تكبر أوجاعنا وتبدأ قلوبنا بالبكاء كلما تذكرنا الوطن – وما جرى لأهله وأبنائه، ولكثرة تراكم الأحزان فينا، لم يبق مكانٌ للفرح عندنا، وإن ضحكنا على أنفسنا وعلى أقرب النّاس إلينا، نخجل من ذواتنا إذا ما شعرنا بالدفء في دول اللجوء، نعاتب أرواحنا إذا مالتْ عن الرقّة والإحساس، نلوم ضمائرنا إن قَسَت، ونعجب من أناسٍ نَسَت الهم والصّحبَ وقضيةَ البلد، كيف يساورنا الفرح وأرواحٌ رخيصة تنوّعت فيها وسائل وفنون القتل والإجرام والتعذيب؟!

قبل أيام تناقلت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي خبر لجوء النظام السوري لنبش قبور ضحايا شهداء النهر بحلب، التي وقعت بتاريخ 29 يناير (كانون الثاني) 2013 في حي بستان القصر في مدينة حلب السورية، فيها أرواح ألقيت في النهر بلا رحمة وشفقة وبوحشيةٍ مطلقة، أبناء المدينة الذين أصبحت أشلاؤهم على أطراف النهر، بل أكثرها ظلّ في قاع النهر، ذاك النهر بات مقبرةَ المجرم – المقبرة الجماعية- مقبرة أبت ابتلاع أبنائها ليكونوا شهداء على أنفسهم وعلى قاتليهِم، في صبيحة المجزرة استيقظ أهالي حلب على أصواتِ الصّراخ وتكبير المآذن.

مشهد تاريخي وُقِفَ له بكل وَجَلٍ وارتعاش، ودموع فتكت بالأمهات والزوجات، الجثث تطفو على سطح النهر لأشخاصٍ من عمر 12- 60 عامًا، إذ كُبِّلت أيديهم وأرجلهم، وكممت أفواههم، وفرغت رؤوسهم بالرصاص، يقول أهالي المدينة إن دماءهم تنزف ولم تجف ولن تجفَّ، يا لِلوعة وحرقة القلوب يومها، هرع الحلبيين وقتها نحو النهر لسحب الجثث، بما يملكون من معدات بسيطة تقليدية، وأنهم احتاروا من أين يمكن توفير الأكفان كي تغطي العدد، وثّق الناشطون والإعلاميون والمحامون الأحرار الجريمة الجماعية الممنهجة بكل تفاصيلها، حتى يأتي يوم المحاسبة وتقديم القتلة ومجرمي الحرب أمام العدالة وفي المحاكم الوطنية والدولية.

لقد جرى التعرف إلى جثة 45 شهيدًا، وبعضهم مجهولو الهوية لم يتعرف إليهم أحد، وفي ما يذكر أن أهالي المدينة استطاعوا انتشال 114 جثة على مدى يومين متتاليين، وفوق هذا كلّه يعاود النظام السوري وإعلامه الكذب والدّجل بأن شهداء النهر قتلهم الثوار! والمروع أكثر أن الشهداء يقتلون للمرة الثانية، وذلك بنبش قبورهم وقيام النظام بنقلهم لطمس جريمته وإخفاء معالمها من شدة خوفه من محاسبة الشعب له مستقبلًا، التاريخ سجّل وما زال يسجّل الأحداث، والشعب لم ينسَ قَاتلهُ ولن ينسى ثأره.

حكاية سوريا وإجرام نظام الأسد فيها مستمرٌ ودائم، وعيون المجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تنظر نظرة جليدية، لم يكتف الكاذبون الدوليون بالرؤية فقط، فهم شاركوا الأسد في تبييض صفحاته وإعادة تأهيله من جديد على عرشٍ صُنِع من دماء السوريين، والأكثر من ذلك هناك من الدول من يدعي صداقة الشعب السوري، وتراهم يصولون ويجولون سعيًا لتحقيق مصالحهم القومية والاستراتيجية، والأكثر حنكةً «يبارز» ويسمسر بدماء السوريين، والأوراق كلها فضحت وعلمنا أن من يتحكم فينا هو القطب الواحد ومنافسه الذي يحلم برجوع معسكره السوفيتي، وسلسلة متوالية ومترابطة، والحاذق من تعامل معهم بمنطقهم اللاأخلاقي واللاشرعي بل المصلحي نفسه.

وبالمناسبة، واستكمالًا للحديث، ما يجري هذه الأيام في الداخل السوري المحرر فظيع من كثرة حوادث التصفية والاغتيالات لشخصيات مناهضة ومحاربة لنظام الأسد، وهم النشطاء الذين قهروا شبيحة النظام، فقرروا الإجهاز عليهم الواحد تلو الآخر بين فترات متقاربة، وهي سلسلة مستمرة ومدروسة، لإطفاء كلّ صوت ثوري يهدد وجود المجرمين والقتلة والمستبدين، لكن هيهات أيها المارون، العابرون، المارقون، المحتلون، آن لكم أن تنصرفوا من حيث جئتم واتركوا الأرض لأصحابها الحقيقيين، وأما آل الأسد مثلهم مثل آل صهيون، رحم الله شهداء النهر ورحم نشطاءنا وأحرارنا وشهداءنا الأولين، وألحقنا بهم غير مغترين ولا متكبرين، بل أعزةً منتصرين ولحق الله حافظين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد