في هذه الأجواء الدعوة إلى التفاؤل نوع من الوقاحة

إن أشد ما يؤلم المرء هو عجزه ورضوخه أمام الظروف المحيطة، وكم تكون الظروف ظالمة وقاسية، فهناك أوقات تصير محاولة الابتسام أمر شاق، في بلاد مثل بلادنا تصير محاولة مساعدة الآخر للنجاة من مأساته اليومية أمرًا صعب المنال، والأسوأ من ذلك أن الكثير يستيقظ منتظرًا أسوأ أحداث يومه، وإن مر اليوم دون أمر شاق أو كارثة نقول: خيرًا اللهم اجعله خيرًا.

وفي أوقات الصفاء أو الضحك نكون في شفقة وخوف من حدوث ما يعكر هذا الصفو؛ فتخرج الضحكات مرتابة متشككة أن تكمل طريقها، أو تتحول إلى صمت كئيب كالمعتاد. في بلاد مثل بلادنا، الضحك أو حتى الابتسام صار وقاحة، إن كنت لا تصدقني فانظر في وجوه المارة، أو لتجري حديث مع أحد الركاب في مواصلات النقل العام، لكن سيتوجب عليك تهدئته إن ارتمي بين ذراعيك باكيًا. جملة: تحلل الطبقة الوسطى. سمعناها كثيرًا منذ السبعينات، ومعناها – ببساطة – حدوث خلل وانفصال بين طبقات المجتمع؛ نتيجة لسوء توزيع الثروة المالية؛ فينقسم الناس إلى من أحبهم الله يملكون تصريحًا بالجنة على الأرض، والجانب الآخر من نبذهم الوطن؛ فأذاقهم ويلات ما صنعوا وما صنع غيرهم. وبين الاثنين كل الاختلافات الممكنة من فروق اجتماعية، ثقافية، وحتى الدينية.

وحديثا قد نفقد اشتراك اللغة الواحدة … نعم جميعا نتحدث العربية، لكن التواصل بين الطبقات من فهم الطرف الآخر وحدوث حديث فعلي صار معدومًا لغياب الطبقة الواصلة بين الاثنين. أما عن الطبقة المنهارة، فلها الله؛ فهي لم تنعم بالسيارة الفارهة، والمرتبات المرتفعة، ولا هم ممن يفكرون بقضاء اليوم فقط! تلك الطبقة التي تقول لفظة: بابا، ليست بابي أو دادي. وليست أبويا أو حاج. هي صاحبة الصالون المدهب والزواجات المرتبة، ورحلة الشقاء للظهور بأكبر قدر من الوسامة الاجتماعية، المعلمين أو الموظفين مثل أ/ عبد الغفور، ومدام سحر، التي تريد أن تفعل أي شيء في مكتبها غير عملها!

الآن قد تعرفنا على الطبقات الثلاث، لنرى ما قد حل بها في السنين الأخيرة من هذا البلد الفاني!

الاستيقاظ من النوم ومغادرة الفراش للتعامل مع الآخرين هو الجحيم بعينه

سنسلط الآن الضوء على الطبقة الوسطى. طبقة الأغنياء – أو كما يدعوهم ماركس بالبرجوازيين – في غنى عن كلامي والطبقة الفقيرة لا تهتم بالقراءة على أية حال. هنا يكمن جمال ومعاناة الطبقة المتوسطة، هي تمتلك نصف ثقافة نصف مال ونصف حياة. على سبيل المثال: م/ رامي. يمتلك من الثقافة والعلم ما يمكنه من التفوق على مديره: أ/ كمال بيك، كما أن رامي – بدون ألقاب – يمكنه التغلب عليه في أي نقاش حضاري، مثل أن العلاقة بين مصر والتدخلات الأجنبية ليست بالتأكيد في صالحنا، ليس أن هذه الدول تخشى مصر كما يزعم كمال بيك – كرم الله وجهه ورفع شأنه – لكن الثاني بالطبع سيكون على صواب؛ حتى لا يفقد رامي عمله.

والسؤال هنا: من أعطى كمال بيك أمواله؟ ولماذا لا يتم منح رامي فرصة حقيقية لإقامة مشروعه الخاص بتمويل جاد وتوفير الإمكانات اللازمة؟ وأيضًا وضع حدود لسلطة كمال بيك ونفوذه؟ هذه كلها أسئلة قديمة والإجابة عليها بسيطة جدًا.

كل الأنظمة السياسية لا تريد نموذجًا مثل رامي، هذا سيزعج كمال بيك، كما أنه سيصعب دور الحكومات من سيطرة سلسة على الشعوب، من يخطئ لا يحاسب، و الظالم لا رادع أو حتى مراقب له.

رامي وأمثاله من الشباب وضعوا مؤخرًا أمام أمرين: الأول الانزلاق للطبقة الفقيرة نتيجة لارتفاع الأسعار وعدم توفير المرتبات للاحتياجات الطبيعية، ليس الإنسان، ولكن للكائن الحي، والثاني الاحتيال والسرقة ببساطة شديدة.

وهنا يحدث الصراع بين فطرة رامي السليمة عادات وتقاليد الطبقة الوسطى صاحبة النشأة – شبه – الدينية، وبين الظروف المجتمعية الساحقة من إعالة نفسه وتكوين أسرة … إلخ من أمور نعرفها.

ذهابك لعمل من أجل حصول على المال الكافي لضمان موارد حياتك الأساسية واستمرارها من أجل ذهابك للعمل، هذه ليست حياة، وإنما عبودية برداء على أحدث طراز

هناك مصطلح انتشر حديثا يسمى modern slavery  أو العبودية الحديثة، ومعنى ذلك أن عمل رامي من أجل توفير احتياجات حياته الأساسية من طعام وشراب ومأوى ليست حياة، وإنما محاولة للبقاء ومحاربة ضد الموت، مثل أي رجل بدائي يهرب من الموت، ومعنى ذلك أن نسبة عظيمة من أبناء وطننا الحبيب عبيد جيدون جدًا، والباقي النسبة الباقية منها من سلك طرق ملتوية وهؤلاء أذكياء على الرغم من انحطاط أخلاقهم، والنسبة الأخيرة أصحاب الجينات المحظوظة من وجد نفسه في الدنيا يملك مالًا لا يعرف من أين، ولم يسلك طريقًا غير شريف … هؤلاء أكرههم كثيرًا ليس لعيب فيهم، ولكن لأني لست منهم فقط، وهذا سبب كاف.

 الاستمرار في هذه الحياة هو الخوف من إنهائها أو غريزة للبقاء مثل أي حيوان يجري من أمام عجلات سيارة مسرعة

من النادر مؤخرًا عدم سماع نبأ قتل أو حادثة وأصبح من الغريب مرور يوم جديد دون فقد جزء آخر من إنسانيتنا، والآن أرى أنا، وليس رامي، أن محاولة الاستمرار في هذا الوضع دون الخروج منه فرديًا أو جماعيًا هو نوع من أنواع حيونة أنفسنا، وحده الحيوان من يتحمل السوط في مقابل فتات الطعام والتبن، لكن الإنسان إن تكيف مع وضع غير آدمي تحيون. أي فقد ما يفتخر به عن سائر الكائنات، وهو عقله؛ فصار مسيرًا طبقًا لغرائز حيوانية بداخله، من جوع، عطش، استثارة جنسية، بحث عن أمان، الخوف ومقاومة الموت. وكم يصير الإنسان دنيئًا منحطًا على علوه، فهذه الأمور كلما صرت عظيمًا بين الكائنات؛ كلما زاد انحطاطك عند تخليك عن مكانتك.

على الشباب حديثًا الاستماتة في تغيير أحوالهم وذلك بالاجتهاد والتعلم والالتزام … أنا أعلم أن ما سأقوله وقاحة في ظل ما يدور حولنا، لكن علينا المحاولة للنجاح؛ ليس لأن هناك أملًا أو جدوى، لكن لاستمرار الجيل القادم في ظروف أفضل وواقع أقل ألمًا، عليك المحاولة وتحمل الألم ودفع غرامة بلادك، تحمل أخطاء غيرك، ليس لأن هذا عدل، لكن لحصولك على حق استمرار جيناتك في طفل جديد توفر له فرص أكثر من التي قدمتها الحياة لك. إن لم تستطع توفير تلك الفرص، فلتراجع نفسك في فكرة جلب طفل جديد في لحظة نشوة ليواجه هو ما تكره مواجهته أنت الآن. أما عن التغيير الجماعي فكلنا نعلم كيفآ وكلنا نخشى مواجهة الأمر والإتيان به، حتى آنا في هذه اللحظة فقدت ما فقدت من إنسانية لمواجهة الأمر أو حتى الكتابة عنه.

تزييف ذاكرة الشعوب أمر رائع رائع لدرجة أنه يحدث كل يوم لشعوب العالم

معظمنا قرأ رواية 1984 للكاتب جورج أورويل، وجملتها الشهيرة الأخ الكبير يراك، هذا بالضبط ما يحدث للشعوب تحت الحكومات القمعية والسلطة الأبوية.

هذه الأنظمة تملك من الأدوات ما تستطيع تزييف وتبديل ذاكرة شعبها، ومن ثم التاريخ، أنت تبدأ في تصديق ما يكرر على سمعك كثيرًا، وتبدأ في الإيمان بوجوده. شعورك الدائم بالمراقبة والخوف من العقاب يزيد في تحفظك وصمتك؛ فالجميع عملاء والجميع يشك في الجميع، لذلك نحبذ الصمت ونرحب بالسلامة.

بعد ذلك فرض خطابات وتصريحات غير صحيحة، ولم تحدث، على أنها حقائق نواجهها، وسن القوانين بناء على ذلك، أضف الصمت، واعتقاد بعض الأشخاص في تلك التصريحات نتيجة سماعها وترديدها كثيرًا أمامهم؛ فنجد أنفسنا في واقع جديد. بمرور الوقت تصبح تلك الكذبة واقعنا من ثم تكتب وتحفظ في كتب التاريخ مع إقصاء أية محاولة لتدوين الواقع الصحيح يصير هناك واقع جديد آخر جاهز لكي تؤمن وتصدق به. كما أن هناك رياضة محببة لهذا النوع من الحكومات وهي تسطيح المشكلات من أجل تسطيح الفكر ذاته، فأي فكر عميق للأمور، وإن كان هذا الفكر فاسدًا، باستمراره يصير تلقائيًا صالحًا، وإن صلح الفكر صلح الفعل، وأصلح فعل تحت ظل هذه الحكومات والأنظمة هي رفضها أو مراقبتها، وفي الحالتين يقع ضرر على النظام. عند تسطيح المشاكل والفكر تكون الشعوب لينة طيعة، إن غضبت سهل إرضاؤها، وإن هدأت التفت حول الحكومات مصدر أمنها و سلامتها. عند تسطيح الفكر لا يوجد هدف للحياة ذاتها أو قضية، فيصير هم الإنسان وجبة ومأوى، وإن توفر ممارسة الجنس، مثل أي قط في زقاق! سيكون الإنسان أسعد ما يمكن، لكن إن توفر كل ذلك بسهولة، فسيفكر الشعب أبعد من ذلك، وهذا ما لا يحمد عقباه.

 إن أفضل ما تفعله الشعوب للنجاة هو امتلاك فكرها

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد