مؤكد أن نظامًا تأسس بالدبابة والرصاص لا يضع نصب عينه إلا مصالحه، وترسيخ حكمه من خلال أدوات يتم صناعتها داخل مؤسسات الدولة كل مؤسسة حسب قوة تأثيرها وطبيعتها.

وأهم تلك المؤسسات «الشرطة والقضاء والجيش»، وما يتفرع من كل أداة حسب الاختصاص بالإشراف والتوجيه والتكليف.

جهاز الشرطة على سبيل المثال الذي مثل أحد أهم مسببات ثورة يناير، وأهم عوامل ٣٠ يونيو، وما تبعه من انقلاب، وبدأت عملية رفع رواتب جاهز الشرطة على النحو التالي:

١- قرار وزير الداخلية الأسبق اللواء محمود وجدي برفع رواتب وحوافز الجهاز.

٢- إقرار مجلس الشعب لقانون هيئة الشرطة ٢٠١٢، ورفع رواتب الجهاز.

٣- قرار وزير الداخلية اللواء أحمد جمال الدين برفع رواتب وحوافز وبدلات الجهاز.

٤- وصل إجمالي مرتبات جهاز الشرطة في الموازنة العامة للدولة للعام المالي (٢٠١٤/ ٢٠١٥) ٢٣ مليارًا و٨٨ مليون جنيه.

وفي مايو ٢٠١٥، صدر قرار وزير الداخلية رقم ٤٦ لسنة ٢٠١٥ المادة ٣٨ الخاصة بالمرتبات، ووضحت مرتب كل رتبة.

٥- ارتفاع بند مرتبات جهاز الشرطة في الموازنة العامة للعام المالي (٢٠١٥/ ٢٠١٦) بواقع ملياري و١٦٢ مليون جنيه، لتصبح ٢٥ مليارًا و٢٥١ مليون جنيه.

٦- أقرت لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان زيادة بند رواتب جهاز الشرطة في الموازنة العامة للعام المالي (٢٠١٦/ ٢٠١٧) بواقع مليار و٥٥٦ مليون جنيه، لمواجهة فروق ارتفاع الأسعار.

ولكن هل يقتصر هدف النظام من خلال رفع رواتب الشرطة أو منحهم أي ميزة، في ظل انهيار اقتصادي محدق على تحقيق رضا أفراد الشرطة وضمان ولائهم، وهل هذا يكفي لجعلهم أدوات تعمل كما يشاء النظام؟

النظام لا يسعى إلا لترسيخ حكمه وضمان عدم تعرضه للخطر، وفي سبيل تحقيق ذلك لا يتورع في صناعة أدوات مكنته من ذلك، أدوات يستخدمها كما شاء وقتما شاء.

من بين أهم تلك الأدوات جهاز الشرطة التي يعيش المنتمون له تحت تأثير تدابير معقدة مكنت النظام منهم لدرجة كبيرة جدًّا، بالفعل نجح النظام في السيطرة على عقول المنتمين لجهاز الشرطة ابتداءً من حالة الانهيار الأخلاقي في المجتمع التي وفرت للنظام نقطة انطلاق نحو صناعة الأداة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، داخل أسوار كراهية شعبية تقوى كلما زاد الظلم ومر الزمن وتراكمت المظالم.

ونحن أيضًا لا نفوت فرصة إلا أعلنا عن مدى كراهيتنا لجهاز الشرطة بشكل مطلق، وبلا عودة، ولم ننتبه إلى أننا نساعد النظام في تحكمه وسيطرته الكاملة والتامة على عقول هؤلاء؛ حتى وصلوا إلى ما هم فيه.

هذا يعني أن النظام لا يجب أن يهدر أي فرصة ليزيد من قوة وصلابة هذا السور الذي يضمن له السيطرة على عقول العناصر الشرطية، وتوفير الدافع لهم للقتل والظلم والبطش والقسوة على الشعب باعتبارهم أعداء.

هذا الذي جعلنا ننظر إلى ما يمكن أن يمثل الهدف الحقيقي لرفع رواتب ضباط الشرطة في ظل انهيار اقتصادي محدق يهدد مصر بشكل حقيقي.

فالغرض وإن كان ظاهرًا رفع رواتب عناصر الأمن لمواجهة الغلاء، إلا أن الهدف الأعمق هو إحياء حالة الكراهية في نفوس الشعب، يقابلها دافع وهمي يزداد في نفوس عناصر الأمن بنظرة عدائية وطبقية، جعلت للنظام السياسي الغلبة في الحكم والسيطرة.

كما أن رفع رواتب موظفي الدولة هو إجراء سنوي يستفيد منه جميع العاملين بالدولة، ويكون على الراتب الأساسي وليس الإجمالي.

الملفت في راتب موظف دولة «لواء شرطة» بعد أربعين عامًا من العمل ١٠٠٠٠ آلاف جنيه هو أنه يحصل على هذا الراتب في ظل منظومة مرتبات ضعيفة جدًّا، لا تكفي للحد الأدنى لحياة كريمة لموظف يعمل في الدولة نفس المدة «مستثنى من ذلك بعض الوزارات والمؤسسات منها المالية والبترول».

الراتب الإجمالي للواء الشرطة الذي كان سبعة آلاف جنيه في مايو ٢٠١٥، أصبح وفق آخر زيادة تم إقرارها عشرة آلاف جنيه (٧٦٩ دولارًا).

فيما كان المرتب الإجمالي تقريبا عام ٢٠١٢ لنفس الرتبة، ستة آلاف جنيه (٨٥٧ دولارًا).

أي أن القيمة الشرائية تنخفض رغم رفع الرواتب، وأيضًا توجد شريحة عاملة داخل جهاز الشرطة لا تهتم أساسًا بمرتب الجهاز! فكيف يتمكن النظام من السيطرة على هؤلاء بما لا يشغلهم.

الأمر الذي يعزز من وجود أهداف خبيثة للنظام أبعد مما يثار في حلقات النقاش والحوارات المجتمعية.

ما كتبته عاليًا ليس إلا نظرة على جانب من طلاسم النظام المسيطر بها على أجهزته خلف أسوار الكراهية، استفرد النظام بهؤلاء، واعتقل عقولهم، وسعى إلى عزلهم تمامًا عن المجتمع، وصنع لهم مجتمعات كاملة؛ لكي لا يحدث احتكاك مع المجتمع ينتج عنه تحرير عقولهم، فلا يعلم علة الناس إلا من كان منهم أو بينهم.

 

فرب موقف يخشاه النظام «يحيي ضميرًا» ظن البشر أنه قد مات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد