أنا رجل سُنِّي، ودون فلسفات أو مقدِّمات. ماذا أعني بكلمة (سنِّي)؟ أعني أنني أتبع محمدًا بن عبد الله (خاتم الأنبياء والرسل). أؤمن أوَّلًا بكتابه السَّماوي (القرآن)، ثم بكل فعل أو قول صادر عنه وموثق بالأدلة والأسانيد والبراهين القوية. أنا رجلٌ بسيط أعيش لعبادة الله الواحد الأحد، بكل بساطة ودون تعقيدات وعقد.

و إنّني أرى أنَّ عبادتي لله تتطلب مني كي أكون عبدًا مطيعًا أن أكون إنسانًا فاعلًا على أرض الواقع ومفيدًا لبني البشر بشكل عام وتلك هي الثقافة التي يربي الإسلام أبناءه عليها.

أنا طبيب أؤدي فرائض الإسلام بكل سهولة ويسر، ليست مهمتي الإفتاء ولا أن أكون عالم دين، ولكن عندما تعترضني مسألة تخص الدين والشرع أسأل عنها أصحاب الاختصاص، فكما أنَّ عالم الدين ليس من مسؤولياته معالجة المرضى كذلك أنا ليس من مهماتي أن أفتي في أمور تخص الشريعة.

يكفيني أن أؤدي الفرائض الأساسية ولا أُحمِّل نفسي فوقَ طاقتها بمتابعة كل صغيرة وكبيرة في أمور الدين، لأننا عند ذلك نتحول كلنا إلى رجال دين وننسى العلم المادي الذي به تصنع حضارة الأمم والذي أوصى الله ورسوله أن يكون له الأولوية حتى على الفرائض، إن كان بالإمكان تأجيل الفريضة.

فعلى سبيل المثال في مهنتي إذا جاء وقت الصلاة وجاءتني حالة إسعافية تتطلب معالجتها وتدبيرها زمنًا طويلا، فإن الشرع يفتي في حال عدم وجود غيري للقيام بمهمة الإسعاف، يفتي الشرع بتقديم إسعاف المريض على الصلاة، فديننا دين يسر وتيسير.

أنا طبيب مسلم، أحب كل البشر من كل الأجناس والأعراق والأديان، ليس من مسؤولياتي تكفير الآخرين، ولا دعوتهم بالقوة والعنف إلى ديني، فأخلاقي وتطبيقي الصحيح لشؤون ديني هو أكبر داعية يمكن أن يتحدث لهم.

أحب كل الناس بشرط أساسي هو ألا أواليهم على ديني وأبناء ديني، ولكنني أقضي بالحق بينهم، وفي النواحي الإنسانية فإنني أعاملهم جميعا بنفس الأخلاق والإحسان.

أحب كل الناس ولا أحب أن أتطرق إلى مناقشة أديانهم وصحتها من بطلانها، فلو أنفقت عمرك كلَّه لن تستطيع بالكاد إقناع سوى القليل القليل من الملايين، وبذلك نكون قد أهدرنا الوقت دونما فائدة تذكر، بل ولربما خلقنا عدوات وخلافات مع أناس كنا نحترمهم ويحترموننا، ونتعايش معهم بسلام وأمان، فيتحول ذلك الأمان إلى تباغض وتنافر ولا أمان بالتالي.

انا أتعامل بتلك الصورة مع المسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي وكل الملل من كل العالم.

في داخلي قد أرى كفر هؤلاء لكنني لن أعلن ذلك جهارًا نهارًا وسأتركهم أحرارًا في اختيار الدين والعقيدة التي يريدون، خاصة أننا أصبحنا في زمن يمكننا بكبسة زر أن نطلع على أي دين ومن مصادر موثوقة، فيبقى مسؤولية اختيار الدين والعقيدة واقعة على عاتق الشخص نفسه.

تنحصر مهمتي في التعامل بشكل إنساني مع الجميع، وتمثيل ديني بشكله ومبادئه الصحيحة، على أنني في الوقت نفسه سأنبري بالتأكيد كما هم للدفاع عن ديني وبكل وعي وموعظة حسنة عندما يتعرض الآخرون لديني ومعتقدي.

لذلك فأفضل شيء لبني البشر أن يحيِّدوا الدين في تعاملاتهم حتى يتلافوا الخلافات والبغضاء والأحقاد والتطرف والعنف.

أفضل شيء لي كمسلم أن أؤدي فروض ديني وعملي على أكمل وجه وبكل إخلاص وإتقان كما أوصى الله ورسوله الكريم، وكما أوصت جميع الشرائع.

أفضل شيء لي كمسلم أن أوازي بين الشق الإيماني في حياتي وبين الشق الدنيوي الذي به أبلغ أعلى المراتب عند الله سبحانه وتعالى، والرسول (صلع) يقول: / المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير/…و إنني أرى أن القوة المقصودة هنا إنما هي قوة العلم المادي، وليس المقصود بها الزهد في الدنيا والعزوف عنها، فما خلق الله الإنسان إلا لأمرين: عبادته، وعمارة هذه الأرض التي هو مستخلفٌ فيها.

تلك القواعد التي قدمت لها لا تنطبق فقط على تعاملي مع الآخرين من الأديان الأخرى أو حتى مع من لا يتبعون أي دين أو معتقد، بل يجب أن أرسخ هذه القواعد بشكل أساسي مع أبناء ديني، فنحن نجد الكثير من أبناء المسلمين، يتبعون الدين اسمًا فقط، لا واقعًا وممارسة، وحتى هؤلاء الذين غالبا ما نطلق عليهم أو يحبون هم أن يطلقوا على أنفسهم لقب (علمانيين) يجب أن أتعامل معهم بما يمليه عليه ديني وأخلاقي من حسن التعامل والأخلاق الفاضلة، وأتركهم وشأنهم فيما يعتقدون، فقد خبرت في مسيرتي ومسيرة الكثيرين من أبناء هذا الدين أنه لاشيء أصعب من أن تقنع شخصا آخر برأي يتعلق بالدين والمعتقدات.

عليَّ أن أصلَ هؤلاء، أساعدهم، أعالجهم، أغيثهم، أنجدهم، أشاركهم أفراحهم وأتراحهم، أحافظ على أموالهم وأعراضهم. هذه قواعد أساسية وعريضة في حياتي، لكن في الوقت نفسه وحتى تستمر العلاقة سليمة وسوية على هؤلاء أن يعاملوني بالمثل. فلا شأن لهم بديني ومعتقدي، لا يجوز لهم أن يتعرضوا لديني بسوء وإذا كانوا يرون أن سبب تخلفنا ومشاكلنا إنما سببه ديننا، أقول لهم بل السبب ليس الدين لأن الدين الحقيقي لا يدعو إلا إلى كل ما فيه خير الإنسانية، إنه يدعو إلى أسمى الأخلاق التي يرتقي بها الإنسان ماديا وروحيا، إنه يدعو إلى العلم والانفتاح على الحضارات وليس الانغلاق والإبقاء على الدين كطقوس فقط.

الشاهد من كل مقدمتي السابقة، أنني في مقالي هذا لا أوجه الكلام لأهل المعتقدات الأخرى ولا إلى من ليس لهم أي معتقد أو دين، الذين أوضحت في كلامي السابق كيفية التعامل معهم، لكنني أتوجه فيه إلى فئتين هما:

  1. المسلمون الشيعة.
  2. إخواني من المسلمين السنة.

وسأتوجه أولا إلى إخوتي من المسلمين السنة، وأعيد ما قلته، إنني لا يهمني ما يؤمن به أي شخص منكم، ولا تهمني نظرتكم للإسلام، ولا حتى ما تمارسونه في حياتكم الشخصية، فأنتم تمتلكون من العقول ما يكفيكم لاتخاذ قراراتكم وبين أيديكم وبشكل يومي كل مراجع هذا الدين، وبالتالي فإن اختياراتكم هي بالنهاية مسؤوليتكم، ولكن لنكون منصفين في حق أنفسنا علينا أن نضع أسس التعامل بالمثل في هذه الأمور، وأقصد أن تعاملوني بنفس الرؤية التي أوضحتها للتعامل معكم، وهذه هي شروط الاحترام بيني وبينكم:

  1. لا تناقشونني في معتقدي ولا أناقشكم في معتقداتكم.
  2. لا تستهزؤون بديني على مسمعي ومرأى عيني، ولا أفعل أنا كذلك.
  3. لا تسيئون إلى الرسول ورموز الدين.
  4. لا تتهكمون على الإسلام ولا تحملونه وزر تخلف وضعف الأمة وابحثوا عن أسباب أخرى لذلك، لأنكم لن تجدوها في هذا الدين، ولن نقبل أن تنسبوا التخلف إليه، وسنعود للاختلاف، وكونوا إيجابيين بالانتهاء عن الشكوى والانتقال للفعل والإبداع.
  5. لا توالوا أعداء الإسلام عليه، ولا تكونوا أذنًا لهم، أما علومهم المادية وحضارتهم العلمية فلا ضير أبدًا من الاستفادة منها.
  6. أن نتعامل بكل الاحترام والتراحم والمودة، وأن نقوم بمسؤولياتنا نحو بعضنا على أكمل وأحسن وجه، وألا تمنعنا معتقداتنا وكِبرُنا من ذلك.

أما بالنسبة للمسلمين الشيعة، فأرجو التدقيق في كلامي جيدًا حتى يُفهم على وجهه الحقيقي، وقبل كل شيء من المهم أن نميز جيدا بين أمرين: الرأي الشخصي والموقف الشخصي، فليس بالضرورة كل رأي شخصي يعقبه موقف شخصي، وسأوضح ذلك كما يلي:

إذا سألتموني عن رأيي الشخصي في معتقد الشيعة، فأنا أراه شخصيًا وبعد تمحيص طويل وتعمق كبير، أراه معتقدًا باطلًا، فيه من الخروج على أسس الإسلام الكثير الكثير، هذا رأي شخصي، لا أريد من الأخوة الشيعة سوى الاستماع له بكل احترام، ثم يرمونه خلف ظهورهم، لأنَّ موقفي منهم لا ينطلق من هذا الرأي، موقفي منهم هو كموقفي من باقي أصحاب الأديان والملل والمعتقدات، فهم أخواني في الإنسانية، وهم بالنهاية مسؤولون عن اختياراتهم ومعتقداتهم وطقوسهم التي يمارسونها.

لن أتحدث بعد هذا عنهم وعن عبادتهم بأي شيء، ولا يهمني ما يؤمنون به، وأقولها صادقا متيقنا مؤمنا: إنني لا أحمل لهم أية بغضاء أو كراهية أو أحقاد بكل طوائفهم، مثلهم مثل أي إنسان في هذه الدنيا، فأنا أركز على الجانب الإنساني في كل إنسان، ومتى استطعنا التخلص من سيطرة الخلافات الدينية وركنَّاها جانبا، وتعاملنا فقط من منطلق إنساني أعتقد أننا عندها يمكن أن نحل أكبر المشاكل بيننا.

حديثي موجه طبعا لكل إنسان بسيط سليم الطوية، وليس إلى تجار الحروب والمال، أولئك الذين يحاولون زرع الفتن بين طوائف المسلمين ليستمروا هم في حصد مكاسبهم الشخصية.

أنا طبيب مسلم سني، لا أكفر أحدا من الشيعة، لأن تلك ليست مسؤوليتي وليس لدي من العلم ما يكفي للتكفير، ولا أحب الخوض في أقوال علماء السنة الذين قاموا بتكفير الشيعة، أنا كما قلت لا شأن لي بما يظنون أو يعتقدون، يهمني أن نكون بشرًا فقط، نحرم دماء بعضنا، نحترم بعضنا، نحب بعضنا، نقدم الحضارة لبعضنا.

لكنَّني في ذات الوقت سأتحدث إليكم أيها الأخوة بما تحدثت به إلى أخوتي العلمانيين من السنة، هذا الزَّخم الكبير من الحب الذي أحاول أن أمنحكم إياه، أحاول أن أهبكم إياه على طبق من سلام وأمان وتحضر، هو ليس حبًّا ساذجًا، ليس حبًّا غبيًّا، ولا هو حبٌّ مجانيٌّ في نفس الوقت، لأن السذاجة والغباء والمجانية لا تستطيع أن تحصل على التعامل بالمثل.

أيها الأخوة الكرام حبِّي وخوفي عليكم وتقربي منكم وتعاملي معكم بإنسانية الإنسان هو أمرٌ يتوقف عليكم، يتوقف على عدة أمور أساسية لا بد من ذكرها ودون أيِّ حرج:

  1. يجب عليكم أن تعاملوني بالمثل: حرمة الدماء والمال والأعراض والبلاد.
  2. عليكم أن تتخلوا عن موروث الحقد والكره الذي يملأ نفوسكم ومجالسكم.
  3. عليكم التخلي عن سب الصحابة وشتمهم.
  4. عليكم التخلي عن عبارات الكراهية والبغضاء والأحقاد: يا لثارات الحسين، وغيرها كثير، ونتمنى أن نفهم ثارات الحسين ستطبق على مَن، وستكون ممن؟! لأنَّ جميع أهل السنة يفهمون أنهم هم المقصودين بهذه العبارات وبالتالي هذا سيولد ردة فعل عنيفة، ومن حق أي شخص الدفاع عن نفسه وبالتالي نبقى وإياكم ضمن تلك الدائرة المغلقة من الأحقاد والتباغض والاقتتال.
  5. عليكم التخلي عن مجالس العزاء الحسينية لأنها تمتلئ بقصص الحقد والكره والفتنة، خصوصا أن رجال الدين عندكم يركزون على القصص المحزنة التي تثير النفوس وتطالب بثارات منذ آلاف السنين، ولن ندخل في مناقشة مشروعية تلك الثارات وأحقيتها وصدقها.
  6. أتمنى أن تتذكروا دوما وتتأملوا تلك الآية الكريمة (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون)، فالإسلام لا يعترف بالأحقاد ولا الثارات، بل هو جاء للتخلص من هذه الأمور واعتبرها من أمور الجاهلية.
  7. أتمنى أن تتمثلوا حديث الرسول (صلع): ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا باللَّعَّانِ. ولا بالفاحشِ ولا بالبذيءِ.
  8. أتمنى أن تتمثلوا حديث الرسول (صلع): لا تَسُبُّوا أصْحَابِي، فلَوْ أنَّ أَحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أحدٍ ذهبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَهُ.
  9. أتمنى أن تتمثلوا حديث الرسول (صلع): لا تَسُبُّوا الأمواتَ؛ فإنهم قد أَفَضَوْا إلى ما قَدَّموا.
  10. أتمنى ان تتمثلوا حديث الرسول (صلع): لا تَسُبُّوا الأمواتَ فتُؤْذُوا الأحياءَ.
  11. أنتم أحرار في ممارسة الطقوس التي تريدون وتطبيق العبادات كما تشاؤون فكما قلت في النهاية أنتم مسؤولون عن تلك الخيارات، لكن بالمقابل عليكم ألا تتدخلوا في معتقداتي وطريقة ممارستي لديني، مادامت لا تفضي إلى كراهية وحقد وإساءة إلى أي شخص منكم أبدا.
  12. علينا الكف عن محاولات نشر مذاهبنا في الدول الأخرى خاصة ذات الأغلبية السنية، لأن ذلك أيضا لن يؤدي إلا إلى التخاصم والاقتتال، لأننا يجب أن نتحول من الشق الديني إلى الشق الإنساني، فلكل إنسان حرية الاعتقاد كما يشاء وفيما يشاء، لذلك لا داعي للتدخل في خيارات الأشخاص، وأقصد أنه علينا أن نتعامل مع بعضنا ونتعاون مع بعضنا كبشر يحملون همًّا إنسانيا مشتركًا، وأن ننسى الاختلاف الديني فيما بيننا ولا نحوله إلى خلاف، فنحن يمكن أن نختلف دون أن يؤدي ذلك إلى خلاف ينشأ عنه حروب ومآسٍ إنسانية.
  13. علينا أن ندرك تماما أن الحروب التي تنشأ بيننا لن يستفيد منها سوى الرؤوس الكبيرة، أما المواطن العادي البسيط فلن يناله سوى أن يعيش المآسي والظلم والحرمان.

أما وقد ذكرت ما يفيض بقلبي، وما تحمله مشاعري، فإنني أحب أن أختم بهذه المقطوعات الشعرية التي تتحدث عن الإنسانية وإنسانية الإنسان، ونبدأها بهذه المقطوعة للشاعر صلاح عبد الصبور من قصيدة أحلام الفارس القديم:

لو أننا كنّا كغُصني شجرة

الشمسُ أرضعتْ عروقَنا معا

والفجرُ روّانا ندىً معا

ثم اصطبغنا خضرةً مزدهره

حين استطلنا فاعتنقنا أذرُعا

وفى الربيع نكتسي ثيابَنا الملوّنه

وفى الخريف، نخلعُ الثيابَ، نعري بدَنَا

ونستحمُّ فى الشتا، يدفئنا حُنوُّنا!

لو أننا كنا بشطّ البحر موجتينْ

صُفِّيتا من الرمال والمحارْ

تُوّجتا سبيكةً من النهار والزبدْ

أَسلمتا العِنانَ للتيّارْ

يدفعُنا من مهدنا للحْدِنا معا

فى مشيةٍ راقصةٍ مدندنه

و هذا الشاعر محمد الفيتوري ينادي أخاه الإنسان في كل مكان فيقول في قصيدة: أغاني إفريقيا:

يا أخي في الشرق في كل سكن

يا أخي في الأرض في كل وطن

أنا أدعوك.

فهل تعرفني؟

يا أخا أعرفه .. رغم المحن

إنني مزقت أكفان الدجى

إنني هدّمت جدران الوهن

لم أعد مقبرة تحكي البلى

لم أعد ساقية تبكي الدمن

لم أعد عبد قيودي

لم أعد عبد ماض هرم

عبد وثن

و يقول جبران خليل جبران عن تكامل الإنسانية: أنت أعمى، وأنا أصم أبكم، إذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر . بعضنا كالحبر وبعضنا كالورق فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصم ولولا بياض بعضنا لكان السواد أعمى. و يقول وليم شكسبير: يمكننا عمل الكثير بالحق، لكن بالحب أكثر. هناك بعض التقاليد التي يكون خرقها أشرف من احترامها. و يقول سقراط: أنا لست أثينياً ولا يونانياً، أنا مواطن عالمي. و يقول عمر بن الخطاب: لو كان لي الخيار بأن أختار لما كنت غير بائع للأزهار فإن فاتني الربح لم يفتني العطر. ‎ما أقبح القطيعة بعد الصلة والجفاء بعد المودة والعداء بعد الإخاء.

نحن أيها الأخوة ممن يتبع هواه، بل ممن يتبع هوى حكَّامهم، ولو تأملنا لوجدنا أننا لا نُسأل إلا عن أعمالنا، وأما ما مضى وفات فإننا لسنا مسؤولين عنه، بل إن التزامنا به ليس من الدين، ولا ينالنا منه إلا السخام والوخم، انظر إلى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول:

التحذير من طول الأمل: إِنْ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ طُولُ الأَمَلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى ، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، أَلا إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ مُدْبِرَةً وَالآخِرَةُ مُقْبِلَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلَ.

وأختم بهذه القصيدة الرائعة لنزار قباني والتي يصف فيها كم نحن مرتهنون للحكام، وكم نحن ساذجون ضائعون، بلا وطن، نحن مجرد دمى تحركها أيادي حكَّامنا العابثين بأوطاننا وأدياننا، إنهم يتاجرون بخلافاتنا الدينية، ليتسنى لهم دوما البقاء والحفاظ على كراسيهم، إنهم يلعبون على وتر العاطفة والاستثارة ليجعلوا من دمائنا لبناتٍ لأمجادهم وعروشهم:

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دون أوراق، وموتى دونما كفن

نحن بغايا العصر

كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن

نحن جوارى القصر

يرسلوننا من حجرة لحجرة

من قبضة لقبضة

من مالك لمالك

ومن وثن إلى وثن

مواطنون نحن فى مدائن البكاء

قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء

حنطتنا معجونة بلحم كربلاء

طعامنا.. شرابنا

عاداتنا.. راياتنا

زهورنا.. قبورنا

جلودنا مختومة بختم كربلاء

لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء

لا نخلة.. ولا ناقة

لا وتد.. ولا حجر

لا هند.. لا عفراء

أوراقنا مريبة

أفكارنا غريبة

أسماؤنا لا تشبه الأسماء

فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا

ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا

معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا

معتقلون داخل الحزن، وأحلى ما بنا أحزاننا

مراقبون نحن في المقهى، وفي البيت

وفي أرحام أمهاتنا

حيث تلفتنا وجدنا المخبر السري في انتظارنا

يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية

يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية

لا أحد من مضر، أو من بني ثقيف

أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف

زجاجة من دمه

أو بوله الشريف

لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة

أهداك يوماً معطفاً أو قبعة

يا وطني المكسور مثل عشبة الخريف

مهاجرون نحن من مرافئ التعب

لا أحد يريدنا

من بحر بيروت إلى بحر العرب

لا الفاطميون، ولا القرامطة

ولا المماليك، ولا البرامكة

ولا الشياطين، ولا الملائكة

لا أحد يريدنا

لا أحد يقرأنا

في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب

لا أحد يقرأنا

في مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب

هذه دعوة إنسانية مفتوحة، تمدُّ جناحيها على الآفاق منتظرةً من يعانقها من أي جنس ولون وعرقٍ ودين ومذهب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد