منذ سبعة وثمانين عامًا من الآن تجدد الأمل لواحد من أكثر الناس طموحًا في منطقة الخليج آنذاك عبد العزيز آل سعود في تحقيق حُلم أجداده بتكوين مُلكهم العضوض وما أن بدأ نجم الدولة العثمانية في الأفول بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية حتى قام الرجل بمجهود مُضنٍ تمثلت خطوطه العريضة في تحالفه مع البريطانيين والاستعانة بهم وبقوتهم ضد المناوئين له وبدأ تحالفه مع بعض القبائل إلى جانب تحالفه مع رجال الدين ممن أضفوا على جنوده هالة من شبه القدسية والقوة والرسوخ بادعائهم محاربة الجهل والتخلف وتصحيح دين الله في المنطقة بموجب اتفاق ضمني ما زال ساريًا حتى اليوم بينه وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب منظر الاتجاه الوهابي السلفي وأتباعه، كما قام بالقضاء على مُلك آل رشيد ومُلك الهاشميين في الحجاز فضم الشَمال والحجاز ونجد ووسع مُلكه وما لبث أن أسس مملكة قوية باسمه توارثها أبناؤه من بعده.

في ظل التحديات والأزمات وانقسامات تكسير العظام الخطيرة التي تعصف بالمنطقة والخليج وفي القلب منه السعودية؛ظهرت الكثير من التكهنات حول مستقبل مملكة عبد العزيز وأولاده خصوصًا بعد الصعود المفاجئ وغير المحسوب لمحمد بن سلمان الذي يمثل في حد ذاته أكبر الأزمات التي تواجه استمرار مُلك جدِّه إلى جانب أزمات أخرى مثل:

· حرب اليمن: آل سعود في هذه الحرب كمن أشعل النار بطرف ثوبه فإذا كان هناك خطر حقيقي يهدد وجود آل سعود فهو تورطهم في حرب اليمن التي تستنزفهم بشدة وتتعاظم خسارتهم يومًا بعد الآخر بشريًا وماديًا ومعنويًا ودعمًا داخليًا وهجومًا خارجيًا دوليًا، ورغم أنها من أكبر الدول شراءً للأسلحة والعتاد الحربي بدا مؤشر الجهوزية والقوة العسكرية التي ظهر عليها جيشها في اليمن وعدم قدرتهم على تحقيق نصر حاسم في وقت قصير أو تحقيق على الأقل حل سياسي يحفظ ماء وجوههم مؤشرًا سلبيًا على كل الأصعدة أبدًا لا يصُب في مصلحتهم كما يعرضهم للهجوم الدولي ومنظمات حقوقية كثيرة (تقرير هيومان رايتس ووتش) ويزيد من خسائر وتدمير مقدرات الشعب اليمني، ناهيك أن الذئب الإيراني بدا أقرب إلى بيتهم من أي وقت مضى يترقب الجسر الحوثي ليعبرُه، ولحظهم العاثر أنهم يلعبون إلى جانب الإمارات وهو الصديق الذي لا يؤمن جانبه وله أطماعه الخاصة في اليمن متمثلة في نفط الجنوب وخاصة مدينة الحُديْدة.

· الأزمة المالية : ربما من المفاجئ أن أكبر مصدر للنفط في العالم قد اعتمدت ميزانيتها الحالية بعجز نحو 12.5 مليار دولار كما اتجهت نحو خفض الدعم على الطاقة بنسبة %80 وزيادة الضرائب على المواطنين والمقيمين والحد من استقدام الأجانب للعمل وازدياد عدد الفقراء من السعوديين وغياب العدالة الاجتماعية وعدم جاذبيتها للاستثمارات الخارجية وخطة محمد بن سلمان الاقتصادية 2030 التي يلوح في الأفق فشلها، على نحو آخر هناك من يرى أن مدخولات السعودية مضمونة وكبيرة مثل البترول والحج واستثماراتها الزراعية في أفريقيا مما يؤمن مستقبل المملكة نسبيًا إلا أن الحقيقة التي ثَبُتت مرارًا أن الفساد والبيروقراطية والفشل الإداري وسوء استخدام المقدرات المتأصل والمتفشي في دوائر الحكم والإدارة السعودية هو وحش قادر على التهام الثروات مهما بلغت وفي مصر وليبيا والسودان وغيرها مثال حي لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.

· الحريات السياسية وحقوق الإنسان (تقرير منظمة العفو الدولية) حتى في ظل الدول الديكتاتورية كثير من الممارسات الاعتراضية التي نراها عادية وتعوَّدنا عليها مثل المظاهرات والحركات الطلابية والنقابات العمالية وبعض الصحافة المشاغبة هي ضرب من ضروب الخيال لدى السعوديين والخليجيين عامة، ولا يوجد وسيلة إعلامية غير مُحتكرة من قِبل آل سعود، كما يتراءى واضحًا للعيان جانب القصور الكبير في حقوق المرأة. وفي الحقيقة نجحت السلطات الحاكمة في السعودية والخليج عامة في تدجين المواطنين لديها بالترغيب والترهيب؛ الترغيب في توفير مستوى الحياة المرفه للغالبية منهم مستفيدة من كثرة المدخولات البترولية وقلة التعداد السكاني مما يجعل المواطن لا يفكر ولا يرغب في تغيير أو تعديل المشهد وغض الطرف عن سلبيات وفساد من يحكمونه خصوصًا مع ما يراه في الدول المجاورة فغالبًا تثور النفوس عندما تجوع البطون.

–  وبالترهيب نجح آل سعود في استخدام رجال الدين وتوظيفهم لخدمتهم على أكمل وجه باستخدام المذهب الوهابي على الأخص الذي يرى الخروج على الحاكم أو نقده مهما كان فساده هو من الكبائر وحتى نُصْح الحاكم يجب أن يكون في السر وهو ما يكون مستحيلًا في عصرنا الحالي أو في أي عصرٍ كان على أية حال؛ فمن يستطيع الوصول ومن سيستمع؟! وعلى الجانب الآخر تستخدم القوة والمعتقلات وحتى سحب الجنسية ممن تسول له نفسه بغير ما يرون هم له. إلا أن الأجيال الجديدة أقل تقبلًا لذلك الواقع ويظهرون تمردًا وإن كان على استحياء ومن خلال الواقع الافتراضي عبر مواقع السوشيال ميديا المختلفة إلا أن النيران تبدأ بمستصغر الشرر وهو في واقع بلد مثل السعودية يعتبر تطورًا خطيرًا وخروجًا عن سيطرة (أُولي الأمر).

· القبائل: حتى الآن نجح آل سعود في تحجيم رجال القبائل وحجب نظرهم عن طلب السلطة التي كانت قاب قوسين أو أدنى من بعضهم إبان التأسيس بمحاولة إغداق الأموال على قادتهم ودمج أبنائهم في جيش موحد وإعلاء مُسمى الوطن فوق كل شيء وتجييش آلاتهم الإعلامية في ترسيخ وتثبيت ذلك مع احتكارهم المراكز الحساسة والنافذة والقيادية في مفاصل الدولة، وسيبقى دور القبائل معدومًا أو محايدًا على الأقل ما دامت الولايات المتحدة (الحليف الأقوى لآل سعود) وظهرهم الذي يستندون عليه يريدهم في السلطة وما داموا هم في بيت الطاعة الأمريكي ولكن سكون القبائل مرهون بتغير الظروف ومدى تقبل البعض للقيام بدور البديل وهو أمر غير مضمون في تلك المرحلة الزمنية من تاريخ المملكة.

· الملك المُرتقب محمد بن سلمان: ستدرك مدى حجم الهاوية التي تدنو منها مملكة عبد العزيز حاليًا عندما تعلم أن الابن السادس للملك سلمان الشاب معدوم الخبرة محمد بن سلمان هو من يدير قمة دائرة الحكم السعودية في الوقت الحالي بمنصب تم تخليقه له خصيصى هو «ولي ولي العهد السعودي» قبل أن يقفز لاحقًا مُزيحًا سلفه رجل السعودية القوي محمد بن نايف وزير الداخلية وولي العهد السابق ونصَّب نفسه بأمر أبيه وليًا للعهد ونائب رئيس مجلس الوزراء أي نائب الملك والمسئول عن تعيين الوزراء ورسم خطط الحكومات، ووزيرًا للدفاع، ورئيسًا لمجلسي الشئون السياسية والأمنية ومجلس الشئون الاقتصادية والتنمية اللذين أنشئا بأمرٍ من والده وفي مدة لا تُذكر استطاع أن يحوز كل سلطات الدولة في يده ويسيطر عليها – كما يظن؟! – مستغلًا مركز والده وساهمت أفكاره وأفعاله حتى الآن في إشعال النار تحت الرماد داخل أسرة آل سعود وصنع عدوٍ له من أسرته وأبرزهم محمد بن نايف ومتعب بن عبد الله (رئيس الحرس الوطني) والمُسيطر عليه كليًا، كما كان هو المسئول عن فكرة التدخل العسكري السعودي في اليمن، وقيامه بخصخصة أكبر كيان اقتصادي بترولي في العالم (آرامكو)، وحملة الاعتقالات الأخيرة التي قام بها وطالت الكثير بينهم دعاة واقتصاديون وحقوقيون وأكاديميون وأكاديميات بدون سبب وجيه مما سيكون له أثر سلبي كبير في مجتمعه، كل ذلك إلى جانب طريقة تعامله غير الحكيمة في إدارة الإعلام والتعامل مع ملف الخلاف مع قطر مما يهدد مستقبلًا وجود مجلس التعاون الخليجي ككل.

في ظل تلك الأمواج العاتية وقبطان غير خبير تُرى لأي حين ستصمد مملكة عبد العزيز؟ هذا ما تتمخض عنه قادم الأحداث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد