هو فلم الدراما والجريمة المقتبس من رواية بنفس الاسم من تأليف لورانزو كاراكتيرا، والمستوحاة من وقائع حقيقية حول انتقام أربع فتية من حراس أحد إصلاحيات إعادة التأهيل، قاموا بالتحرش والاعتداء عليهم بعد سنوات من خروجهم من الإصلاحية، قام بإخراج الفلم باري ليفينسون وجمع طاقم التمثيل نخبة من أفضل الممثلين «روبيرت دي نيرو، داستين هوفمان، براد بيت، جايسون باتريك، كيفن بيكون».

بداية، تدور أحداث الفلم في سنة 1967 بأحد الأحياء الشعبية الفقيرة بمدينة نيويورك يدعى «هيلز كيتشن» حيث يعيش أربعة أطفال شايكس (جاسون باتريك ) ومايكل ( براد بيت )، جون (رون الدارد)، تومي (بيلي كرودب)، كانت تربطهم علاقة صداقة وطيدة ، وكان الأربعة تحت رعاية القس بوبي (روبرت دي نيرو ) المحبوب في الحي من الكل وصاحب الأخلاق الحميدة، الذي كان شديد الحرص على تربيتهم بأفضل طريقة وإبعادهم عن مصير الجريمة والمافيا الذي كان يؤول إليه معظم أطفال الحي بعد بلوغهم، لكن في أحد الأيام يحدث ما لم يكن في الحسبان، لعبة بسيطة من شقاوة الصغر والطفولة تقلب حياة الأطفال الأربعة رأسًا على عقب، حيث وفي محاولتهم لسرقة عربة بائع الهوت دوج تسقط العربة من أعلى سلم محطة المترو متسببة في قتل رجل، ما يؤدي بالحكم على الأطفال الأربعة بدخول مركز إعادة التأهيل للقاصرين «ويلكنسون» وهو أحد أكبر المراكز المشهورة بالصرامة والانضباط في ولاية نيويورك. 

يدير مركز «ويلكنسون» مجموعة من الشياطين في رداء بشر، حيث يتعرض الأطفال الوافدون على المركز على أعتى أنواع التعذيب والإساءة الجسدية والنفسية، وهذا ما حدث للأطفال من حي هيلز كيتشن طول فترة مكوثهم بالمركز، حيث عاشوا الويلات من إهانة وتعذيب وضرب جسدي والأنكى تعرضهم لاعتداءات جنسية بشكل دوري، الأمر الذي جعل من المركز نقطة تحول في حياة وشخصية كل طفل منهم، من مركز لإعادة التأهيل إلى مركز لتحطيم وقتل روح الإنسان والطفل البريء بداخل كل واحد منهم، وعزموا على الانتقام من الحراس في المستقبل.  

سنة 1981، كبر الأطفال وصاروا رجالا، تفرقت سبلهم وشتتهم الحياة، ولم يكن يجمع بينهم سوى شيء واحد هو ذاك السر الدفين الذين تعاهدوا أن يبقى مدفونًا داخل كل واحد منهم إلى أن تحين ساعة الانتقام، تلك الساعة التي كان شاهدًا عليها أحد بارات مدينة نيويورك، حيث التقى وبالصدفة كل من جون وتومي اللذان تحولا إلى عالم الجريمة والمافيا، برئيس الحراس في مركز «ويلكنسون» شون نوكيس (كيفين بيكون) والذي كان صاحب نصيب الأسد في معاناة الأطفال، حيث أطلقا عليه وابلا من الرصاص على مرأى من الناس، ولم يفكرا بتاتًا في عواقب ما قاما به، فشعور الانتقام أعمى بصيرتهما وتملك روحهما، فلم يتوانيا ثانية واحدة في قتله.

تمت محاكمة الثنائي على جريمتهما، وكان العامل الحاسم الذي سيؤدي بهما إلى السجن لسنوات طويلة أو حتى الإعدام وجود شهود على ذلك، ذلك العامل صار بدون جدوى حينما دخل صديقهم وشريك المعاناة معهم مايكل سوليفيان على الخط، والذي صار يعمل نائبًا عامًا، وكذلك شايكس الذي أصبح يمتهن الصحافة، وهندس الاثنان خطة متقنة من أجل العمل على إنقاذ صديقيهما من الإعدام وتحويل المحاكمة نحو مركز ويلكينسون، حتى وإن تطلب ذلك الاعتماد على الخداع والغش وتجاوز القوانين والأعراف.

لجأ شايكس إلى الملك بيني أحد أشهر عرابي المافيا بنيويورك لمساعدتهم في إنجاح الخطة، وأيضًا طلب من القس بوبي أن يشهد أمام المحكمة بأنه كان مع المتهمين ليلة وقوع الجريمة، بحيث أن شهادة القس كانت ستلعب دورًا حاسمًا في تبرئتهما نظرًا إلى موقعه كقس وسمعة شخصه الطيبة في أوساط نيويورك، لكن الصعوبة الأكبر كانت في إقناع شخص يعتبر نفسه عدوًا لدودًا للكذب وشهادة الزور، ما جعل شايكس يكسر القاعدة التي تنص على عدم إفشاء ما حدث لهم بالمركز لأي مخلوق كان، بعد أن رفض القس الإدلاء بشهادة كاذبة أمام هيئة المحكمة، حيث دخل القس بوبي في صراع كبير مع ضميره ومتاهة واسعة لم يعرف أي السبل فيها تؤدي إلى مخرج للحق والعدالة، إشكالية ستؤرق كل مشاهد وليس القس فقط، وسيختار كل واحد القرار الأخلاقي الأكثر عدالة بالنسبة إلى توجهه الفكري، أما القس بوبي، فقد اختار بالفعل وجهة العدل التي سيسير صوبها، فآثر الكذب وشهادة الزور على قول الحقيقة، وهنا لعبت عاطفة الحب التي يكنها للأولاد دورًا كبيرًا في قراره هذا، فسماعه للأحداث التي مر بها هؤلاء الأطفال ولّد في قلبه حقدًا وكرهًا ورغبة في الانتقام من هؤلاء المجرمين، الذين في نظره يستحقون الموت والعقاب جزاء لما فعلوه وحماية للأطفال الذين سيدخلون الإصلاحية فيما بعد من شرهم.

في اليوم الأخير من المحاكمة، خسر المدعي العام مايكل سوليفيان القضية لصالح محامي الدفاع داني سنايدر (داستين هوفمان)، خسارة كانت بطعم الفوز طبعًا لمايكل الذي رسم خطة محكمة لانتقامه وانتقام أصدقائه والذي انتظره منذ أول يوم خرج فيه من الإصلاحية، مايكل تأثر كثيرًا برواية الكونت مونتي دي كريستو من تأليف ألكسندر دوماس، والتي يدور فحواها حول الانتقام، وكان يقرأها مرارًا وتكرارًا ليبقي على نار الانتقام بداخله مضطرمة اللهيب ولا تخبو  شرارتها.

طريق تحقيق العدالة هنا لم يكن مستويًا مستقيمًا، بل كثير الانحرافات والمنحنيات، لكن الغاية هنا بررت الوسيلة، فقد كان الأمر متعلقًا بمعاقبة جناة لا يمكن الغفران لشناعة جنياتهم «اغتصاب الأطفال»، هذه الجريمة التي تؤدي في أكثر الأحيان إلى صدمة نفسية عنيفة وطويلة الأجل للطفل المعتدى عليه، وبغض الطرف عن الفيلم فقضية الاعتداءات الجسدية والجنسية على الأطفال هي أحد أكبر المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها العالم اليوم، بحيث تقدر منظمة الصحة العالمية (WHO) حوالي 40 مليون طفل يعانون من العنف ضد الأطفال، في منطقة الأمريكيتين ومنطقة البحر الكاريبي فقط، وحتى العالم العربي لم يسلم من هاته الظاهرة الفظيعة وإن كانت ليست بالقدر الذي تشهده دول الغرب، كان من الأفضل على الأطفال أن يرفعوا قضية ضد الحراس بعد خروجهم من السجن وأن يتركوا العدالة تأخذ مجراها من الطريق الأصح والسليم، كما أن على القانون ألا يتساهل مع مثل هاته الحالات، وعلى المجتمع ككل أن يتكاتف ويحارب هذه الجرائم بشراسة، من أجل حماية أطفالنا وحماية مستقبلهم ومستقبل الأمة، فهم مستقبل الأمة والمتجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد