بسم الله الرحمن الرحيم

تصور عن قضية ترتيب خلق السماوات والأرض في القرآن العظيم.

مقدمة

انطلاقًا من إيمان راسخ بأن كتاب الله جل وعلا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه كتاب معجز صالح لكل عصر هدى للناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو في حد ذاته معجزة قائمة بذاتها تتجدد إثباتًا لربوبية النص، ونبوة رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وإيمانًا أن رب القرآن والمتكلم به هو رب العالمين الخالق والمدبر والعليم، فلابد ألا يوجد أي تناقض أو خلاف بين ما يذكر في القرآن من آيات الله ومعجزاته في الخلق، وما يستقر عليه العلم الحديث من معلومات موثوقة مؤكدة.

فكان لابد عن إزالة أي لبس يشوب الفاهم من كلام الله بالشكل الذي يبدو في ظاهره متناقضًا مع العلم الحديث، ولكنه لا يعدو في باطنه عن تلبس في الفهم.

ومن القضايا التي اختلف فيها كثيرًا بين أهل التفاسير، سواء من المتقدمين (قبل الاكتشافات العلمية) أو المتأخرين (بعد الاكتشافات العلمية)، والتي قد يتشدق بها عن غير فهم مدعي الإلحاد للخوض في صحة النص القرآني، هي قضيه ترتيب خلق السماوات والأرض، وتفصيل القرآن لذلك الأمر ترتيبًا وتفصيلًا. وهنا تأتي أهمية هذا المبحث الذي أسأل الله أن يوفقني في تناوله للوصول إلى تصور منضبط بالأحكام الشرعية، وقواعد اللغة، والحقائق العلمية في تناغم وتناسق مشتق من أصل إبداع الله في كونه. ووجب التنويه قبل الخوض في التفاصيل أن هذا التناول يهتم أكثر بالتأصيل اللغوي والشرعي، ولذلك سأستدل على كل خطوة في بناء هذا التصور بأدلة لغوية وشرعية، ولن أتطرق لأدلة علمية لما هو أصبح معلومًا من العلم الحديث بالضرورة، ولكن سأعرض عنه كحقائق مثبتة يستطيع القارئ التحقق منها بسهولة.

التصور العلمي

بات من المعلوم في العلم الحديث بالضرورة أن الأرض جزء من المجموعة الشمسية، والتي بدورها جزء من مجرة درب التبانة، وهي الأخرى جزء من الكون الفسيح، وكل هذا يعلو رؤوسنا، ويصح أن يطلق عليه لغة سماء (1)، ومن المنطقي تمامًا أن يتصور الباحث أن الأرض كجزء أصيل من هذا النظام لا يمكن أن تكون سابقة له في الخلق والتكوين ابتداء، ثم يبني فوقها بناء السماوات، ويصبح ادعاء ذلك مشابهًا لأن يأتيك أحدهم قائلًا: إن قلب الإنسان تم خلقه أولًا، ثم بعد ذلك بني تركيب الإنسان فوقه، وإن كان من الوارد أن يكون أسبق لغيره في الخلق والترتيب، ولكنه كجزء من الجسد ليس مستقلًا عنه، ولا يتصور تمام بنائه، ومن ثم بناء الجسد فوقه، إذ إن بناءه أصلًا يعد من بناء الجسد ذاته.

وإن كان يقصد بالسماوات ما يعلو رؤوسنا من الغلاف الجوي، والسحب، وغير ذلك، فمقبول بسهولة تصور أن خلق هذه المنظومة بالفعل تالية لخلق وتكوين الأرض؛ لأنه من غير المنطقي تصور وجود غلاف لما هو ليس موجودًا أصلًا. وإن كان جائز أن تكون بعض آيات القرآن تقصد بالسماء الغلاف الجوي، وإحكام إتقانه ودوره الهام للحفاظ على الحياة على هذا الكوكب، إلا أن الآيات التي سنركز عليها في مبحثنا هنا، ونستدل بها يتضح للمدقق أنها لا تقصد تلك السماء القريبة، ولكنها بوضوح جلي تتحدث عن الكون. ومن تلك الآيات الكريمات «قُلۡ أَىِٕنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥۤ أَندَاداۚ ذَ ٰ⁠لِكَ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ. وَجَعَلَ فِیهَا رَوَ ٰ⁠سِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَـٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَ ٰ⁠تَهَا فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّام سَوَاۤء لِّلسَّاۤىِٕلِینَ. ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡها قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤىِٕعِینَ فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَات فِی یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَـٰبِیحَ وَحِفۡظاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ» (فصلت 9 – 12) حيث يدفع عن القارئ تصور أن المقصود بالسماء الدنيا هي الغلاف الجوي لأنها زينت بالمصابيح والمقصود بها النجوم أو الكواكب (2) ومن المعروف أنها أبعد كثيرًا من الغلاف الجوي.

خلاف أهل التفسير والآيات الحاكمة

ذكر الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في القرآن كثيرًا كدليل معجز مبدع للخلق والربوبية وكي لا يطول المبحث كثيرًا سندقق في أكثر آيات حاكمة للموضوع، فصل الله جل وعلا فيها الترتيب بدقة، ألا وهو: الآية سابقة الذكر من سورة فصلت، بالإضافة إلى الآيات التالي ذكرها:

«هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰ⁠ت وَهُوَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیم» (البقرة 29).

«ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَاۤءُۚ بَنَىٰهَا. رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا وَأَغۡطَشَ لَیۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا. وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ دَحَىٰهَاۤ. أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَاۤءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا. وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا. مَتَـٰعا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَـٰمِكُمۡ» (النازعات 27 – 33).

«ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّام ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیّ وَلَا شَفِیعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ یَعۡرُجُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡم كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ. ذَ ٰ⁠لِكَ عَـٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ» (السجدة 4 – 6).

«وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشا فَنَقَّبُوا۟ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ هَلۡ مِن مَّحِیصٍ. إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِید. وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّام وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب. فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ. وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ» (ق 36-40).

فهناك قولان في مسألة ترتيب الخلق

أولهما: ما ذهب إليه ابن عباس أن خلق الأرض قبل خلق السماء بنص آية فصلت، وَبِهَذَا أَجَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ تلك الآية مِنْ صَحِيحِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ:وَقَالَ الْمِنْهَالُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ وَقَالَ: «أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا» إِلَى قَوْلِهِ: «دَحَاهَا» [النَّازِعَاتِ: ٢٧ -٣٠]، فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ [خَلْقِ] الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: «قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» إِلَى قَوْلِهِ: «طَائِعِينَ» فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ؟ فرد حبر الأمه ابن عباس رضي الله عنه قائلًا: خَلَقَ الله الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَى الْأَرْضَ، ودَحْيُها: أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجَمَادَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «دَحَاهَا» وَقَوْلُهُ «خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» فَخُلِقت الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ. (3) وهَذا الجَمْعُ الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ بَيْنَ ايتين السجدة والنازعات واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، مَفْهُومٌ مِن ظاهِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ إشْكالٌ مِن آيَةِ «البَقَرَةِ» سابقة الذكر والعلم الحديث أيضًا.

وثانيهما: ما ذكره الإمام ابن القيم الجوزي في تفسيره لآية سورة البقرة عن ما ذكرة قتادة ومقاتل والسدي وغير واحد من أن خلق السماء يسبق خلق الأرض (5، 4) ومن قال بذلك دفع الترتيب عن آية البقرة وهو ما ذكره ابن عاشور في تفسير تلك الآية إن (ثم) أحيانًا يستخدمها العرب لغير التراخي الرتبي وكان نص قوله: (فَأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ إذا كانَتِ السَّماواتُ مُتَأخِّرًا خَلْقُها عَنْ خَلْقِ الأرْضِ فَثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ مَعَ التَّراخِي الزَّمَنِيِّ، وإنْ كانَ خَلْقُ السَّماواتِ سابِقًا فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا غَيْرَ. والظّاهِرُ هو الثّانِي). وساق على هذا الاستخدام لدي العرب أمثلة كثيرة نذكر منها قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:

جَنُوحٌ دِفاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَتْ لَها كَتِفاها في مُعالى مُصَعَّدِ (4).

بناء التصور الجديد وتأصيلاته اللغوية

وهنا قد يسأل السائل، لما لابد التدقيق وإعادة النظر؟ وأجيب بأن ربنا جل وعلا أنزل كلامة ليناسب كل جيل وكل عصر وأجمل سبحانه وتعالي كثير من الأدلة الكونيه لثبوت ربوبية هذا الكلام ولابد دائمًا علينا أن نعمل على إبقاء تلك الآية قائمة. وهنا قد يستشكل آخر! أليست هذه محاولة لمواكبة النص القرآني للعلم ولي لعنق النص ومحاولة تحميلة أكثر مما يحتمل؟ ويكون رد هذه الدعوى أن والله ما هذا إلا دليل إعجاز واضح في القرآن العظيم حيث إنه كتاب نزل على قوم لا يعرفون من العلم شيئًا وكان مفهومًا ومعجزًا ومخاطبًا للقلب والعقل والروح، ومع ذلك يشير إلى إعجازات عظيمة في الخلق نعرفها في يوم الناس هذا ويقرأ آياتها الناس من أكثر من 1400 عام، ولا يستحيل فهمها عليهم، ولهذا ابتعد القرآن العظيم عن المباشرة الصريحة لما قد يعجز العقل عن فهمه في هذا العصر، ولو أن القرآن صرح بمعجزات خلق ستكتشف بعد ألف عام من يومنا هذا لاستحال علينا فهمه (تخيل أنك تصف الهاتف النقال لشخص من ألف عام) والإعجاز في عدم محالاة العقول واستمرارية الصحة وعرض الآيات الكونيه وعظمتها لعين الرائي في كل عصر وعدم التناقض وذكر نفس الخبر في غير موضع كلها آيات لألي الألباب.

ولهذا السبب وغيره والله أعلى وأعلم توجد آيات في القرآن يشتبه على القارئ فهمها الكامل ولربما ذلك لأن فهمها الكامل سيكون في عصر غير عصر القارئ «هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰت مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰت فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّ ٰ⁠سِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ» (آل عمران 7).

أما عن مسألة ترتيب خلق السماوات والأرض فسنعرضها في هذه النقاط:

أولًا: ماذا تعني كل خلق لغة؟ إن الخلق إما الإبراز من عدم، وهو الشائع والمفهوم عند أغلب عصرنا أو أنه التقدير، وهو ما قل استخدامه حاليًا، وقد لا يلتفت إليه الكثيرون، وهو ما يبدو واضحًا في قول زُهَيْرٍ في مدح شخص:

وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

أي أنت تنفذ ما قدرت وبعض القوم يقدر ولا ينفذ. (6)

ثانيًا: بعض الآيات تشير بوضوع للإحكام الدقيق وإحكام الخلق والتصميم وليس التنفيذ والإيجاد وبالطبع تلك مرحله سابقة للتنفيذ ومن الطبيعي بل والمنطقي أن يكون تصميم الأرض بكل دقة سابق لتصميم ما حولها (سيتبين ذلك جليا في المثال التالي)، بل أن يأتي تصميم ما حولها في مرحلة بعد تصميمها حتي يكون متسقًا معها مسخرًا لخدمتها. أما مرحلة التنفيذ فهي مرحلة أخرى تتلو التصميم ويكون فيها التنفيذ للعام والأكبر بداية (الكون والسماوات) ثم يأتي تنفيذ خلق الأدق والأصغر (الأرض).

ونخلص مما سبق بتلك القاعدة: إذا تقدم في ظاهر النص خلق الأرض على السماء فالمقصود بالخلق هنا هو التقدير والتدبير والتصميم وإذا تقدم في ظاهر النص خلق السماء على الأرض فالمقصود بالخلق هنا هو الإبراز من العدم وتنفيذ ما تم تقديره وتصميمه مسبقًا.

ولنتأكد من صحة هذا التصور لابد من عرضه على آيات القرآن واختبار هل سينجح في تفسيرها جميعها أم لا؟

«قُلۡ أَىِٕنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥۤ أَندَاداۚ ذَ ٰ⁠لِكَ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ. وَجَعَلَ فِیهَا رَوَ ٰ⁠سِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَـٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَ ٰ⁠تَهَا فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّام سَوَاۤء لِّلسَّاۤىِٕلِینَ. ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡها قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤىِٕعِینَ. فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَات فِی یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِی كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَـٰبِیحَ وَحِفۡظاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ.» (فصلت 9 – 12).

أي أن الله تبارك وتعالى قدر وأبدع وأحكم تصميم الأرض وجعل في هذا التقدير الرواسي والبركة والأقوات، ثم استوى أي قصد، وأقبل إلى السماء وهي ما زالت في طور الدخان (وهو ما يتفق مع نظرية الانفجار العظيم)، وهنا جاء الأمر الإلهي بالتنفيذ على الحقيقة لما كان قد صمم وقدر من قبل بقول الله تعالى (ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡها) فاستجابت مخلوقات الله جل وعلا لتدبيره وتقديرة فقالتا (أَتَیۡنَا طَاۤىِٕعِینَ)، واستمر قضاء الله في التنفيذ في السماوات السبع، وأوحى الله لكل سماء قوانينها ومقدراتها، وزين السماء الدنيا بتلك المصابيح من الكواكب والنجوم. أما الأزمنة الواردة في الآية فهي إشارات على نسبية الزمان، وهو الأمر الثابت لدينا الآن من نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين فالزمن يختلف تبعًا لسرعة الشيء المتحرك، وأصلًا الزمن مفهومه غاية في التعقيد خارج الأبعاد المفهومة لدينا كبشر (البعد الثلاثي، مضافًا إليه الزمن) ففي أبعاد خماسية، أو سداسية، أو أكثر نجد أن كل شيء يختلف. فاليوم الأرضي ما هو إلا تصور مبسط للزمن لا ينطبق إلا على الأرض ولا يمكن تطبيقه على عملية تدبير الخلق قبل إيجاد الزمن أو عملية التنفيذ قبل استقرار الأرض. وما ذكر الأيام في الآيات إلا تقريبًا لفهم القارئ، وهناك إشارة قرانية واضحة لذلك في قوله تعالى: «وَإِنَّ یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ» (الحج 47).

«هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰ⁠ت وَهُوَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیم» (البقرة 29).

أي قدر الله لكم ما في الأرض جميعًا، ثم قصد تقدير السماء فأحكمهن سبع سماوات.

«ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَاۤءُۚ بَنَىٰهَا. رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا. وَأَغۡطَشَ لَیۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا. وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ دَحَىٰهَاۤ. أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَاۤءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا. وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا. مَتَـٰعا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَـٰمِكُمۡ» (النازعات 27 – 33)

هنا يتحدث الله جل وعلا عن البناء وهو فرع من التنفيذ وبالتالي يأتي ذكر السماء قبل الأرض وهو ما يتسق مع التصور المطروح.

«ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّام ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیّ وَلَا شَفِیعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ یَعۡرُجُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡم كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ. ذَ ٰ⁠لِكَ عَـٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ» (السجدة 4 – 6).

قد يشير الخلق هنا إلى التقدير أو التنفيذ والله أعلم ولا مشكلة في ذلك مع التصور المطروح.

«وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشا فَنَقَّبُوا۟ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ هَلۡ مِن مَّحِیصٍ. إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِید. وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّام وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب. فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ. وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ» (ق 36 – 40).

أيضًا قد يشير الخلق هنا إلى التقدير أو التنفيذ والله أعلم، ولا مشكلة في ذلك مع التصور المطروح. حيث إن البشر يعييهم تصميم شيء متقن بدقة، ويجوز دفع تصور اللغوب عن الله جل وعلا بعد إتقان وإحكام وتدبير وسن قوانين الكون وتناسقها وتناغمها، وهو ما يصعب، بل يستحيل على البشر.

و على ما تقدم من اختبار التصور بعرضه على آيات القرآن وتفسيرها به واتساق الرؤية مع مجمل الآيات يتضح أنه أقرب للصحة والله أعلى وأعلم.

مثال تقريبي

هب أنك مهندس عبقري طلب منك بميزانية مفتوحة وكل الإمكانات مذللة لديك أن تنفذ مستعمرة فضائية ليسكن بها البشر، فكيف ستكون منطقية خطواتك في هذه المهمة؟

1. تصميم المستعمرة من الداخل وإتقان تصميمها لتناسب الظروف الدقيقة الواجب توافرها لدعم حياة البشر داخلها، وفي أيامنا تلك يقوم المهندسون بعمل ذلك على برامج محاكاة باستخدام الحاسوب.

2. الاتجاه لتصميم ما يحيط بالمستعمرة من أبنية تمدهم بالطاقة ومستلزمات الحياة وبعض الزينة، والخدمات، والرفاهيات، واللوازم الأخرى.

3. عند التنفيذ على أرض الواقع وهو الأمر المستقل بالكامل عن عملية التصميم والذي يكون ترتيب البناء فيه مختلف تمامًا، وكل مهندسو الأرض يعلمون ذلك، ففي البناء يتم تنفيذ الأساس أولًا كي يستقر عليه الفرع بغض النظر عن ترتيب عملية التصميم.

قرائن للاستئناس

يتسق هذا التصور مع القدرة اللانهائية لله جل وعلا وعن ما قال هو عن نفسه عز من قائل في تنفيذ إرادته «بَدِیعُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ» (البقرة 117) ففي الآية إشارة إلى خلق السماوات والأرض وكأن الله يشير للمعني الذي نطرحة ويضرب به المثل في باقي أمور القضاء أنه الله يدبر الأمر ويقدره، ثم تستقل عملية التنفيذ عن ذلك وترتبط فقط بإعطاء الأمر (كن) فيكون كما أراد الله. وهو ما نمثله ولله المثل الأعلى بأمر run الذي نستخدفه في تنفيذ أوامر البرمجيات المعدة مسبقًا عالم الحواسيب اليوم.

وأيضًا يتسق التصور مع كلمة الخلق التي ذكرت في أمر سيدنا عيسى عليه السلام «وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ءِیلَ أَنِّی قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔایَة مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّیۤ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّینِ كَهَیۡـَٔةِ ٱلطَّیۡرِ فَأَنفُخُ فِیهِ فَیَكُونُ طَیۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ» (آل عمران 49) وهنا استخدم القرآن لفظ يخلق من الطين كهيئة الطير أي يصمم من الطين ما هو يشبه هيئة الطير، واستقلت عملية التنفيذ عن التصميم تمامًا، وارتبط التنفيذ بأمر الله وإذنه.

الخاتمة

هذا والله تعالى أعلى وأعلم فنهاية القول لا تعدو قول الله تعالى: « وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ » (آل عمران 7) ولم يكن ما تقدم إلا اجتهادًا يحتمل الخطأ والصواب. فما كان من توفيق من الله جل وعلا، وما كان من خطأ، أو نقص، أو سهو، أو نسيان فمني ومن الشيطان. ولعل الله ينفع بهذا الجهد كما تقدم أو يستخدمه الله كلبنة بسيطة، ليضيف أو يعدل عليه أحد عباد الله بما أفاض الله عليه من علم فيتطور، ويصبح أكثر قوة وتماسكًا، أو يرده ويصبح من الاجتهادات التي نسأل الله فيها صدق النية وثبوت الأجر على ما أصابها من علة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد