 7 أفراد.

وتبقى هذه بالرغم من فظاعتها مجرد أمثلة، فعدد الدعاوي القضائية المتعلقة بقضايا الاغتصاب خلال السنوات الماضية تجاوز الألف حسب أرقام رسمية، وما خفي كان أعظم، فطبيعة المجتمع لا تشجع الضحية على الولوج للقضاء، بل ترغمها على التستر وإخفاء معالم الجريمة وراء مفاهيم عديدة كالشرف الذي تعتقد فئات تشكل الأغلبية في المجتمع أنه يقتصر على جسد الفتاة.

لذلك فعدد الحالات المسجلة لا يغدو أن يكون واحدًا من المئة، دون احتساب حالات التحرش التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية بسبب كثرتها، إذ إن الأنثى في بعض المدن قد تستغرب إن لم تتعرض لأي تحرش لفظي بعد خروجها إلى الشارع، لا لعيب فيها، بل لوجود إنحطاط جماعي يطغى على سلوكات شريحة كبيرة من المجتمع وراء تبريرها التافه بأن هذا الانحطاط الذي يمارسه الذكر أحيانًا راجع لضعفه الطبيعي أمام رغباته الجنسية ولباس الفتاة غير المحتشم.

لكن هل بالإمكان اعتبار المشكل اجتماعيًا فقط؟ لا، هو الجواب الذي تؤكده الأرقام والتقارير الرسمية، فعدد كبير من مرتكبي جرائم الاغتصاب لقوا تساهلًا من طرف السلطة القضائية، إذ إن العقوبات التي ينص عليها القانون ضد مرتكبي هذه الجرائم لا تكفي حسب جهات حقوقية، فالبند 486 من القانون الجنائي المغربي ينص على ما يلي:

الاغتصاب هو مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، ويعاقب عليه بالسجن من خمس الى عشر سنوات، غير أنه إذا كانت الضحية قاصر أو عاجزة أو من ذوي الإحتياجات الخاصة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حامل، فإن الجاني يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة، لكن الإشكال لا يكمن بالتحديد في هذا البند الذي يعد متساهلًا مقارنة بقوانين الدول الرائدة في المجال الحقوقي، إذ إن الرجوع إلى هذا البند يبين كيف يعتبر القضاء كل اعتداء جنسي لا يتم فيه الوقاع الذي يرادفه الاتصال الجنسي الكامل بالضحية أو الإيلاج بلغة أوضح ليس اغتصابًا.

حسب هذا البند مصير من تعرضت رغمًا عنها لاتصال جنسي غير كامل يختلف عن مصير التي تعرضت للاتصال الجنسي الكامل؟ إن كان الجواب نعم فهذا القانون لا يستند إلى أي مرجع علمي متخصص ويعالج الظاهرة من زاوية ضيقة لا يبلغها المشهد بأكمله، إن هذه المفارقة تضع المهتم بالشأن القانوني أمام إشكال معقد، بل تضع مدى جدية السلطات المغربية في محاربة هذه الظاهرة موضع شك ونقاش.

فجرائم الاغتصاب تحدث في كل مكان في العالم، لكن ما لا يحدث في كل مكان هو أن يفلت الجاني بنفسه أو يأخذ عقوبة خفيفة دون أي تعويض للمجني عليه، أو بتعويض لا يكفي ليحقق نصف العدالة، لأن من الصعب تحقيق العدالة بالصورة الكاملة التي تعيد للضحية راحتها النفسية وكرامتها في محيط يعتبر الأنثى مجرد جسد، إن مسه سوء أصبحت معاقبة مدى الحياة على جريمة كانت فيها الضحية، ليعيش المجرم بشكل طبيعي بعد أن ينهي عقوبته الخفيفة في وسط يسامح الرجل مهما أجرم، ويحاسب الأنثى ولو لم يثبت عليها ارتكاب أي جرم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد