لا يكف حمور زيادة، الكاتب السوداني الكبير، عن مفاجأتي، ولا يتوقف ولا يعرف للكتابة الممتعة أي حدود. حمور مثل المرشد السياحي الخبير، يصطحبك إلی السودان الحبيب، يمسك بيدك برفق ويخطو بك في المدن والقُری، ويجعلك تسمع حكايات الناس وهم جالسون يدخنون النارجيلة ويتحدثون عن الجنس وأيام الصبا وخطرهم منذ زمن بعيد الذي كان يفوق خطر إبليس علی المؤمنين، يجعلك تسمع قولهم وهم يرددون في ثبات: «دنيا ما فيها عمار. الله يرحمه». وهم ينعون مزمل وهو علی قيد الحياة، ذلك الشاب الذي جاء بعد شقاء ليكون -حُرقة أحشاء- أمه سكينة النصري. لتموت هي في كل مرة تسمع أحدهم يقول أن مزمل «ود الموت.. ود الموت».

وهذه هي أول قصة في مجموعة حمور «النوم عند قدمي الجبل».

حُسنة بنت قنديل

حمور زيادة لص صاحب يد خفيفة يمكنها أن تكتب ببراعة، ويمكنها أن تسرق الوقت منك، فتقرأ أي عمل له ولا تهتم كم الساعة ولا كم من الوقت مضی، كل ما يشغلك هو ماذا سيحدث؟ أو ماذا يعني هذا اللفظ السوداني وسط كل هذا السرد المتزن بلغة جيدة لا يجزع منها الهاوي ولا يستخف بها المتمرس؟

تقرأ عن حُسنة فتقع في غرامها كما وقع الشيخ محمد ود دياب ومن قبله الشيخ عبدالمحسن، هذه المرأة الحسناء، الحية التي تنفث الهوی في الأرواح، فتجعلها هائمة وتجعل كل من يحبها خاتمًا في إصبعها.

عندما هاجرت الداية

ماذا يحدث لو غادرت الداية مدينتنا؟

لا أحد سيهتم بالأمر ولن يودعها أحد، امرأة دون أصل ولا حسب تغادر وكأنها لم تكن هنا، ولكن حينما تموت النساء بسبب عدم وجود الداية لتيسر عملية الولادة لهن، وحينما تترك النساء المضاجع خوفًا من حدوث حمل تموت وهي تخرجه من أحشائها تظهر المشكلة.

القصة هنا حكاية جميلة تبدو تراثية من زمن بعيد، يحكي حمور بعاطفة وشفقة علی حال تلك القرية، ويجعلك متأثرًا للغاية لما يحدث في حياة الكثيرين، لمجرد رحيل شخص واحد لم يكن مرئيًا بالنسبة لهم.

حِلّة ود أزرق

واحدة من تلك القصص التي تغرق في الرمزية، وإذا سحبتها من غرقها ستجدها تقطر بواقع نعايشه جميعًا في كل مكان. حيث إن ما يبدأ صغيرًا ويستمر في خطاه يمكنه أن يزحزح كل ثابت وكل تاريخ تعرفه، قصة القادم من مكان بعيد يتمسح في عطفك وكرمك، وحينما تهبه تجده يحاول أن ينازع ملكك ووجودك، ويحاول أن ينتصر لبني قومه الجدد علی بني قومك أصحاب الأرض، ذكرتني القصة بنضال منذ زمن طويل في قضية كان العالم بأكمله يتحدث عنها، ثم مر عليها الوقت حتی كُممت الأفواه وخرست الألسنة وباتت الأجيال الجديدة لا تعرف أصل الحكاية ولا تعرف الحق من الباطل ولا حقيقة النزاع من وهمه.

لكل عام خريف

من مسه مجنون ستصيبه لعنة فقدان العقل، الفزع يأتي مع الفيضان، وحينما يأكل أقرب الناس حقك تصبح مجذوبًا، وحينما يمس قلبك العشق تجاه فتاة جميلة، يكفي أن تلمس يدها لتنقل لها جنونك.

القصة ممتعة، قصة فقط هدفها الإمتاع، وحمور في مجموعته تلك قدم لنا نصوصًا مبتورة تجعلنا ننتظر من كل قصة مئات الصفحات في أعمال تالية، لأن حكايات حمور لا تنضب، ونهر النيل غارق بالحكايات التي يسطرها حمور زيادة في كل مرة ببراعة ومهارة يحسد عليها كراوي ماهر وصاحب حكايات جميلة وحزينة تروي ظمأ محبي الكتابة الجيدة والساحرة، التي تخطفنا من أماكننا، وتجعلنا نذهب معها أينما تريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد