أنوه بدايةً، أني لا أريد أن أذكر أي معلومات أو فكرة عن المكان أو الدولة التي أقصدها أو أشخاص بعينهم، فأنا متأكدة أن الفكرة التي أقصدها وأريد أن أعبر عنها ستصل، هذا المقال مجرد أفكار ورؤية شخصية.

يتبادر في ذهني دائمًا تساؤل: ما هو إحساس الطبقة التي كانت مستعبدة في فترة من الزمن؟ تلك الطبقة التي كانت تستغل بكل الطرق، وتستهلك وتعذب وتقهر، تلك الطبقة العاجزة عن الرفض، وحتى إن رفضت لا صوت لها. الفئة التي انتهكت أراضيها وخيراتها وهجرت قسرًا لاستغلالهم كما يستغل الحيوان، ووصلوا إلى مرحلة من الاستسلام حتى أصبحوا يمارسون العبودية بولاء وإخلاص كبير لمعذبيهم، أو لأسيادهم كما يقال، وهذا لأنهم تعودو على هذه الحياة لدرجة أنهم أصبحوا لا يعرفون إمكانية وجود حياة أخرى لهم.

كانوا يقومون بأعمالهم بكل جهد وبكل إتقان، كما لو أنهم يجازون عليها، فمنهم من يخلص لمالكه بسبب الخوف أو بسبب الضعف أو القهر.

إن أبشع احساس قد يتبادر في أذهان هؤلاء المساكين أنهم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم أو حتى زوجاتهم وأطفالهم، فقمة الذل والقهر أن تؤسس أسرة ولكنك لا تستطيع الدفاع عنها، أن تنجب طفلًا ولكن دائمًا تعيش في هاجس الخوف من أن يبعد عنك ويباع في صفقة رخيصة.

حتى صحتهم وعافيتهم كانت بمثابة عبء عليهم، فأنت في تلك الفترة تقاس على حساب حجم جسمك وقوة يديك وصحتك السليمة، وتقيم وتباع بثمن مناسب، وكأنك آلة.

أن تعيش في فترة من الزمن يكون فيها حتى السؤال محرم عليك، فأنت لا تعرف لماذا تعتبر أقل من البقية؟ لماذا تعتبر إنسانًا من الدرجة الثانية؟

أنت تملك نفس مقومات الجسم ونفس القدرة العقلية، وقد تكون أفضل منهم وتفوقهم قدرة جسدية، فلماذا تصبح هذه المقومات عبئًا؟ في الوقت الذي من المفترض أن تكون سبب النجاح، وسبب أن تكون أنت السيد.

تجد أن احتقارك واستعبادك سببه لون بشرتك من أكثر الأسباب غباء وعبثية، أن تكون محاصرًا بقوانين وضعها أشخاص كأنهم مسؤولون عنك، وفي الحقيقة أنت لا تربطك بهم أي علاقة عائلية، أن تجد نفسك مربوطًا بقوانين لم يكن لك رأي فيها، أن تقوم بأعمال لم تخترها، وتعيش حياة لم ترغب بها.

هذه أبشع الحالات التي من الممكن أن يصل إليها الإنسان. فقدانه القدرة على السيطرة أو التحكم في طاقته وعدم بذلها فيما لا يراه مناسبًا، فالحرية ليست ممارسة ما تريد، بل هي قدرتك على عدم ممارسة ما لا تريد أن تقوم به، أي قدرتك على الرفض.

إن الإنسان المنتمي إلى تلك الطبقة لم يكن يملك حتى حق التحكم في عقله، لم يكن له الحق في التخيل أو بناء حياة أفضل، فقد كان يجد نفسه مكبلًا وتربط أحلامه بسلاسل من حديد.

يقول ميخائيل نعيمة:
سألتُ نفسي اليوم: ماذا تُريدين يا نفسي؟
فأجابتني: أُريد أن أعرف.
فقلت: وماذا تريدين أن تعرفي؟
قالت: كل شيء.
قلت: ولماذا تريدين أن تعرفي كل شيء؟
أجابت: لأنني أُريد أن أتحرر من كل شيء.
قلت: ألا تكون حُرّية بغير معرفة؟
قالت: بل تكون عبودية.
قلت: ألا تكون حياة بغير حرية؟
قالت: بل يكون موت.

ومنه، فلا حياة بدون حرية، فالإحساس أنك ملك لشخص آخر، وأنك غير حر في تصرفاتك أبشع من إحساس الموت في حد ذاته، وحريتك هذه التي تعيش عمرك كله تبحث عنها هي السبيل الوحيد للمعرفة، والمعرفة هي القادرة أن تجيبك على سؤال لماذا؟ وكيف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد