يَستلهم هذا المقال عناصره ومضمونه مِن الرّسالة الشَّهيرة التي كَـتَبها «إتيان دو لابْويسي» في رَيْعانِ شبابه (16 سنة)، فكانت _ بحقٍّ _ صَرخة في وادٍ؛ ذَهبت لبُرهةٍ مع الرّيح، إلا أنَّها عادت بفعّالية اجتماعية واحتضان شعبي لتُذِهِب بِأَوْتَادِ الاستبداد في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وتخوم إفريقيا.

خَطَّ المثقَّف الشّاب رسالته في صفحات لا تتجاوز الإحدى والخمسين في عصر السِّياسية، فجاءت جامعةً مانعةً كاشفةً للفجور السِّياسي والطُّغيان السُّلطاني والتّسيُّد باسم الدين الـمُحرَّف، ومُهْدِيةً الشُّعوبَ التّواقَّةَ للحرية والتّحرر باقةً مِن الإرشادات والكليات الأساسية للحرية والقيم العاصِمة مِن قواصم الاستبداد ودكتاتورية التّركيع والاستعباد التي يَعشقها ويُتقِنها الأمراء والسلاطين والحكّام السفهاء. حَظِيَت الرّسالة بانتشار عريض وترجماتٍ متعاقبة، وتَلَقَّفَـتْها نُخبُ الأنوارية الأوربية -ومِن بَعدها العربية- المتوالية بقبول حَسَنٍ مُدَعِّمَةً بها جهود النّهوض بالفكر السِّياسي والإصلاح الدِّيني والترقّي الاجتماعي وتنوير الإنسان وتحرير الأوطان. ولأنَّ الأفكار ذات الفاعلية الاجتماعية، والنُّصوص الصامدة تتوغّلُ في السُّطور وتُحفَظُ في الصُّدور وتُتلى في المجامع وتُتَلَقّى بالمحْمَدَةِ جيلًا عن جِيل؛ فلأنَّها تكون ولا بُدّ قد اقْـتَاتَت مِن قَلْب وعقْل صاحبها، وتقمَّصت روحه، حتى تصبح كائنًا حيًّا يَدبّ على وجه الأرض في صورة بشر، فإنَّ (مقالة في العبودية الطَّوعية) فكرة ذاتُ مسار مليء، حيّ، عاشت وامتّدت في الزَّمان لأنّها اقتاتت مِن قلب كاتبها (إتيان).

بين النَّباهة والاستحمار

مِنطقة فراغٍ لا بُدّ مِن مَلْـئها بوَعْي يَتلوه موقِف تُخلِّده الأيام للأمم؛ ولن يتأتّى ذلك إلا بتَعالي الفردِ عن أَنَاه وانخراطه في قضايا الجماهير والأمّة، وإدْراك الــمُـنـتَظَر مِن كلّ فردٍ إزاء مختلِفِ الرِّهانات والتحدّيات والمخاطِر التي تقُضّ المضاجعَ. وكلّما تَفتّقت الأحداث عن صحِّةِ ما فيها وانْفَـرز الحقّ عن الباطِل، وبانَت معالِم الطّريق؛ يُطلَب منّا السّير بغير توانٍ في طريق تسجيل المواقِف ونُصرة الحقّ وحماية الحرية والتّحَرُّز مِن العبودية الطوعية، ورأس الأمر في ذلك «النَّباهة الفردية والدِّراية الاجتماعية» وحُضور الذِّهن في المواقِف التّاريخية الحاسمة. أمّا عَدم إدراكنا لما يُحاطُ بنا، وببلدنا وأمّتنا والإنسانية، وانصرافنا عمّا ينبغي أنْ نُفكِّر فيه مِن مَصير مجتمعنا ومَن يأتي بَعْدَنا مِن أبنائنا، وانشغالنا عن كشْف عمليات التّزوير لإرادة الشُّعوب واستهداف مصير الدَّمقرطة المدنية والسياسية وسوء الوعي بمخاطر التَّفكيك والتّمزيق وسياسات الإلحاق والمصادرة التي تدور حول أعناقنا، وعدم القدرة على فهم إستراتيجيات التّجهيل والإلهاء والتّغفيل والإيهام والتّحقير والتّخدير؛ فيعني ذلك سقوطنا مِن مَقام «النَّباهة الفردية والجماعية» إلى مَهاوي «الاستحمار والعبودية الاختيارية»، وسنكون حينها مُجرَّدَ أكباشِ فداءٍ تحتَ الـمُدْية في أيدي الاستبداديين والعابثين بعَظَمة الحرية ومنزلة الآدمية؛ نَسْتَسْلِمُ لذبحهم إيّانا.

كما يعني ذلك حَرْفُ ذهننا عن الحضور في الموقف الصّحيح، وتزييف موعدنا مع التّاريخ، وصَرْفُ إرادتنا وما تَـقْوَى عليه في اتّجاهِ التّلَهِّيات الصُّغرى مِن مَأكل ومَشرب ومَلبسٍ ومُتَعٍ عابرة واستهلاكٍ لا مُعَقْلَن وحياة خاوية.

ولأنَّ عقول العظماء تلتقي ولو بتباعد الدُّهور وتَنائي الدِّيار؛ فإنَّ (إتيان) يلتقي مع (شريعتي) في التَّحذير من مَغبّة الاستسلام للاستحمار وفُقدان المناعة ضدّ الاستبداد، عَن طريق قَبُول العبودية، فالثَّاني مات مقتولا (بِلندن) في سبيل زرع أفكاره حول النباهة والدراية الاجتماعيين، والأوّل ضّحى بأعزّ سِنِيِّ عمره ليُضيء للأمم شمعةَ الحرية في ليالي العبودية القسرية والطَّوعية، واستَماتَ في سبيل أنْ يُوضّح بأنَّ «الشَّعب الذي يستسلم بنفسه للاستعباد يَعمَدُ إلى قطْع عُنقه، والشَّعب الذي يكون حيال العبودية أو الحرية؛ فيَدَعُ الحرية جانبا ويأخذُ نَيْرَ العبودية؛ فهو الذي يَرضى بالأذى، بل يسعى بالأحرى وراءه»[1]. إنّه نَـقْدٌ لاذعٌ للقابليات السَّلبية، وصَرخة مَنْزُوفَةٌ تُناشد الشُّعوب والضّمائر تَمْــنِــيع رصيد التَّحرر لديها مِن أيّ طاغوت وجَبروت، فالظُّهور المنحنية وَحدها تصلحُ آلية للامتطاء، أمّا الأنفس الشَّامخة والأجسام المنتصِبَة فَتَحْيى كريمةً عزيزةً وتموت كالأشجار وُقوفًا، محافِظة على الدّافعية الطَّوعية لمحاصَرَةِ العبودية الطَّوعية، وممارِسَةً نوعًا مِن الإلزام الاجتماعي بتعبير مالك بن نبي والاستعلاء الإيماني بتعبير سيّد قُطب لأفراد مجتمعاتها بأنْ تمانع ضدَّ كلّ محاولات الاختراق المركِّعة للذَّوق الحرّ والسُّلوك الحرَّ والرّأي الحرّ، وبأنْ تَتكاتف لحماية الغِلاف الثَّقافي لكلّ الأجيال مِن ثقوبٍ تشوّه سُمْكَهُ وتَماسُكَهُ وتهدّدهُ في عُقر داره وتُنزِلُ بهِ شَرّ الهزائم، وأقساها إنزال العبودية الطّوعية بالبشرية، وما أقساها مِن عبودية «ذات طعم مَرير لدى النَّاس أينما كانوا وفي كلّ مكان»[2]. لذلك تابَعْنا وشاهدنا انتفاضات عارمة واحتجاجات كبرى منذ عصر الثّورة[3] إلى الآن، آلاف الرَّافضين لسياسات التَّحقير والتَّهجير والاستحمار الثَّقافي والإبادة العُنصرية والطائفية المقيتة، ومِن قلب أوربا الأنوارية وأمريكا الحداثية تَعالت موجاتُ احتجاجٍ منقطعة النّظير ضدّ العبودية بمعناها التقليدي يوم كانت تُمارَس ضدَّ السُّود الأفارقة في آسيا والعالم الجديد، وضدّ العبودية والاستبداد في شَكلهِما الحديث والمعاصر في أكثر مِن بُقعة في العالم، وتُرْفَض عبودية السّوق الحرة اليوم، وحضارة الرفاهية، وعولميات العولمة، وآلهة النَّجاح بتعبير عبد الوهاب المسيري، وتسليع الإنسان وجعْله مادّةً استعمالية وجماعات وظيفية في عالم السياسة والموضة.. تتوسّع رُقعة الرفض والعصيان المدني ضدّ أَكَلَةِ الحقّ في التَّحرر، وكأنّما صرخة (إتيان) تتأبّى عن الذَّهاب مع الريح، بل تتصاعد تَــثْمِـيـريًا مِن قِبَل عشّاق الحريات، وتتصلّب في وجه الوقاحة الحضارية والخديعة الاستكبارية ومعاني الاستضعاف الرّمزي للإنسان في كل مكان، صارخين متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟

الحرية.. بين الفُقدان والــنُّـشدان

تَعَرَّضَتْ قيمة الحرية المقدّسة إلى شتّى صُنوف الأذى والتعسّف والسّحق العَمد مِن قِبل مُجرمين سياسيين ومدنيين منذ عهود، سَعوا بمختلِف الوسائل التي أُتيحَت لهم لإخضاع الشُّعوب لحُكم الاستبداد وتَخْــيــيرِها بين حريتها وبين الحياة، ومُقايضَتِها بين الحرية والقُوت، وإلّا فإنّ كل حرية تعني (الفوضى)؛ فأَسَامُوا البلدان والعُبْدان أَذَلَّ الحَيَواتِ، وخَنْدَقُوها في عبودية طوعية للطُّغاة وشهواتهم ورؤاهم التي لا يرونَ للجماهير غيرها ولا يَهْدونها إلا سبيل الرَّشاد الفرعوني، طُغاةٌ غلاةٌ بعضهم «يَسود عبر انتخاب الشَّعب، والبعض الآخر بقوّة السِّلاح، وأمّا البعض الآخر فبالتّوالي الوراثي»[4] كما ميّز (دو لابويسي)، ومع تَغْــييــبِهم للحرية، غابت فُرص الحياة عن كثير مِن الشُّعوب أيضًا، حتى لقد رأى الفرد مِن تلك الشُّعوب «أنّ الحرية هي أنْ يموت وهو يَكرههم»[5]، لِشدّة ما حرموه أعزَّ ما يُطلَب.

يضع (إتيان) الظُّلم وإنزال العبودية بالنَّاس باعتبارها أفعالًا مناقِضة للطبيعة العاقلة، مرفوضة مِن العقول الحَسَنَة، ويُعلي مِن قيمة الحرية باعتبارها طبيعية وموافِقة للطَّبيعة والفِـطَر السَّليمة، بل يَذهب إلى حدّ إكبار وإعزاز سِيَر أولائك الذين فَدَواْ تاريخ الحرية والتَّحرر بمُهَجِــهِم وأهالِــيهِم وراحتهم، واسْتَرْخَصُواْ في سبيلها الوقت وأعمال العقل والبَدن، ويَجعل مِن حكايات البَسَالة التي تَـبَــثُّــها الحرية في قلوب المدافعين عنها أروعَ ما يُحكى ويُروى، والأحرار في كلّ الأعصار بمقامٍ نبيلٍ عند (إتيان)، فَهُمُ الشُّجعانُ الذين «لا يهابون الخطر أبدًا في سبيل الخير الذي يَبتغون، ولا يَرفُض ذوو الفطنة مُكابَدَةَ المشقّة مُـطلقًا، أمّا الجبناء والخاملون فلا يعرفون مكابدة الألم ولا السَّعي إلى الخير، فيقفون مِن المكارِم عند التمنّي»[6]، والــمُنَى بضائع الحمقى والمغفّلين، ولا تُـغْـنِــي حفنة مِن المخاذيل الجبناء عن التصدّي للاستبداد والعبودية، والمتردّدون غالبا ما لا يصنعون التاريخ، ولا يرفعون رأس أمّة ولا يُشَيِّدُونَ قلاع الحرية.

تَركها شاعر العَرب الكبير (نزار قبّاني) صرخة أليمة أثيرة:

لم يَبْقَ فيهم لا أبو بَكر ولا عثمانْ

جميعهم هياكل عظمية في متحف الزّمانْ

تَساقَط الفرسان عن سُروجهمْ

وأُعْلِنَت دُوَيلة الخصيانْ.

جميعهم تَضخّمت أثداؤهم وأصبحوا نِسوانْ

جميعهم قد ذَبحوا خُيولهم، وارتهنوا سيوفهم

وقدّموا نساءهم هدية لقائد الرُّومانْ

جميعهم قد تَركوا نِعالهم وهَرَّبوا أموالهم

وخلّفوا ورائهم أطفالهم

وانسحبوا إلى مقاهي الموت والنّسيانْ.

جميعهم تخنّثوا، تَكَحّلُوا، تعطّروا؛

تمايلوا أغصان خَيْــرُزانْ

حتّى تظنَّ خالدًا.. سوزانْ

ومريمًا.. مروان؛

جميعهم مُدَجَّنٌ مُروّضٌ منافِقٌ مُزدَوَجٌ جبانْ

هل ممكن أنْ يعقد الإنسان صلحا دائما مع الهوان؟

اللهَ يــــــا زمانْ!

مِن أجل هذا أعلن العصيان؛

باسم الجماهير التي تُساق نحو الذّبح كالقطعانْ

باسم الذين انتُزِعت أجفانهم، واقتُلِعت أسنانهم

باسْم الذين ما لَهم صوتٌ.. ولا رأي ولا لسانْ.

لأنّ تاريخ الأمم جميعا إنّما هو تاريخ ما ظَهَر بها مِن النِّساء النَّابغات والرِّجال النَّابغين، الأقوياء النّفوس والإرادات، وإنّ قوّة الأمم أو ضعفها إنّما يُقاسُ بخصوبتها في إنتاج الرجال الذي تتوافر فيهم شروط الرجولة الصّحيحة، وإنّي أعتقد -يقول الإمام حسن البنّا- والتّاريخ يؤيّدني؛ أنّ الرجل الواحد في وُسعه أنْ يَبني أمّةً إذا صحّت شروط رجولته، واسْتَوَت عناصر الحرية في نفسه على سُوقِهَا، وأَبَى الذّلة في الخضوع لسلطة غير عادلة وعبودية إكراهية وإخضاع أيديولوجي وإغراء فتّاك، والأمة التي لا يستشعر ولا يُقَدِّر أفرادها أكلاف الاستبداد ونَــيْر العبودية؛ أمَّةٌ لا تستحقّ الحرية بتعبير الكواكبي رحمه الله.

ورغم التَّـقدير الكبير الذي حظيت به قيمة الحرية في الفلسفة الإنسانية، ولدى الحركات الاجتماعية الحديثة والمعاصرة؛ إلا أنّ كثيرا مِن المدافعين عنها النّاهضين بها لقوا أشدّ الحتوف والمهالك، ونُفُوا من الأرض وأُودِعوا عنابر السُّجون وضُربت عليهم الأطواق وعلى كُـتُبهم ومقالاتهم وطرائق كفاحهم، وقد تَابَعْنا أحوال مجتمعاتٍ ودياناتٍ وجامعاتٍ وأقلِّياتٍ عرقيةٍ وظروفًا جَرَت فيها عمليات فرض قيودٍ على حرية القراءة والتفكير والتعبير والمشاعر والانتماء والتحيّز لأُدْلُوجةٍ مُعيّنة، مما أَوْكَسَ مستوى التقدّم والنهوض في الشعوب، وأفرز أجيالا مفتَقِدَةً لروح المبادرة والمغامرة، ومنعدمة في صفوفها التنمية الإنسانية والنموّ الاجتماعي المدني السويّ، ومنخفضٌ لديها منسوب الحرية الـمُؤكِّدَةِ للكرامة الخاصة للبشر في الحياة، والتي تنعكس في الخطاب الإنساني والسلوك العام في الفضاء العمومي المشترك، وطِبقا للمنطق العُـبُودِيِّ البَئيس يكون على كلّ فرد أنْ يسير على نفس الخطّ، أيْ التحقّق بالقابلية للعبودية الطَّوعية وإلا فسوف يُجبر عليها أو يُكره على الرحيل، مِن قُطر إلى قطر، أو مِن دنيا الناس إلى عالم الإله العادل الرحيم.

لو افْــتَـقَد قادة العمل الوطني في البلدان العربية والمغاربية، وزعماء الثّورة في كوبا والأرجنتين والفيتنام والفلبّين والهند وجنوب إفريقيا، امتلاك مشاعِر التّغيير وعواطِف نُشدان الحرية، ولو لم يكدّوا لتحشيد القوى المجتمعية في معركة التحرير والتّنوير؛ لَبَقِيَتْ لـِــحِــيــنِـنَا كثيرٌ مِن بلداننا ترزأ تحت وطأة الاستعمار المباشِر، وتَـنْقَمِع تحت أحذية الجنود ومَقامِع الإملاءات والقرارات الاستعمارية، وفوق هذا وذاك؛ لا يعلم إلا الله حجم تمَدُّد رقعة العبودية في صفوف شعوبنا، وتنامي طبائع الاستبداد الـمُؤدية إلى مصارع الاستعباد التي تُفقِد الأفراد طموحاتهم العريضة وتُميتُ مَرْغُوباتهم النّبيلة، وعلى رأسها المرغوبة المحبوبة: الحرية. وهي «نعمة كبيرة وممتعة جدّا، فإذا أُفْـقِـدَت تتوالى الويلات، وتَفْقِدُ النِّعَم بَعْدَهَا كلّ طَعمها ومذاقها، لأنّ العبودية أفْسَدَتها. إنّ الحرية خالصة لا يتمنّاها النّاس البتّة، لا لسببٍ آخر على ما يبدو، إلا لأنّهم إنْ يتَمَنَّوْها؛ فكأنّهم يرفضون الحصول على هذا المكسب الثمين، لا لشيء سوى أنّ الحصول عليه يسيرٌ جدًا»[7].

وتُواصِل اليوم أفواج مِن المناضلين وأجيال مِن المجتمعات حماية الحرية والاستماتة دونها، لا يُراودهم الشّكّ في أنَّهم أحرارٌ بطبيعتهم، مَدْعُوُّونَ لأَنْ يكونوا أحرارًا كما ولدتهم أمّهاتهم، اليوم وغدا، وأنْ يتّصِفوا بالعَزمِ على البقاء كذلك. وبِقدْر تصاعُد وتائر العبودية المعاصرة في أكثر من نقطة في العالم، مُستهدِفَة إنسان اليوم استعبادا واستغلالا، مُدارِيةً هزيمَته عَن طريق استعبادِه أمام السُّلطة والجاه تارةً، والثَّروة والوجاهة أخرى، والسَّعي لتركيعه أمام شهوات قاطِرات الحداثة مِن الموضة وثقافة الاستهلاك والفردانية وعبودية الجنس والاستصنام للنُّجومية الزَّائفة والحياة المائعة الفارغة مِن المعنى والدّراية، وإماتة روح المقاومة لدى الأفراد وإفقادهم المناعة ضدّ الاستبداد وبالوعة المتغيّرات التقنية والاجتماعية والسياسية السريعة.. إلا أنّه ورغم هذا كلّه وما هو أشرس منه؛ تتوالى فصول المواجهة، وتنامي الرّفض والعصيان، وبروز أدوار رائدة للمجتمع المدني العالمي في مناهضة تمدُّد الدولة وتغوُّل السِّياسة العابرة للقارات وانحرافات الإعلام والغزو الثّقافي والحضاري والتدّمير البيئي الممنهَج للأرض، وتُنَظَّمُ الفعاليات والأنشطة ويَتبارى النّاشطون هنا وهناك للدِّفاع عن الإنسان مِن حيث هو إنسان، وللنُّهوض بمجال عَيْشِنا الـمُشتَرَك، ولحماية المهدورين والمقهورين مِن طقوس العبودية الطَّوعية والإجبارية.. إنَّنا نَراهم يتمتّعون بعقولٍ مُنظَّمَة، ونفوس متطلِّعة، وحِسٍّ سليمٍ مُتَجَاوِبٍ مع نِداء الفطرة الأولى؛ «أولائك هم الذين إنْ فُقِدَت الحرية تمامًا أو استُبْعِدَت مِن هذا العالم؛ تَـخَيّلوها، فشعُرُوا بها في أرواحهم، فتذوّقوا طَعْمَها، وتَعَافُ نُفوسهم العبودية مهما ارْتَدَت أشكالًا»[8]. وهكذا هي قصة الحرية وتاريخها وروحها الطّارِدة لكل طُغيان واستعباد، تستمرّ فعّالة نفّاذةً مُقدّسَةً يُحيطُ بها العُقلاء والنّجباء والمناضلون مِن كلّ الأزمنة، لأنَّها مِن رَوْحِ الله، وإنْ حَدثَ ووُلِدَ «اليوم أُناسٌ جديدون تماما، لم يَتعوّدوا المذلَّة ولا ذاقوا طعْم الحرية، لأنّهم يجهلون حتى اسم هذه وتلك؛ ثُــمَّ خَيَّرناهم بين أنْ يكونوا تابعين وبين أنْ يَكونوا أحرارا، فماذا سيكون اختيارهم؟»[9].

ويأبى (إتيان) الوفيّ لقناعاته، المتورّط في قضايا وهموم الإنسانية، المتطلِّع لوضعٍ اعتباريٍّ وماديٍّ أفضل لها؛ إلاّ أنْ يختم مقالته القيِّمة الصَّامِدة على توالي الأيام بصفوةِ القول ولُباب الرّأي والاعتراف الجهير بأنّه ما مِن فكرةٍ أو خَطْرةٍ أو ذاتٍ أو شيء يُعادي الله الصّالِح والــمُحِبّ للبشر؛ مِثل الاستعباد والطّغيان.

فاعْلم أنَّكَ (كِ) إذا لم تَكن متحقِّقا بالحرية، متخلِّقًا بها، نزّاعًا (ةً) إلى رفض العبودية الطوعية، وحاضر الذِّهن في الموقِف؛ فكن أينما أرَدْتَ.. المهم أنّك لم تحضر الموقِف، فكن أينما شئت؛ واقفا للصَّلاة أمْ جالسا في ملهى ليلي، كلاهما واحد!


 

[1] دو لابويسي: إتيان، «مقالة في العبودية الطوعية»، ترجمة عبّود كاسوحة، مراجعة جوزيف شريم، مركز دراسات الوحدة العربية، ص: 6

[2] نفسه، ص: 19

[3] تُنسبُ اللفظة للمؤرخ البريطاني الكبير وعميد كلية بيربك – لندن جون بلير إريك هوبزباوم، صاحب الرباعية الشهيرة: «عصر الثورة»، «عصر الرأسمال»، «عصر الإمبراطورية»، «عصر التطرّف».

[4] مرجع سابق، ص: 13

[5] (أورويل) جورج: رواية 1984، ترجمة أنور الشامي، عن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، ص: 331

[6] «مقالة في العبودية الطوعية»: ص: 7

[7] (دو لابويسي) مرجع سابق، ص: 8

[8] نفسه، ص: 21

[9] نفسه، ص: 14

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد