ها نحن ندخل فصلًا جديدًا من فصول القضية الفلسطينية، القضية الأم وقضية البداية والنهاية لكافة أحرار العالم، إعطاء حق لمن ليس له حق بالتملك والسيطرة وبسط النفوذ تحت مسمى «السلام»، البداية كانت منذ القدم مرورًا بمحاور رئيسية في تشعبات القضية الفلسطينية وأكنافها، ناهيك عن التغير الجذري بشبكة الفاعلين في النظام الدولي الراهن والسابق.

المحرمات كانت واضحة منذ البداية، لا سلام بدون القدس وحل مشكلة الحدود واللاجئين في الخارج والأسرى في داخل المغتصبات، ناهيك عن مشكلة المياه والتي باتت مشكلة يتعرض لها كافة العالم، أراضي عام 1948 تم التخلي عنها، وفرضت مقترحات أراضي 1967 على الشعب الفلسطيني وقيادته.

إن دوامة التغير في شبكة الفاعلين في النظام الدولي قادت منظمة التحرير من فاعل كان يلعب دورًا أساسيًا في النظام الدولي السابق إلى لاعب ذي اختصاص معين يقتصر على فرض الأمن داخل إقليم معين، لا يرقى للسيطرة على منافذ ذات درجة من الأهمية المأمولة بالنسبة للقيادة الفلسطينية وذلك في شكل سلطة، وكأن الكنتونات وسلسلته باتت تأخذ منحناها اتجاه الأراضي الفلسطينية، على أساس إن الشعب الفلسطيني هو المستعمر بحسب خريطة «صفقة القرن» الصادرة عن القيادة الأمريكية والكيان الصهيوني.

الصفعة ليست جديدة وليست الأخيرة، فقيادة الاحتلال بوضعها لهذه الخطة وإن كان هناك تغيرات مستقبلية عليها، فإنها لا تسعى من خلالها على فرض السيطرة على أكبر قدر معين من الأراضي المحتلة بل السيطرة على كامل الأرض والتحكم بحدودها والتي على حد اعتبارهم تمتد من النهر إلى النهر، واعتبار الفلسطينيين مواطنين درجة ثانية بها، يقتصر عليهم دفع الضرائب المغذية للهيكل الاستعماري الشامل على المستوى القريب البعيد.

إن «اتفاقية أوسلو» كان مبتغاها لدى القيادة الفلسطينية وضع قدم في الأراضي المحتلة، لكن العواقب كانت أكثر من ذلك، فقد تزلزلت الأرض تحت الأقدام ومن كان يعاكس أهداف الاحتلال ومخططاته تم التعامل معه والأسماء عديدة، مرورًا بالرمز ياسر عرفات نهاية بأصغر شبل من أشبال فلسطين وقيادتها.

وإذا كانت المحرمات ثابتة لدى الشعب الفلسطيني وقيادته، إلا إنها متحركة لدى الجانب الآخر، فكل يوم وساعة هناك متغير جديد يتم دراسته بعناية ووضع مخطط له لكي يبصر النور وتوضع له كافة المستلزمات لفرضه على أرض الواقع بالنسبة لجانب الاحتلال الإسرائيلي.

ومن خلال المحرمات نستنتج أن هناك متغيرًا (محرمًا) واحدًا هو الثابت الوحيد لدى الطرف الآخر، ألا وهو «اللوبي الصهيوني في العالم»، هذا المتغير الذي يعد أكسجين الاحتلال والقوة الضاربة التي توازي بل تكبر القوة المعروفة في العالم، والذي لا يجوز الحديث عنه.

فاللوبي الصهيوني وعلى طول الصراع العربي الإسرائيلي وعلى مدار أكثر من 70 عامًا، مارس سياسته المعهودة في الضغط على أصحاب القرار، لتبنّي دولة الاحتلال واتخاذ قرارات تخدمها، فالإدارة الأمريكية لم تستطع أن تقنع نفسها بأنها غير قادرة على حل هذا الصراع طوال تلك الفترة على اعتبارها الراعي الرسمي والوحيد لعملية «السلام غير السلام» المعروفة في العالم، فمن النظرة الأولى على ملف القضية الفلسطينية تجد الإدارات تتتابع على الإدارة الأمريكية لكن دون جدوى للحل، بل من خلال تبني الرئيس ترامب نقل السفارة الأمريكية للقدس واعترافه بها غير مقسمة عاصمة للدولة اليهودية يخبرنا بأن ترامب هو وليد اللوبي الصهيوني، وأحد أبرز مرتكزاته في الشرق الأوسط خاصة والعالم بشكل عام.

تبني صفقة القرن لم يكن الضربة الأولى ولا الأخيرة من قبل الإدارة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك الاحتلال الذي عمل على هذه الصفقة منذ سنوات من خلال وضع جدار الفصل العنصري ضمن مخطط التأمين العام لحدوده حول القدس، وتهجير سكان البادية والريف الفلسطيني لا سيما في الخان الأحمر لفصل شمال الضفة عن جنوبها ووضع طريق محدود المعالم يخضع للسيطرة الأمنية المكثفة في تلك الطريق، وذلك لشبك مستوطنات الضفة ببعضها البعض وعمل نظام فصل عنصري بين سكان فلسطين في الضفة بعد نجاحهم بفصل سكان الداخل الفلسطينيون عن الخارج، وذلك من خلال سن القوانين اللازمة بالتوازي مع الأوامر العسكرية الصادرة بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل والخارج المقسم، بعبارة أخرى «تقسيم وضم».

وإذا كانت المحرمات بالنسبة للفلسطينيين والأغلبية من الشعوب العربية ثابتة، فإن متغيرات المحرمات مع الزمن لدى إدارة الاحتلال توجبنا على التوجه إلى ما يلي:

أولًا: نزع كافة أشكال الانقسام في الشارع الفلسطيني وبكافة أطيافه، وتوحيد الصفوف بين الداخل والخارج الفلسطيني لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية على معالم معروفة.

ثانيًا: على الدبلوماسية والدبلوماسيين الفلسطينيين وضع فريق عمل تفاوضي ذي إمكانيات عالية تتناغم مع متطلبات الشعب الفلسطيني والحد المعقول من التسوية للقضية، مع الأخذ بعين الاعتبار الانضمام لكافة الاتفاقيات والمنظمات الدولية.

ثالثًا: على الإعلام الفلسطيني والعربي والعالمي وضع قضية القدس واللاجئين والأسرى والحدود ضمن برنامجها اليومي، فالقدس بحالة خاصة ومهد الديانات السماوية الثلاث يجب التعامل مع حرمتها كالفاتيكان، والتأكيد على أن الضربات المتتالية لم تنسنا من هم خلف القضبان واللاجئين بالشتات.

رابعًا: النهوض بالمستوى التعليمي والاقتصادي والتعامل بالمثل مع الاحتلال (ما في سلام يعني ما في خدمة تصاريح وتنسيق وكهرباء والأردن أولى للعلاج فيها).

خامسًا: الدعم العربي الشعبي، والذي يشكل ورقة ضغط على القيادات العربية المنصاعة للوبي الصهيوني والإدارة الأمريكية.

في نهاية الحديث إن كانت الدولة الفلسطينية ستقام على حدود «حزيران 1967» فنحن مع «ما ضاع حق وراءه مطالب»، إذ إن الأراضي الفلسطينية هي الوحيدة في العالم التي جرى احتلالها لأكثر من 70 عامًا ولا زالت قابعة تحت الاحتلال.

«علَى هَذِهِ الأَرْض مَا يَسْتَحِقُّ الحَياةْ». محمود درويش

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد